هذه البلاد التي تكنى بالعراق ، أرض الأنبياء و الأتقياء ، أرض الملعونين و المدنسين . بها سحر قديم غريب ، خليط من عبق الخير و فسق الشرور . في كل فجر يوم جديد تحرق الملائكة هذا السحر فوق مراقد الأنبياء الذين ولدوا على هذه الأرض أم النهرين دجلة الأنثى الجميلة و فرات الرجل الشجاع ، يسوح دخان هذا الحرق و يطير فيتنفس من بخوره كل من ولد هنا و عاش و مات هنا ، كل حي و كل ميت ، لا مفر من هذا الهواء لدخول الأرواح و الأفئدة . فكان " الحكيم المتأله" أحد أولئك الذين خرجوا من رحم العراق و تنفس من هوائها ، خط دربه في صفحات سنواتها مابين سنة 1356م إلى 1410م في حقبة زمنية عسيرة مخيفة سادت فتراتها خلافات و حروب دموية و هجرات قسرية و تبدلات في النواميس و الأحكام و الحكام . أخذ هذا الحكيم اليتيم من ذرات ترابها و نثره على مفرق رأسه فاتحا بصيرته نحو كوة النور البعيدة محاولا مجاراة تلك الضجوج بإيلاج نور في ظلمة العدم بعدما ساح في أرضها وتوضأ من نهريها فبانت له المعارج و الكشوفات النورانية من شوق و حزن و عشق وسكر وبقاء مابعد فناء فكان هو البدل ، الحكيم البدل للشيخ قضيب البان الموصلي . تأله و تنسك للواحد الأحد وغاص في نورانيته بطبائع متكررة و غير متكررة كانت جلها نورانية علوية ،لملم أجزاءه المتوارية في زوايا و أضلع العراق ،شق طريقا له مصدقا الرؤى و الإشارات السماوية فجمعها في كتاب سري حبره دموع وحدته و ابتسامة من زهرة زعفران يتيمة ، أيقن أنه المنذور ليخطه بيده بعلوم الزيارج و الجفر فيخفيه عن كل ذي شر و يبيحه لمن يكنى بالخير . هذه الرواية تتناول ملحمة هذا الحكيم المتأله الذي ولد ليكون منذورا لسر أذيب في ذرات نهر دجلة .