مصر القديمة_ 17 سليم حسن الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية .................... الحضارة المصرية القديمة كانت شديدة التفوق في كل شيء، كانت كأنها نبتت في فراغ يشمل العالم، فراغ من التخلف الضحالة والفوضي، في وسط هذا العالم نبتت مصر، نهضت من قلب الطين نشأة لم تتكرر علي مدار التاريخ كله. لم تكن الحضارة المصرية حضارة مباني وإنشاءات ضخمة فقط، بل هذه الحضارة ما استطاعت أن تنشيء مبانيها ولا معابدها الضخمة إلا بعد أن أنشأت الإنسان الكامل حسب وجهة نظرها للكمال الإنساني في ذلك الزمان، استطاعت مصر أن تبني الإنسان ثم بني الإنسان هذا الوطن العظيم. مثل الأدب بفروعه المختلفة واحد من روافد الإبداع في مصر القديمة، فبالرغم مما يشاع عن أن الأدب بفروعه المختلفة هو نتاج حديث إلا أن مصر القديمة كانت لها إسهاماتها العظيمة جدا المبكرة جدا في إنشاء هذا الانواع الأدبية المختلفة من قصة ومسرحية وشعر وغيره. ما يلي هو مقتطفات من حكم مصر القديمة التي ورثناها عن أدابها. ................. إن الروح تذهب إلي المكان الذي تعرفه ولا تحيد في مسيرها عن طريق أمسها. .......... ولو كنت استللت سلاحي بيدي، لكنت جعلت هؤلاء المخنثين يولون الأدبار، ولكن لا شجاع في الليل، ولا أحد يحارب وحيدا، ولا يحرز النصر بدون عضد. .......... لقد أعطيت الفقير وعلمت اليتيم، وقد جعلت الرجل المغمور الذكر يصل إلي غرضه مثل صاحب المكانة. ........ تأمل! لا شيء يفوق الكتب. .......... الرجل الذي يعمل علي حسب عقل غيره لا ينجح. ........ ليتني أجعلك تحب الكتب أكثر من والدتك، وليت في مقدوري أن أظهر جمالها أمام وجهك. ......... خيتي بن دواوف لابنه بيبي ................ لا تدخلن بيت غيرك... ولا تمعنن في النظر إلي الشيء المنتقد في بيته؛ إذ يمكن لعينك أن تراه، ولكن الزم الصمت، ولا تتحدثن عنه لآخر في الخارج؛ حتي لا تصبح جريمة كبري تستحق الإعدام عندما تسمع. .......... إن بيت الله يمقت الهرج، فصل بقلب محب ولا تجهر بصلاتك، وبذلك ستقضي كل حوائجك، وسيسمع الله ما تقول ويتقبل قربانك. .......... إذا كنت ماهرا في الكتابة، فإن الناس أجمع يفعلون كل ما تقوله، إذن خصص نفسك للكتب وضعها في لبك، وبذلك يكون كل ما تقوله ممتازا. كل وظيفة يعين فيها الكاتب فإنه لا بد يستشير فيها الكتب وبذلك يلازمه النجاح، فليس هناك ولد لملاحظ الخزانة ولا وارث لملاحظ الحصن... الوظائف لا أولاد لها... وفي هذه الحالة يحصل عليها الأكفاء الذين تعلموا كثيرا. ................. لا تفضين بما في قلبك إلي رجل، فإن كلمة خاطئة خرجت من فيك إذا أعادها من سمعها تجعل لك أعداء، وإن الإنسان ينزل به الخراب من جراء لسانه، وإن بطن الإنسان أوسع من مخزن الغلال، فهو مفعم بكل أنواع الأجوبة، وعليك أن تنتخب خير الكلام وتتحدث به، واجعل القبيح سجينا في بطنك. ................. ضاعف مقدار الخبز الذي تعطيه والدتك، واحملها كما حملتك، ولقد كان عبؤها ثقيلا في حملك ولم تتركه لي قط أبدا، وحينما ولدت حملتك كذلك ثانية بعد شهور حملك حول رقبتها، وقد أعطتك ثديها ثلاث سنوات، ولم تشمئز من برازك، ولم تكن متبرمة، ولم تقل: "ماذا أفعل أنا؟" ولقد ألحقتك بالمدرسة عندما تعلمت الكتابة، وقد وقفت هناك يوميا خارج المدرسة بالخبز والجعة من بيتها، وحينما تصبح شابا، وتتخذ لنفسك زوجة، وتستقر في بيتك، اجعل نصب عينيك كيف وضعتك أمك، وكيف ربتك بكل الوسائل. فليتها لا تضرك بألا ترفع أكف الضراعة إلي الله، وليته لا يسمع عويلها. ................ لا تأكلن الخبز إذا كان هناك آخر يتألم من عدمه دون أن تمد يدك إليه بالخبز، فواحد غني وواحد فقير... ومن كان غنيا في السنين الخوالي قد أصبح هذا العام سائسا، ولا تكن شرها فيما يختص بملء بطنك ، وإن مجري الماء الذي كان يجري فيه الماء في السنة الماضية قد يتحول هذا العام إلي مكان آخر، وقد أصبحت البحار العظيمة أماكن جافة وأصبحت الشواطئ بحارا. ................. لا تمثل دور الرئيس مع زوجك في بيتها إذا كنت تعرف أنها ماهرة في عملها، ولا تقولن لها: أين هي؟ أحضريها لنا، إذا كانت قد وضعتها في مكانها الملائم، واجعل عينيك تلاحظ في صمت حتي يمكنك أن تعرف أعمالها الحسنة، وإنها لسعيدة إذا كانت يدك معها... وبذلك يتجنب الرجل تحريك الشجار في بيته. ........... احذر أن تسلب فقيرا بائسا، وأن تكون شجاعا أمام رجل مهيض الجناح، ولا تمدن يدك لتلمس رجلا مسنا بسوء، ولا تسخرن من كلمة رجل هرم، ولا تجعلن نفسك رسولا في مهمة ضارة، ولا ترغبن في مصاحبة من قد أداها. ............ لا ترقد في الليل متخوفا من الغد، وعندما يطلع النهار فما شكل الغد؟، إذ لا يعلم الإنسان ما سيكون عليه الغد، إن حوادث الغد في يد الله. .......... لا تمنعن أناسا من عبور النهر، عندما يكون في قاربك مكان. ولا تصنعن لنفسك معبرا علي النهر، ثم تجاهد بعد ذلك لتجمع أجره. خذ الأجر من الرجل صاحب الثروة، ورحب بمن لا يملك شيئا. ........... لا تسبن من هو أكبر منك سنا لأنه شاهد "رع" قبلك ولا تجعله يتهمك إلي قرص الشمس عند شروقه قائلا: "شاب آخر قد سب رجلا مسنا." فإنه مؤلم أمام "رع" أن يسب شاب رجلا مسنا. ............... إن الصدق جميل وقيمته خالدة، ولم يتزحزح عن مكانه منذ خُلق؛ لأن العقاب يحل بمن يعبث بقوانينه... وقد تذهب المصائب بالثورة، ولكن الصدق لا يذهب بل يمكث ويبقي. ........... حصل الأخلاق... واعمل علي نشر العدالة، وبذلك تحيا ذريتك. .......... إن فضيلة الرجل المستقيم أحب عند الله من ثور يقدم قربانا من الرجل الظالم. .......... لا تكونن فظا؛ لأن الشفقة محبوبة، وأسس آثارك علي حب الناس، وسيحمد الناس الله علي مكافأتك لهم، مقدمين الشكر علي شفقتك، ومصلين لعافيتك. ......
المصري طالع عين اللي جابوه منذ فجر التاريخ مجموعة من البرديات والمراسلات والتأملات والحكم الأخلاقية والسياسية، قدم بعضها ملوك ووزراء وجاء معظمها من كتبة وموظفين.
كنت فاكر إن البيروقراطية اتولدت على إيد محمد علي ورسخ إسماعيل أصولها من بعده، لكن من الواضح إن المصري بيروقراطي بطبعه، فالوظيفة الحكومية بالنسباله هي الحياة، هي السلطة التي تسري إليه مباشرة ممن هم أعلى منه وصولًا للحاكم ليفرغها في من هم أدنى منه، كم هائل من البرديات التي كتبها أصحابها ليحثوا أبنائهم على تعلم الكتابة والاتحاق بجنة الميري.
في بردية رتب صاحبها أصحاب السلطة ترتيبا هرميًا فوضع الملك على رأس الهرم ثم الملكة ثم الموظفين، والموظف قبل الكاهن، تخيلوا!
لا تكن فلاحا، لا تكن جنديا، لا تكن صيادا، لا تكن إسكافيًا، لا تكن كاهنا ولكن كن كاتبًا (موظفًا).
في بردية مهمة كتبها أب لابنه يدعوه ألا يكون شيئًا سوى كاتبًا، فالفلاح مثقل بالهموم، مضطهد دائمًا، مثقل بالضرائب والضرب والجلد، لا يملك سوى الفتات مما يلقيه له أسياده أصحاب الأهرامات الشامخة والمسلات السامقة والمعابد المهيبة، والجندي لا يملك من أمره شيئا، فقير، حافِ، يتعرض لكافة المهالك ويلقى في الجخيم بينما يرتاح أسياده، وحتى الكاهن لا يسلم من الضرائب.
كتاب من أجمل ما قرأت يكشف لنا جزءًا مهمًا من تاريخ مصر الإجتماعي.