#مراجعاتْ
#الشاعر والملك
هذه الروايةُ ليستْ بالأدبِ الجيدِ فقطْ لكنها أدب يغير , ويدعو قارئه ليُفكر , و قليةٌ جداً بل قلْ نادرةٌ تلك الروايات التي حينما تنتهي منها تشعرُ أنْ صديقاً عزيزاً قد فارقكْ , وكنتَ تتمنى ألا يفعلْ.
لمْ أشعر وأنا أقرأ هذه الحكاية إلا أنّ وليد سيف كان شاهداً على هذا الزمان كأنه صاحبَ طرفة في كل مشاهد حياته و كأنه لم يخلق الأحداث بل عاشها.
فإلمْ يكنْ ذلكْ فكيفَ حصّل هذا النص البديع , وتلك اللغة السهلة البليغة، وهذا الحوارُ السلس الذي يجري على لسان أصحابهِ يسيراً بغير تكلفٍ ولا تناقض، وكيف رسمَ الشخصيات بكل هذا العمقْ، فكأنْي أراها تتحركُ على الورقْ.
هل كان طرفة الذي يتكلم وينقلْ وليد سيف الكلام على لسانه أم كان هذا خيالُ الرجل الذي حكي القصة كأنه شهدها أو كأنه أحد أبطالها .
كيف صاغ هذا الحوار المبهر , حوارٌ لا تشعر معهُ إلا أن طرفة كان هنا جالساً بين يدي الرجل يحكي لهُ قصته ويعرفهُ بنفسه ويبث لهُ شجونهُ ويحكي لهُ أطوارهُ ونوادرهُ، فما تشعرُ وأنتَ تقرأ إلا أنّكَ هناك في تلك الحقبة وذاكَ الزمان تشهدُ مع الشاعرِ حياتهُ ومعانته وتعرفُ طبعهُ وصفاته كأنك تراه.
هذا رجلٌ تعرفه من شعره , فلم يكن شعرهُ إلا حياته التي عاشها وآلامه التي قاساها وحده و غربة نفسه التي ما انفكت عنه لحظةً من عمره .
أظنني عرفته , رجلٌ مجنون بروحٍ ثائرة ونفس أبية كالفرسِ الجموحْ لا تملكُ إلا أن تبين عن نفسها، عرفته فتىً يائساً من الحياة مقبلاً على ملذاتها يطاردُ الموتَ كأنه لا يعبأ به ويصنعُ الحوادث كأنها لن تصيبَهُ و يمضي في رأيه كالسيف و يسلُ شعره على كل عادٍ عليه يمزقُ به شرفهُ ويبليه في عرضه شرّ بلية.
رجلٌ لم يرْضَ لقومه بالذلّ وإن رضواْ له به، ومضى في حياته كالسيف البتار حتى كسرهُ الدهر بنوائبه وتحولاته.
ربما تراهُ شجاعاً وربما تراهُ طائشاً لكنْك على كل حالٍ ستعُجبُ بهذه النفس الأبية التي لا تقبل الضيم , و التي تبين عمّا في نفسها ولا تكتمُه خشيةً من بطش أحد .
هناكٌ نفوسٌ خلقتَ لتحيا بحرية، لايملكها أحد ولا يقيدها أحد ، ولا تخضعْ لسلطانِ أحدْ حتى وإن كانت مكبلةً بالأغلال، فلا يقدرُ أحدٌ على قهرها .
ربما انتهتْ القصة بمقتلِ طرفة لكنّها في الحقيقة لا تنتهي أبداً , ستظلُ تبصر طرفة في كل حُر والملك في كل ضُر.
إنّها ليستْ قصة طرفةَ بن العبدِ البْكري مع عمرو بن هندٍ ملكِ الحيرة، وإنما هي قصُُةُ كلُ لسانٍ حرّ لا يجدْ الجبابرةُ معه حلاً إلا القطعْ، فالأحرار لا يُقيدونْ و إنْ كانواْ في الأغلال، فلا تزالُ الأُسْدُ مهيبةً في نفوسِ الضباعِ حتى وإنْ حواها القفص .
منْ قبلُ كان يرتبطُ في ذهني اسمُ طرفة بن العبدِ بالشعرِ الذي خلّفه، أسمعُ شعرُه فيعجبني لفظهُ ومعناهُ ولا ألتفتُ لما حواهُ هذا الشعر من معاناة صاحبه وما سجلهُ من فكاهته، كنتُ أقرأُ الشعرَ ولا أقرأُ الشاعرْ، لكنْ بعدَ قراءة هذه الرواية سأحاول قراءة الرجلِ الذي خلف هذا البيان البديعْ، فهذا رجلٌ لا تقرأ شِعرَهُ وإنّما اقرأهُ في شِعْرِهِ تجدْ نفسهُ حاضرةً بارزةً لا يقدرُ على مواراتها، وأظنُ وليد سيف كان بارعاً في التقاط سماتِ هذا الرجلِ من شعره حتى بانتْ شخصيتهُ جليةً أمامهُ فبعثهُ على الورقْ كأنما أحياهُ وهو ليسَ بحي .
لا أظن أنَّ طرفةَ بن العبدِ البكري رجلاً قتلهُ عمرو بنِ هند بل قتلَ هو كبرياءَ هذا الظالمِ المستبدِ بشِعرِه، وليس طرفةُ بالرجلِ الذي قتلهُ شعرُهُ فما أشدّ الفريةَ إن رميْنا شعرَهُ بذلك، بل الحقُ أنْ طرفةُ بن العبد رجلٌ أحياهُ شعرهُ فقد مات الجمعُ كلهم ولم يبقَ إلا طرفة محفوظاً في أبياتِ قصائدهِ ، فما أبرأ الشعرَ من قتلِ طرفةَ وما أبرَهُ لصاحبه .
ختاماً، أظنني فزتُ بكاتبٍ مفضل وشاعرٍ مفضل وروايةٍ مفضلة في آنٍ واحد , وهذا فوزٌ عظيم لم أحسب أنّي أنالهُ دفعَةً واحدة.