صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من "سلسلة ترجمان" كتاب دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية، وهو من تحرير ر. أ. و. رودس، وسارة أ. بايندر، وبيرت أ. روكمان، وترجمة علي برازي وابتسام خضرا. يقع الكتاب في 1360 صفحة، ويشتمل على إرجاعات ببليوغرافية وفهرس عام.
يتضمن الكتاب مسحًا شاملًا لما توصلت إليه دراسة المؤسسات السياسية، مع صعود المؤسساتية الجديدة، ويحتوي على مساهمات حوالى 40 أستاذًا جامعيًا متميّزًا في مجالات عدة من العلوم السياسية من مختلف الجامعات العالمية الرائدة، تتنوع من حيث المفاهيم المتعددة لهذه المؤسسات، إضافة إلى الأسئلة والمناظرات الكثيرة التي تثيرها بخصوص أصول المؤسسات وتطورها وأثرها في الممارسة السياسية وفي السياسات.
يعرض الكتاب مقاربات نظرية عدة كالمؤسساتية المعيارية، ومؤسساتية الاختيار العقلاني، والمؤسساتية التاريخية، والمؤسساتية العالمية وغيرها، ويغطي الاهتمامات التقليدية للعلوم السياسية في مجال الدساتير، والنظم الفدرالية، والإدارات الحكومية، والهيئات التشريعية، والمحاكم، والأحزاب وسواها، ويعكس الاهتمامات المتسعة بالمؤسسات العالمية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
في المؤسساتية الجديدة المؤسساتية، بوصفها مصطلحًا يستخدم في هذا الكتاب، تعني ضمنًا مقاربة عامة لدراسة المؤسسات السياسية؛ أي مجموعة من الأفكار والفرضيات النظرية التي تتناول العلاقات بين الخصائص المؤسساتية والفاعلية السياسية Political Agency والأداء والتغيير. وتشدد المؤسساتية على الطبيعة الذاتية النمو والبناء الاجتماعي للمؤسسات السياسية؛ فالمؤسسات ليست مجرد عقود تعكس التوازن القائم بين لاعبين فرادى، أنانيين، ذوي حسابات دقيقة، وليست حلبات للقوى الاجتماعية المتنافسة، إنها مجموعات من الهياكل والقواعد وإجراءات العمل المعيارية التي تمارس دورًا مستقلًا جزئيًا في الحياة السياسية.
للمؤسسات نكهات متنوعة كثيرة، بيد أنها تمثّل جميعًا منظورات للتفاهم، وتحسّن المنظومات السياسية، فهي تكمّل تفسيرين واسعين آخرين للعلوم السياسية وتنافسهما: الخيار الأول هو منظور اللاعب العقلاني الذي يرى أن الحياة السياسية تتنظَّم بوساطة التبادل بين لاعبين أنانيين ذوي حسابات دقيقة، والخيار الثاني هو منظور الجماعة الثقافية الذي يرى أن الحياة السياسية تتنظَّم بوساطة قيم مشتركة، ونظرة إلى العالم لدى مجموعة ذات ثقافة وتجربة ورؤية مشتركة. المنظورات الثلاثة: المؤسساتي، واللاعب العقلاني، والجماعة الثقافية، ليست حصرية. ويمكن تفسير معظم المنظومات السياسية على أنها تعمل من خلال مزيج من المبادئ الناظمة، كما ليس من السهل تمييز المنظورات. فالمؤمنون الحقيقيون بأيٍّ من المنظورات الثلاثة يستطيعون اختزال المنظورين الآخرين إلى مجرد "حالة خاصة" من خيارهم المفضل. لكن المنظورات الثلاثة متمايزة من الناحية البراغماتية؛ فهي تركز اهتمامها على جوانب مختلفة من الحياة السياسية، وعلى عوامل تفسيرية متنوعة، وعلى استراتيجيات متعددة لتحسين المنظومات السياسية.
الفروق الأساسية هي: إلى أي حد يَعْتبر المنظورُ المعني القواعدَ والهويات المحددة ضمن المؤسسات السياسية أعراضًا، أو مضاعفات جانبية تعكس ظروفًا بيئية، أو تفضيلات فردية مقررة مسبقًا، وموارد أولية؟ وإلى أي حد يَعتبر المنظور المعني أن القواعد والهويات يُعاد إنتاجها بدرجة من الموثوقية مستقلة، على الأقل جزئيًا، عن استقرار البيئة أو تغيرها؟
الفرضية الأساسية الأولى في المنظور المؤسساتي هي أن المؤسسات تخلق عناصر النظام وقابلية التنبؤ، وتصوغ اللاعبين وتعينهم أو تعوقهم في أثناء حركتهم ضمن منطق من الأفعال الملائمة. إنها حاملة للهويات والأدوار، ومؤشر على شخصية الكيان السياسي وتاريخه ورؤاه، وهي توفر روابط تشدّ المواطنين بعضهم إلى بعض، على الرغم من الأشياء الكثيرة التي تفرّق بينهم، كما تؤثّر في التغيير المؤسساتي، وتخلق بعض عناصر "اللاكفاءة التاريخية".
الفرضية الأساسية الثانية تقول إن ترجمة البنى إلى فعل سياسي، وترجمة الفعل إلى استمرارية وتغيير مؤسساتي، تتولدان عبر عمليات قابلة للفهم وروتينية. فهذه العمليات تنتج أنماط فعل ونماذج تنظيمية متكررة. وإحدى الصعوبات أمام طلاب المؤسسات هي شرح كيف يجري إرساء استقرار هذه العمليات أو زعزعتها، وما العوامل التي تديم هذه العمليات الجارية أو تعوقها.
مؤسساتية الشبكات يمكن التفكير في الشبكة على أنها مؤسسة إلى حد أنها تمثّل نمطًا مستقرًا ومتكررًا من التفاعل السلوكي، أو التبادل بين الأفراد والمنظمات. وتنظر المقاربة الشبكية إلى الشبكات، وإلى حد بعيد، بالطريقة ذاتها التي وصف بها بيتر هول المؤسساتية، وهي أنها متغيرات وسيطة حاسمة تؤثّر في توزيع السلطة، وفي بناء المصالح والهويات وديناميكيات التفاعل. لا يوجد نموذج واحد لدراسة الشبكات، بل هناك مناقشات متداخلة في العلوم السياسية، ونظرية التنظيم والإدارة العامة، وعلم الاجتماع الاقتصادي.
ومع ذلك، من العدل القول إن هناك أربعة مبادئ عليا، أو فرضيات مشتركة بين تيارات مؤسساتية الشبكات المختلفة. أوّل هذه المبادئ وأكثرها عمومية هو المنظور العلاقاتي Relational Perspective للفعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. في التفسير الاجتماعي، يناقض مصطفى إميرباير المنظور العلاقاتي بالمقاربات الخصائصية Attributional Approaches؛ ففي هذه الأخيرة، تُفسّر الظواهر على أساس خصائص الأفراد، أو المجموعات، أو المنظمات. أمّا مؤسساتية الشبكات فتؤكّد، على العكس، العلاقات التي لا يمكن اختزالها إلى خصائص فردية، بوصفها وحدة التفسير الأساسية. أما المبدأ الأساسي الثاني من هذه المبادئ هو افتراض التعقيد Complexity، وفيه يُفترض بالعلاقات التي تربط الأفراد والمجموعات والمنظمات أن تكون معقّدة؛ بمعنى أن الصلات بينها متداخلة ومتشابكة. ليست المجموعات والمنظمات مقيّدة بإحكام، وهي بالتأكيد ليست واحدية Unitary، وغالبًا ما تكون متداخلة. والمبدأ الأساسي الثالث من مبادئ مؤسساتية الشبكات هو أن الشبكات موارد وتقيي...