يتحدث الكتاب «عن القراءة وأنواعها، وجذوة التمرد الأولى، والابتداء كل مرة من الصفر، والمنطقة الخضراء، وشارع المتنبي، والمشاهير في إصداراتهم؛ عن الأحلام المتغيرة بين عقد وعقد، وكيف استحالت إلى أوهام؛ عن البدايات الأولى، والمسير المتعثر لبلوغ التوازن الروحي، وصياغة رؤية فردية حول السرد وأنماطه، ومنه الرواية».
مقالات، أو هي لقطات من الحياة، أو مثلما يقول عنوان الكتاب الثانوي إنها: «سيرة ثقافية لكاتب جوّال»، وهي التجربة الثانية مع المؤلف بعد كتابه الأول والذي كان كذلك مقالات حيّة عن بغداد وكوبنهاجن وريو دي جانيرو، أو عن حيث قادت الحياة المؤلف، وإن كانت مقالات هذا الكتاب الثاني تدور حول الكتب والكتابة، ولكنها تظلّ حيّة مثل مقالات الكتاب الأول، لأنها جاءت بنكهة عراقية لاذعة لا تغيب حتى وهو يتحدث عن برادبري وبول أوستر ويوسا وماركيز وغيرهم من الكبار الأعلام، ولأن صورة بغداد الأدبية في العشر سنوات، خاصّة، من القرن الماضي، كانت تتمثّل بجمال في هذه المقالات، صورة بديعة لم يغب عنها قطّ شارع المتنبي الذي من ثنايا كتبه القديمة كان المؤلف ينتشل لنا ما يصادفه فيعجبه من الكتب ويحكي لنا عنه في أسلوب ذي تلافيف تمسك بعناق كل زمن عاشه المؤلف في الماضي والحاضر والمستقبل وفي الشرق (بغداد دائمًا مع لمحات من محطة نفيه الأولى في دمشق) أو الغرب (كوبنهاجن حيث الغربة والمنفى الاختياري).
وأحببت كلامه عن الكتابة والكتب، وهي نظرات تنطق بالخبرة والتجربة والحياة، والمؤلف حقًا عاش تجربة حياة عريض، عرف فيها الكثير من البلاد والكتب والنساء، ومن مختلف الحضارات (وهو كثير الامتنان لذلك) وعرف كذلك الكثير من المرارة والفقدان في كل تلك الحضارات التي عرفها (وهو راضٍ بهذا القدر)، وكان أكثرها خسارة له هو ما حدث لوطنه جرّاء ثلاثين عامًا من الحروب.
وإنه ها هو يقول: أؤمن أن الحياة ليست معضلة، ولا مشكلة، إنما هي تجربة تستحق أن تعاش، وبنبل وكرامة وفضول وتفاؤل، لذلك لم أحقد على بلدي، ولن أحقد، إذ لم يوفّر لي الحياة التي أريد، وسأغادره برحابة صدر وسأختلق له الأعذار كي لا أكون له عدوًّا [..] هو مادة خيالي وأفكاري وإبداعاتي القادمة، هو المصهر الذي سأخرج منه رغيفًا جديدًا أسدّ فيه جوعي إلى وطن غائب [..] كانت أمنياتي وأحلامي أن أمتلك بيتًا صغيرًا أسكن فيه وأن أقيم في مكتبة دائمة وأفرشه وأؤثّثه كما أرغب وأعيش فيه شيخوختي، كنت أحلم أن أسافر بين مدن العراق وأغوص في قراه ورماله وأهواره وأنهاره، أسمع حكاياته وأنام تحت نجومه ليلاً، إلا أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، البلد تحوّل إلى كانتونات، إلى عُلَب، وهذا قدر عراقيّ يجب أن نرضى به، لقد دخلنا حروبًا ثلاثين سنة، وتحوّل نصف شعبنا إلى قتلة، ولا مشكلة عمّن يكون المسبِّب، فهذا واقع الحال.
هذا واقع الحال ..
وكم من الشجن يسكن حروفه! لأن كم من الذكريات التي لم يعد لها وجود في عالمه كذلك!