يقول سلطان ثاني: «يتيمٌ هو النص بدون القارئ، ووحيد بكاتبه».
هذا الكتاب نصوصُ خواطر على هيئة رسائل متفرقة لأشخاص أو أشياء مختلفة، لأحياء وأموت.. منها ما تصل، ومنها التي لا تصل، وربما لن تصل.
العنوان ذكي.. فمن حيث كنا ننظر إلى الحمام الزاجل أنه طائر الرسائل، يأتي سلطان ليلفت انتباهنا إلى هدهد سليمان كيف جاء من سبأ بنبأ يقين، وبذلك يليق به أن يكون رمزاً لراعي البريد.. ميزة الهدهد الخبرُ اليقين، بينما الحمام الزاجل رسائله متفرقة لا يشترط فيها اليقين.
أول الرسائل يبعثها سلطان إلى (الرسائل).. يقول: «الطريق الأقصر للرسالة حين تُرسَل إلى الرسائل ذاتها».
يمتلك الكاتب مقدرة على الوصف، فيسهب ويفصِّل، إذا حدّثك عن السفر أمسك بيدك وأراك المطارات، وإذا حدثك عن صديق من أصدقائه جعل ذاك الصديقَ صديقك، وإذا تحدث عن ريم، تلك الطفلة المرحة الجميلة، فهي بين ناظريك، تراها وتستمتع بشقاوتها الظريفة وعنادها الشيق، وإذا حادثك عن "سلوت" كأنها وطنك ومدينتك، وإذا حادثك سلطان عن أناه كأنما يحادثك عن أناك أنت.. رسالته إلى نفسه يقول عنها: «تبدو مخاطبةُ الأنا في رسالة أصعبَ بكثير من مخاطبة أي شيء آخر»، ربما لهذا السبب هي أطول الرسائل.
كتب رسائل لشخصيات خيالية قرأها في روايات، وكتب لكتَّاب عباقرة مثل صديقه ستيفان زفايغ وعزيزه كارلوس زافون.
أما عن زفايغ فسلطان معجب به، يعجبه نزعته إلى «تفاصيل الزوايا النفسية والفكرية للإنسان»، وجد سلطان في أدب زيفايغ «انسياب الأفكار والأحاسيس والعاطفة أكثر من انسياب الوقت والأحداث».. والحقيقة أن رسائل سلطان ثاني أخذت هذا الجانبَ ذاته، إذ واضحٌ أنه أيضاً يحب الأفكار والأحاسيس والعاطفة فيكتب بها أكثر من الوقت والحدث، وهما في هذا يشبهان بعضهما بعضاً.
وأما عن زافون فقد صادف أنني أقرأ رسالة سلطان إليه وأنا أقرأ في الوقت ذاته روايته "ظل الريح"، وهذا أمر مخيف، إذ لستُ مستعداً أن يحدث لي ما حدث لسلطان من مرض، يلوم "ظل الريح" على هذا.
يقول سلطان: «لا أدري كيف يكون بريدٌ ما غيرَ مستعجل.. الرسالة ضرورة ملحَّة في قلب صاحبها؛ تقضي غرضاً، أو تطفئ لهفة، أو ربما تفي بخواطر كثيرة مكتظة».
لا أظنني كنت سعيدة بكتاب يصلني كما كنت بهذا،فلم يسبق لأحد أن أهداني كتاب عن طريق البريد السريع ( DHL)، عندما وصلني أحسست أن هدهداً جميلا يحمل لي رسائل كثيرة من زمن الحلم الماضي، كما أن الكاتب المبدع هو الذي تكبد العناء ليصلني الكتاب وهذا يعني لي الكثير، والكثير جداًّ. كيف يكون تأثير الرسالة في رسالة إلى الرسالة في كتاب رسائل ؟! لا شك أن تلك رسالة عظيمة وصل تأثيرها إلى أعماقي. أنت كاتب ذكي يا سلطان أن جعلت تلك الرسالة هي الأولى في كتابك. رسالة الحلم استوقفتني، قرأتها عدة مرات.حلمي لا يتغير يا سلطان، قد تتغير تفاصيله لكن العنوان ثابت كنت أظنه سيتخلى عني أو أتخلى عنه كلما تقدمت في العمر إلا أنني اكتشفت أنه يصبح أكثر عمقاً واتساعا وقوة فيشعلني تارة ويحرقني تارة أخرى. كنت أغبطك ككاتب يا سلطان ، أما اليوم فأنا أغبطك كقارئ أيضا! فها أنت تخاطب بلال الراحل في رواية بكلمات مدهشة أحدثت دويا هائلا في داخلي يتردد صداه : أحد أحد. أما عن علاقتك بستيفان زفايغ فهي حقا علاقة استثنائية جعلتني أتشوق لألتقيه، ولأعرف كل الأسود والأبيض في رقعة الشطرنج. طافت برأسي كل رسائل والدي إلي وأنا أقرأ رسالتك لريم. نعم يا سلطان، قليل جدا هم الآباء الذين يتركون رسائل لأبنائهم وما أكثر حظي وحظ ريم أن لدينا آباء مبدعين يعرفون كيف يكتبون رسالة تبقى العمر كله من أروع الأشياء التي قد يفعلها أب من أجل ابنته♥️ الرسالة إلى ( سلوت ) كانت غريبة ومدهشة ومرتبطة بالكثير من لوحاتي! لا أدري كيف تحول الجمادات والخيالات إلى كائنات مليئة بالحياة ! قد تكون أكثر رسالة أحببتها هي رسالتك إليك ولعلها رسالتنا جميعا إلينا ! في كل مرة أخالف فيها قلبي الأقدم مني يا سلطان في محاولة مني لإثبات غلبة معطيات العقل والمنطق يتركني ثم يثبت لي أنه كان على حق وفي كل مرة يا سلطان يكون الثمن غاليا جدا! يا أنت، هل أنت في الحياة كما أنت في رسائل الدهشة؟! هل أنت حقيقي وكل ما تدهشنا به من حروف يا أنت !؟ لا أدري إن كنت أرقى لأكون صديقة حرف، لكن أود أن أعترف بأمر يثقل كاهلي! قبل أزمة كورونا مزقت أكثر من ثلاثة دفاتر كانت تحمل نصوصاً لي وأفكاراً وأسرار، ولست نادمة على ذلك! أحسست أن فيها جبالاً لا يمكن لأحد حملها فلماذا أثقل أحداً بها !؟ أوافقك الرأي أن ( ظل الريح ) ليست أجمل رواية وليست هي التي جعلتني أقف على مفترق طرق لكنها فعلاً عصفت بداخلي وجعلتني أعيش خيالها واقعاً يحترق في كل زاوية أرنو إليها! كثير جدا من رسائلي التي تخلصت منها كانت إلى مجهول! لكن شتان بين مجهولي ومجهولك! فمجهولي كان حقيقة لا شك عندي بها في خيالي ولا يمكن أن أفصح عنه أكثر من ذلك أما مجهولك فعدمي تريد أن تخرجه من العدم.
رسائل هدهدك عميقة جدا كالبحر مليئة بالأسرار ،أقف أمامها فأراها كالبحر تمتد أمامي لا قرار لها مدهشة تثير في نفسي الرهبة والخوف والأمل والتأمل. تجعلني أفكر وأتفكر. رسائلك كالبحر العظيم إلا أنها أيضا سلسة جدا كرقرقة نهر . أشعر أحياناً أن عمر رسائلك قد تجاوز السبعين أو الثمانين عاما إلا أنني أكاد أجزم ان من كتبها شاب يافع مليء باندفاع الحياة.
لو أدرك الظل حقيقة أن له صديقاً مثلك يا سلطان لتحول في كل مرة يتكون بها إلى كائن آخر. كائن حقيقي يسعى لنيل صداقتك ولا يخاف أبدا أن ترى ظله !
أرهقتني جدا رسالتك إلى الصديق الذي فقدت وأرعبتني، قد يكون حظي قليلا في كثير من الأمور في هذه الدنيا لكنه كبير جدا جدا في الأصدقاء فلي منهم كنوزا نادرة حظيت بها نعمة وهدية عظيمة من السماء لا يمكن لي تخيل حياتي بدونهن.هم أهلي وسندي وأخواتي اللاتي لم تلدهن أمي. ذكرتني رسالتك بفقد والدي لصديقه الوحيد. وضع رأسه يومها على كتفي باكياً وقال رحل صديقي الوحيد. لم أذكر أن قلبي احترق كما ذلك اليوم يا سلطان. لم أعرف يومها كيف أداويه. كنت قليلة الحيلة. من أصعب الآلام يا سلطان أن ترى من تحب يتألم جدا ولا تستطيع شيئا من أجله 😔
كل رسالة من رسائلك يا سلطان فكرٌ يحتاج إلى كتاب كامل فكيف استطعت أن تضع كتاباً كاملاً في رسالة متكاملة لا نقص فيها ولا تقصير!
ذكرتني رسالتك إلى صديق الحرف والفكر بمقال قرأته عن الإيجابية المسمومة. تلك التي تلزمنا بالأمل والتفاؤل في كل المواقف على اختلاف قسوتها وآلامها. كنت أشعر قبل رسالتك أن لا أحد يدرك أن التفاؤل ليس هو الحل دائما والدعوة إلى القوة ليست ( طبطبة) في كل الأحوال إنما قد يكون ذلك قسوة تزيد من جروحنا في كثير من الأحيان!
الصوت وما أدراك ما الصوت! نعم للألوان صوت يا سلطان وللوحات صوت وللعناصر فيها كل على حدة صوت ! للعطور صوت، تخاطبني أسمعها تروي لي حكايتها قبلي وبعدي! ترى هل تتحدث أصواتنا الداخلية مع بعضها البعض ؟! هل سبق أن سمعت صوت أحدهم الداخلي ؟ قد ينبعث الصوت الداخلي من العين أو من الرائحة ، من لمسة أو من خطوة ! وفي كل مرة يا سلطان يكون الصوت أقوى من كل أمر آخر لكن من ذا الذي يسمع يا سلطان من ؟!
قضيت خمسة أيام من حياتي في قرية صغيرة من قرى لبنان شعرت بها بالكثير من الدفء والحميمية والحب والحياة، كانت مليئة بالود والحنان والرقص والفرح وبالكثير من دموع أهالي القرية الذين ودعوني وكأني ابنتهم التي ربوها والتي ستتغرب عنهم! ودموعي التي لم أتمالكها طوال فترة رحلة العودة. نعم يا سلطان يقاس حب المكان بالأثر الذي يظل باقيا في قلوبنا، ومن أهل المكان ومنا ! رسائلك عصفت بذهني وحفزتني على الكتابة و"فلسفتك" أثارت الكثير من الأفكار في داخلي وأوقدت شعلة من المشاريع التي كانت قد انطفأت وذهب حماسها. بعض رسائلك يا سلطان تحتاج إلى وقت طويل لأقرأها فهي ليست قصيرة كما تبدو، إنها طويلة جدا. في كل سطر منها رسالة وحكاية وفكرة. تحتاج بعض رسائلك إلى محاضرة يتناقش فيها الأدباء لكي يفهموا حقيقتها ويصلوا إلى نتائجها! رسائلك صعبة يا سلطان ومرهقة جدا إلا أنها مريحة جدا تنساب كالماء العذب في قلب ظامئ. رسائل هدهدك عاجلة جدا إلا أنها تحتاج إلى القراءة بتأني وهدوء حتى تأتي ثمارها كما يجب.
أنا مثلك لا أدري كيف تكون الرسالة ليست مستعجلة! فكل رسائلي ضرورة ملحة وملحة جدا ولي في ذلك حديثاً لا تكفيه الأسطر ولا توفيه! أكاد أقسم أن لا أحداً كتب إلى الكلمات التي آتت أكلها قبلك يا سلطان! توقفت عند هذه الرسالة كثيراً وقرأتها عدة مرات ! كم أنت عميق وكم عميقة هي رسائلك المتضادة في صفاتها !
ريشة الألوان كانت أنا ! كانت لوحاتي ومذاق الألوان فيها. حكاياتها وأسرارها. انتصاراتها وخيباتها.الدهشة التي تضعها في نفسي والسلام وكل ألحان الموسيقى. نعم يا سلطان أهيم بفرشاتي إلى عالم آخر بعيد جدا لا حدود له، حتى أنني ولفرط هيامي أنفصل عن هذا العالم ولا أعرف بعد ذلك كيف أرجع إليه!
هل تدرك يا سلطان كم هو مؤلم أن تلتقي بالروح التي تشبهك ثم لا تلتقيها!!؟ هدهدك يغرد برسالة الروح في أذني كلما استحضرت روحي ذلك الألم!
رسائل هدهدك يا سلطان رسائل سحرية أظنني سأتعلم منها في كل مرة أقرؤها. هي رسائل تجعلك تشعر في كل مرة تقرأها أنها المرة الأولى! هي قوية ومرهفة الحس،جبارة المعني رقيقة الأسلوب مليئة بأبعاد كثيرة جدا وهذا ما يجعلها رسائل غالية وقيمة لا يقوى على استشعارها أستاذ لغة عربية في المرحلة الإعدادية!!
اسم الكتاب: مالي لا أرى الهدهد اسم الكاتب: سلطان ثاني نوع الكتاب: أدب الرسائل صادر عن: كنوز المعرفة واقع في: 139صفحة مدخل: رسالة أبعثها عبر بريد الأدب إلى عناوين كثيرة، القليل منها واقعي، وأكثرها في عالم من الخيال والجنون والأدب. نبذة عن الكتاب: مجموعة رسائل بلغة قوية ورائعة وعميقة وجهها الكاتب(المرسل) إلى 26 جهة (المرسل إليهم)، فكانت الرسائل لها نصيبها الأول من نصوص الرسائل التي بعثها قلم عبقري محبوك بمهارة فكر فلسفي أسرته فلسفات عدة ومنحته القدرة بقلمه أن يهب حياة لجمادات ومجردات، وحتى لمستقبل لم يقع، وأعطى بفكره وحرفه الناضج رسائل لأدباء وأموات وأحياء ومدن وأشخاص. رأيت حقا في سطور الكاتب كيف يمكن لرسالة أن تصبح رواية وقصة وقضية وفكرة وأشياء أخرى لا يمكن تخيلها، وأن تمنح تلك الرسائل للظل صوتا وللصوت لسانا، كيف يمكنها أن تمنح كاتبها الذكي تذكرة سفر مجاني لتطوف به فوق الأرض حين قرر مهادنتها في رسالة، وأن تمنحنا نحن أيضا متعة القراءة المترفة بالجمال والمتعة بين طيات رسالة. مخرج: يوما ما سأكمل رسالتي الكبرى وسأمضي في طريق آخر ولا يعلم المرء ما تخبئ له الطرق الجديدة وهل الطريق إلا رسالة؟! اقتباسات عن الكتاب: *وما أشد على المرء من أن يجد الأشياء العزيزة على قلبه سرابا. *الرسائل الواردة في الكتاب هي لكل قارئ آمن أن الرسالة موجهة إليه. *ما يهم هو أننا نحلم، فمن لا يحلم يكمل سنوات حبسه في هذه الحياة حتى يفرج عنه الموت لحياة أخرى. *الأماكن ليست الا قلوب البشر تطفح فوق صمتهم لتشكل عاطفة المكان، والمكان ليس الا ذاكرة مختلطة لمن كانوا وهم في زمن الكينونة الراهنة. *غالبا البشر قصص ذات قوالب متشابهة، يبدأون بميلاد وينتهون بممات. *يا أنا..يا من أرسل إليّ برسالة مع هدهد الروح..عله يأتيني بالنبأ اليفين عني وعن أشياء لا أعرفها..أكتشفها للمرة الأولى... وأنا أكتب رسالة إليّ. *الكتابة عطاء والكاتب رسول الحرف الذي يوحى إليه. *وهل تُختطف الأشياء من حولنا الا على حين غرة؟ *الحياة لا تبنى على المعلوم أبدا، إنها مبنية على المجهول، والمجهول واسع وممتد. *من يقرأ النص يضيف له الكثير، يتيم هو النص بدون القارئ، ووحيد هو بكاتبه، كثير هو بعدد من سيقرؤه. #أمل_عبدالله #نهاية_2024