يستعرض كتاب ( في قلب الاحداث ) نصف قرن من الأحداث الدولية و الإقليمية والوطنية تابعها مؤلفه نبيل فهمي عن قرب؛ بصفته مواطنًا طموحًا وشاهدًا مباشرًا و ممارسًا دبلوماسًّا و مسئولًا سياسيًا
لم أكن أعلم عن نبيل فهمي خلال عهد مبارك سوى أنه كان سفيرنا في واشنطن لفترة (من 1999 حتى 2008)، ولاحقاً علمت أنه ابن إسماعيل فهمي - رحمة الله عليه - ثم وجدناه قد أصبح وزيراً للخارجية في المرحلة الانتقالية التي تلت الإطاحة بمرسي في هذا الكتاب، يسرد نبيل فهمي مسيرته في العمل العام والدبلوماسي، منذ عمله في مكتب أشرف مروان ثم مكتب النائب حسني مبارك أثناء فترة تجنيده، وعمله بالخارجية المصرية في عدة مواقع، منها في بعثة مصر الدائمة بالأمم المتحدة، والمستشار السياسي لوزير الخارجية عمرو موسى، وسفيراً لمصر باليابان، ثم سفيراً لمصر في الولايات المتحدة في حقبة صعبة شهدت أحداث 11 سبتمبر، وسقوط طائرة مصر للطيران، واحتلال أفغانستان والعراق.
ذكر نبيل فهمي أن منصب وزير الخارجية قد عُرض عليه مرة من مبارك، واعتذر عنه، وعُرض عليه مرة أخرى بعد الثورة، واعتذر مرة أخرى، ثم قبله في يوليو 2013 بدعوى الاستجابة للمصلحة الوطنية - وكأن ما كان قبل ذلك ليس به مصلحة وطنية - وكان أساس تحركاته هو تبييض وجه النظام الجديد، ونفي صفة الانقلاب عنه، والتأكيد على أن وجود الإخوان على رأس السلطة كان سيؤدي إلى (تغيير هوية مصر) وأنه كان من اللازم اتخاذ إجراءات استثنائية للإطاحة بهم! ويشير إلى أن تحركاته قد نجحت - بمساعدة من الإمارات والسعودية - في تليين مواقف الهيئات والكيانات الدولية والإقليمية (كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي)، وعدم استمرار تعليق عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي. يتكرر في هذه المذكرات التفصيل في ذكر مشاكل الإخوان في السنة التي تولوا فيها الحكم، والكلام عن تهديدهم (لهوية مصر الوطنية كما استقرت منذ ثورة 1919)، والكلام العابر عن المذابح التي جرت في مصر، وهو نموذج لإجرام النخبة السياسية العلمانية في مصر التي لم تتورع عن المشاركة في قتل الثورة بسبب الخلاف الأيديولوجي في المقام الأول، والتعلق الواهم بهوية متخيلة عمرها أقل من 100 عام، ولكن هذا موضوعُ آخر يطول الحديث فيه. وفي مقابل إبراز أخطاء الإخوان وتضخيمها، فإنه في مقابل ذلك يتحول الحديث عن الخطايا اللاحقة ومن أبرزها مأساة سد النهضة، إلى حديث متحفظ بأنه كان من الأجدر أن ننتبه لكذا وكذا! تكلم الكاتب عن العلاقات مع أمريكا، وعن سعيه لتطوير العلاقات مع روسيا مع توضيح أن هذه العلاقات ليست بديلاً عن العلاقات مع الأولى، وكذلك تحدث عن محاولات مصر لتمرير قرارات دولية ملزمة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وإصرارها على أن تنضم إسرائيل للاتفاقية، والخلافات الكبيرة مع أمريكا بهذا الخصوص، ثم توقيع مصر في النهاية على اتفاقية التمديد بدون أن توقع إسرائيل، وبدون أي مكاسب حقيقية لمصر مقابل هذا التنازل! في هذه المذكرات تبدو من بعض المشاهد جوانب من شخصية مبارك وعناده، وطريقة تعامله مع الأمريكان، وخلافاته مع حكومة بوش، وموقف أوباما وإدارته من الثورة يحتوي الكتاب على الكثير من السرد فيما يخص القضية الفلسطينية وحرب الخليج واحتلال العراق، سواء شهد الكاتب الأحداث أو كان مشاركاً فيها، أو كان لمجرد السرد التاريخي، والحقيقة أنه لولا هذه الأجزاء لكان حجم الكتاب قد انخفض للنصف تقريباً. كنت أتوقع من الكاتب استطراداً في أجزاء بعينها، وخصوصاً في فترة توليه منصب السفير في واشنطن، لكن على العكس كانت هذه الأجزاء باهتة كشخصيته.
كعادة السياسين في إدعاء زهدهم عن المناصب والمراكز العليا وهذا ما استغربه هو من يرفض منصب وزير خارجية مصر في بداية الألفية ويقبلها بعدها بعشر سنوات في الفترة الانتقالية !؟ .. ما أعجبني هو أن صاحب المذكرات يظهر أنه صاحب مهنية عالية في شرح الأحداث والواقع السياسي لتجربته لكن رغم قربه من الوزير عمرو موسى والرئيس مبارك إلا أنه تحدث عنهم بتجرد خالص وهذا مايفقد السيرة الذاتية سحرها ويميزها عن الكتب الأكاديمية حيث بها الكثير من المشاعر ورؤية الشخص نفسه وهذا مالم أجده كثيراً في هذا الكتاب.
الأسلوب والأسرار المذكورة فيه والتي تخفى على معظم الشعب المصري والشعوب العربية جعلتني أقيمه بأربعة نجوم، أما النجمة المحذوفة فلسرده الأحداث المتعلقة بمصر ما بعد الثورة من وجهة نظره الشخصية بناء على توجهه والذي أعتقد أنه "توجه علماني"، فهو كان يرغب في انتخاب "رئيس علماني" يحافظ على هوية مصر كما يقول، لذلك لم تكن الرواية واقعية، بل وكان يسعى دوليا لتغيير الحقائق وروايتها للمجتمع الدولي وفق رؤية النظام المتغلب. كذلك كلامه عن حرب الخليج الثانية اختلفت معه فيه. ولكن ما يميز الكتاب فعلا بعد الأسلوب الشيق، أنه ذكر أحداثا دولية من باب أنها تعد إنجازات للنظام المصري وبعض الأنظمة العربية في حين سيرى من يقرأ من الشعوب العربية أنها كانت كوارث. وهذه ميزة أن تقرأ لسياسي عربي غير معارض ولكنه على خلق ومن أسرة راقية، فلن يرغب أن يؤثر عنه كذبا وسيروي ما يقتنع به حتى لو كان خلاف الرأي السائد، ومنه سنعرف أسرارا ما كنا لنعلمها لو قرأنا لغيره من السياسيين المنافقين والمتسلقين.