من باب تنويع قراءاتي، أنهيت اليوم كتابا اقتصاديا ... وهو كتاب "الاقتصاد السياسي الأردني: بناء في رحم الأزمات" للدكتور جعفر حسان (رئيس الوزراء الأردني الحالي)
الكتاب تم نشره عام ٢٠٢٠ في ذروة أزمة كورونا، قبل ٣ سنوات من تولي المؤلف منصب رئاسة الحكومة، وهو موجه للقارئ العادي غير المتخصص في المجال الاقتصادي. والكتاب بعكس توقعاتي، مكتوب بأسلوب سلس ممتع يدور حول فكرة أساسية تصل القارئ بسهولة.
يروي الكتاب معضلة اقتصاد الدولة الأردنية منذ تأسيسها حتى يومنا هذا، وهو قيامها على نمط "اتكالي"، حيث اعتمدت الدولة على المساعدات الخارجية كمصدر دخل أساسي، وبالتالي اعتمد السكان على الحكومة كمانح ومشغل رئيسي شبه وحيد، إلى أن تختلف الظروف والتوازنات السياسية فتنقطع هذه المساعدات وتنخفض إلى حدها الأدنى، الأمر الذي ينتهي إلى كارثة انهيار سعر صرف الدينار عام ١٩٨٩.
في هذه اللحظة تبدأ محاولات التحول الكبرى من النظام الاتكالي إلى الاعتماد على الذات، من خلال فتح باب الاستثمارات، وانسحاب الدولة تدريجيا لتُخلي الساحة للقطاع الخاص كشريك ومشغل، ومصدر رئيسي للضرائب، التي ستتحول إلى مصدر دخل الدولة الأساسي بالإضافة لتحويلات المغتربين.
محاولات التحول هذه تبدأ في التسعينات، لكنها تصل ذروتها مطلع الألفينات، إلى أن تصطدم بعدة أحداث كبرى تفقدها زخمها وتعيدها إلى المربع الأول: وهي الأزمة العالمية ٢٠٠٨، الربيع العربي، صعود داعش، ثم وباء كورونا.
هذا التحول لا تعرقله أحداث العالم والإقليم الكُبرى فقط، ولكن عوامل أخرى كالترهل الحكومي، وسوء الإدارة، وممانعة قطاعات نخبوية وشعبية للتغيير، والزيادة السكانية غير المحسوبة بسبب أفواج اللاجئين الكبرى، وشروط المؤسسات الدولية كالبنك الدولي، وأخيرا مديونية الدولة المتعاظمة، والتي تُكبل قدرات الدولة الاستثمارية.
المؤلف وزير تخطيط سابق، ونائب رئيس وزراء سابق في حكومة الملقي، ومدير سابق لمكتب الملك، ولاحقا رئيس وزراء ... لذا، وكما هو متوقع، فالكتاب يتبنى الرواية الاقتصادية الرسمية، مع بعض الجرأة في انتقاد ظواهر كالواسطة والمحسوبية، والتغيير المستمر للوزارات، وبحث بعض المسؤولين عن الشعبوية بدلا من مواجهة الواقع، والخوف من التغيير، مع إشارة ضعيفة واهية لمشكلة الفساد الإداري.
قرأت الكتاب على تطبيق أبجد، واستمعت بعدها لحوارية حول الكتاب (لحظة إشهاره) موجودة على اليوتيوب من تنظيم مؤسسة شومان ... وبكل صدق، الكتاب مهم جدا رغم "تفاؤليته" غير المنسجمة مع ما يعرضه من حقائق مفزعة.
وأخيرا، يمكن فهم الكثير من سياسات الحكومة الحالية بقراءة الفصول الأخيرة من الكتاب، حيث يُفرد المؤلف مثلا صفحة كاملة للحديث عن مشروع المدينة الجديدة، وضرورة إحياء المشروع مجددا، الأمر الذي قامت به الحكومة منذ أسابيع قليلة، وبشكل مفاجئ للرأي العام.