نفسها يتقطع من جديد. الخدر يتحكم بأعضائها. الوقت يتسارع، والنفق يزداد عتماً. ليتها تفهم الغمغمات التي تتهادى قرب سمعها. أصبحت الصور من حولها سريعة كلمح البصر، كأنها شريط فيديو يعدو بأقصى سرعته. عيناها لا تزالان مفتوحتين. وسط هذا الظلام لا ترى إلا نفسها، وهي تقف أمام المرآة، امرأة مكتملة بجسد يضج أنوثة، ووجه يفيض حزناً. ثمة جسد آخر في العتم، على طرف المرآة. جسد يحترق. نيران تشتعل من حولها، وتلتهم قلبها. ونداء بعيد يحمله الصدى... "ماما، ماما"!
غيداء طالب: كاتبة لبنانية تعمل في التّدريس. عضو في اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات. حاصلة على إجازة في اللّغة الفرنسيّة وآدابها من الجامعة اللبنانيّة، وعلى ماجستير في تعليم اللّغة الفرنسيّة من جامعة السّوربون. صدر لها عن دار نوفل ثلاث روايات: "قلب الغريبة" عام 2022، "بين غمّازتين" عام 2018 و"كلّ عام وأنت حبّي الضّائع" عام 2014. كما صدرت مجموعتها القصصيّة الأولى "نساء في مهبّ الحب" عن دار الفارابي، عام 2012.
"لا يزال مجتمعنا يعتقد بأن الإناث وحدهن من يلطخن سمعة العائلة، وأن الشرف مرتبط بجسد الأنثى فقط… ومنوط بحماية الذكور له. ولا يُسترجع إلا بإهدار دماء الأبرياء."
لدي عادة قرائية، ينتقدني عليها بعض أصدقائي المقربين، ألا وهي اقتناء أعمال لا أعرف عنها شيئاً، وتكون حديثة في الأغلب، ولا أعرف شيئاً عن كاتبها أو محتواها، في الفترة الأخيرة قللت من هذه العادة بشكل ملحوظ، ولكن كان لمصممة الأغلفة "لين راندل" القدرة على جذب انتباهي بغلاف أكثر من رائع ومريح للعين ويخطف النظر، لرواية "قلب الغريبة" للكاتبة اللبنانية "غيداء طالب"، لم أتردد مطلقاً في اقتناء للرواية، روح القارئ المقتني ظهرت على السطح، وارتضت هذه الرواية ذات اللوحة الفنية، فهل أرضت القارئ الناقد والمتذوق بداخلي أيضاً؟ دخلت الرواية دون توقعات هائلة ولكني وجدت رواية جيدة متماسكة تناقش مواضيع هامة، دون تهويل أكثر من اللازم، وفي نفس الوقت تحافظ على الحق في سرد الحكاية، ولغة الكاتبة ساعدتني كثيراً على التهام صفحات الرواية دون أي مشاكل تعوق قراءتي.
"غريب أمر الموت، تظن أنك ألفته لكثرة ما اعتاد زيارتك، وإذا به يفاجئك، أنت الذي تعرفه جيداً، برهبة مُباغتة، كنت توهمت أنك تخطيتها."
فتطرقت الرواية إلى عديد من المواضيع الهامة بداخل لبنان، ولكن لا يمكنك إنكار تماسها مع أغلب الدول العربية، فجرائم الشرف موجودة في كل شبر من أوطاننا، ولكن كانت الجريمة هنا أشد تعقيداً، وأشد حزناً، وأشد ألماً. ومن خلال هذا الموضوع نظرنا إلى وضع النساء بشكل عام، الحقوق المسلوبة منهن، وحرياتهن المقموعة وفي حالة الرواية، وحالات أخرى من نساء مثلهن! فالذكورية المُتسلطة يمكن أن تمارسها النساء أيضاً. فلمسني الجانب المعقد والصعب الذي نراه لمعاناة النساء، ولمسني أكثر وأكثر الجزء الخاص بالموت والفقد، وطرق التعامل معه، فتجربة موت الأحباب أو الأصدقاء أو الأقارب ليست بهينة، تلقي ظلالها عليك طوال حياتك، لا يُمكن التعافي منها، ولا أدعي أن هناك طريقة للتعافي منها، هي عملية مريرة مستمرة تحاول طوال حياتك تقليل آثارها وظلالها على حياتك.
ختاماً… قد تشعر أن هذه الرواية نسائية الهوى، ولكنك بمجرد أن تغلق صفحاتها ستدرك أنها للجميع، وبكل تأكيد ستشجعك للقراءة للكاتبة مرة أخرى.
من أروع الروايات التي قرأتها ، أسرتني بين كلماتها ،مذ بدأت قراءتها،أسلوب سلس ، بحر يتدفق بالوصف ، ملامسة للواقع المعاش بكلّ تفاصيله، فعلًا رواية أكثر من رائعة
لم اعتقد يوماً أنني سأستمتع هكذا بقراءة كتاب باللغة العربية !!!للأسف هذا تقصير من جانبي لعدة اسباب. انها رواية رائعة بكل ما للكلمة من معنى…تحمل في طياتها احزان، اوجاع، أحلام، و خيبات امل كثيرة نراها كل يوم في مجتمعنا الظالم!!! و ما هو أروع من هذه القصة الموجعة هو أسلوب الرائعة غيداء التي تنقلنا بين الماضي و الحاضر و تحضر دموعنا، ابتسامتنا و آهاتنا. و قد أغرمت بتناغم قوة اللغة العربية الفصيحة و بساطة الكلمات التي نسمعها كل يوم مع اضافة كلمات الشعر و الأغاني المميزة: انه مزيج رائع. احببت الشخصيات ، الأماكن ، التواريخ،و الأسماء حتى أنني أصبحت صديقة نادين، أتمنى ان أكون بجانبها في آخر الرواية!
جمالية الأفكار التي تعيدك إلى أجواء القرية الدّافئة والواقع المختلفة بين أنحاء المدن، تشعرك بمتعة الوصول إلى خطّ النّهاية. من كاتبة مميّزة اعتدنا على السّفر بين صفحات رواياتها. أنصح قراءة قلب الغريبة بشدّة!