"لن يسألك الله لماذا لم تنتصر، أو لماذا لم تنجح، ولكن سيسألك لماذا لم تعمل؟ "
"نحن شعبُ يحب الحياة، ولهذا يموت من أجلها"
أيّ كمدٍ أتت به الصدفة، التي أحضرت هذا الكتاب إلى طرف أصبعي، لتتركني مُمزقٍ شرَ مُمَزَق.
الرواية تتحدث عن عملية "نفق الحرية" التى وقعت في السادس من سبتمبر 2021م حيث تمكن ستة أسرى فلسطينيين بينهم أربعة محكوم عليهم بالسجن المؤبد، من الهروب من سجن جلبوع الإسرائيلي المُسمى بالسجن الخزنة، والذي بني عام 2004 ليكون أكثر سجون العالم تحصيناً.
لقد تمكن أبطال هذة الملحمة من كسر أنف أعتى سجّانين سجون العالم بملعقة وبرغي.
الأبطال محمود عبدالله عارضه وولد عمه محمد قاسم عارضه ويعقوب قادري و أيهم فؤاد ومناضل نفيعات وزكريا الزبيدي.
الملحمة مسطورة بلسان بطلها والعقل المدبر لها محمود عارضة رضيُّ والديه كما تقول أمه التي لاتتوقف عن الدعاء له، عنه.
يقول محمود عن نفسه وعن أبطال فلسطين حين يصفهم
❞ إنّهم مشاريع شهداء، كلّ واحدٍ منهم خطوةٌ في الدّرب الطّويلة المُوصِلة إلى التحرير❞
«هل تهون الحياة علينا إلى هذا الحدّ؟! هل نهدرها بهذه السّهولة؟!»
«الحياة ليستْ هنا؛ إنّها هناك ثُمّ مَنْ قال إنّها تهون علينا حينَ نُستَشهدَ، إنّ الشّهادة أعظمُ شعور بالحياة وقيمتها، لذلك نذهبُ إلى الموت ونحنُ نُغنّي».
يذهبون للموت يغنون للوطن (أفكر !! أتعمق!! ثم أقول يالكم من شجعان كسرتم رهبة الموت) ، كيف فعلتم ذلك؟؟
«الموتُ في سبيل النّصر حياة». «الحياة الّتي خلفَ بوّابة الفناء خلودٌ، ألا تُدرك معنى ذلك؟!». ❝
بلى أُدرك!!!
أتساءل لماذا تموتون يامحمود ولأجل من؟؟
لماذا تتركون أمهاتكم ثكالى؟
زوجاتكم نائحات باكيات؟
كيف تتركون أولادكم أيتاماً؟
أيّ قلوب تحملون أخبرني!!
لأجل من تفعلون ذلك؟
يجيبني!!
❞ نحن لانموت الثائرون لايموتون الذين يحلمون بالحرّيّة لا يفنَون، والّذين يرتبطون بالأقدار الإلهيّة مُحالٌ عليهم أنْ ينتهوا!! ❝
يستكمل محمود فيقول:
❞ كان الموتُ جزءًا من حياتنا اليوميّة، جزءًا من طعامنا وشرابنا ولِباسِنا كان أحدَ أفرادِ أُسَرِنا كان يُمكن أنْ تقول إنّ هذه الأسرة مكوّنةٌ من أربعةِ أفرادٍ؛ ثلاثة إخوة رابعهم موتُهم، أو خمسةٌ سادسهم موتُهم، أو سبعةٌ ثامنهم موتُهم، ولم نكنْ نعرفُ للموتِ جنسًا، هل كان أخًا أم أُختًا، ذكرًا أم أنثى؟! لم نكنْ نعرف، ولكنّه كان أحدَنا. ما من ليلةٍ لم يبتْ فيها معنا في بيوتنا، كان من الممكن أنْ يغيبَ أحدُ أفراد الأسرة لسببٍ أو لآخَر خارج البيت، أمّا الموتُ فلا! ❝
ثم يكمل متسائلاً؟؟
❞ هل تعرفون كيفَ يُمكن أنْ تُودّع شهيدًا، أنْ تودّع حبيبًا لن يعود، أنْ يغوص هذا الجسد الّذي يملأ عليكَ كيانكَ في التّراب، أنْ يُصبح وجوده ذكرى، أنْ ينتهي كما ينتهي أيّ حلم. ❝
لم يتوقف محمود لم يسمح لي بإلتقاط أنفاسي وأكمل.. هل تعلم؟
❞ أينَ يصعدُ الشُّهداء؟! كيفَ يرتقون إلى الأعالي؟! مَنْ يستقبلهم هناك؟ مَنْ يمسحُ على جِراحهم لِيُنشِئهم من جديد؟! مَنْ يأخذُ بأيديهم في النّعيم حتّى يتمنّوَا أنْ يعودوا مرّة ثانِية إلى الأرض، ليسَ إلى الأرض، بل إلى فلسطين، وهل الأرضُ كُلّها غير فلسطين ❝
هل تعلم ماذا نردد عند فراق الإستشهاد :
❞ «ارفع السّبّابة… نحنُ مُوحِّدون… مِن أجل هذا الواحد الّذي في الأعالي، الّذي يرانا في كلّ حين، نفعل كلّ هذا… نحن لا نضربُ بقوّتنا بل بقوّة الله، سهمُنا طائشٌ وسَهم الحقّ صائب» ❝
أستمهل محمود !!!
لأجل من تفعلون ذلك؟؟
فيجيب!!
لأجل فلسطين، هل تعرف فلسطين؟
❞ كانتْ فلسطين عروسًا مَهرُها الدّم، لم يبخلْ هؤلاء الشّهداء المُحتَمَلون بدمائِهم مرّة، ولم يتردّدوا في أنْ يسكبوها على ثرى معشوقتهم لحظة! ❝
برغم كل ماقلته لي يامحمود مازلت لم أقتنع؟ فيجيب!!
❞ «إنّهم فِتية آمنوا…». وهنا..... سكنَ ما اضطرب، وجُمِعَ ما انسكب! ❝
دمعة حبيسة في محجرها،،،
أكمل يامحمود أكمل أياك أن تتوقف فيردف قائلاً :
❞ كُنّا نلمسُ بوّابات الصّفيح، وننقر عليها بأصابِعنا أغنيةً اخترعناها معًا:
غنها لي يامحمود أوجعت كليّ، فا أنشد قائلاً..
«هذا البابُ الأَوَّلُ بائِسْ..
يَحْكِي قِصَّةَ أَرْمَلَةٍ فَقَدَتْ فارِسَها فِي الحَرْبِ فَمَا ثَمّة فارِسْ..
هذا البابُ الثّاني يُخفِي قِصّةَ شُهَداءِ القَصْفِ، لَقَدْ كانُوا سِتَّ مَناراتٍ في اللَّيْلِ الدَّامِس..
ماتَ الخَمْسَةُ بَقِيَ السّادِسْ..
احْكِ القِصّةَ يا مَنْ ظَلَّ يَتِيمًا ووَحِيدًا..
كَيْفَ يَفُوهُ الآيِسْ؟!
هذا البابُ الثَّالِثُ.. والرَّابِعُ.. والخامِسْ
عُدَّ كما شِئْتَ مِنَ
مِنَ الأَبْوابِ تَجِدْ حُزْنًا، وشُموعًا ذابَتْ، وَرَحِيلاً مِن بَعْدِ رَحِيلٍ..
وشهيدًا في الحرب وراء شهيدٍ..
يتلوه شهيدٌ لم يخرجْ بعدُ من الفِكرةِ. وعلى كَفّيه تَحطُّ نوارِسْ..
وَحَكايا تَر��سُمُ خارطةَ الأيّام ووَجْهًا عابِسْ..
إلاّ أنَّ البَابَ العاشِرَ كان يُخبِّئُ فَرَحًا يَتَشَكَّلُ كالوَرْدَةِ في الحَقْلِ اليَابِس..
قالَ البابُ المُتَفائِلُ: لَنْ نَيْأَسَ..
خَلْفَ اللَّيْلِ الفَجْرُ..
وَرَاءَ الأَيْكَةِ غَيْمٌ..
فَوْقَ الأَرْضِ المَذْبُوحَةِ رَبٌّ حارِسْ.. ❝
(ريان)، كلب محمود الأبيّ الوفيّ أيضاً كان يغني معهم نشيداً نضالياً مقاوماً.
يقول محمود عن كلبه الذي شاركه سنوات نضاله.
❞ كان علينا أن نحمل تصاريح العمل البائسة هذه من الحاكم العسكريّ. حينَ تقدّمْتُ لهذا التّصريح شفَع لي الكلب. نظر الشّرطيّ إليّ بازدِراء، وهمسَ لنفسِه وهو يُدخل الاسم على الكمبيوتر الّذي أمامه: «مُشرّد يُصادِق كلبًا… وسَجِلُّه نظيف، لا خوف». ❝
مشرّد يُصادق كلباً .......
أصبحت يامحمود مشرداً في وطنك.
يامحمود عش السلام هناك إتفاقية سلام وهناك سلطات فيجيب :
❞ لا سُلطةَ إلاّ للبندقية، ولا حُكْم إلاّ للرّشاش، ليقلْ هؤلاء البائِعون على الطّاولات ما يقولون، وليُطمْئِنوا جَزّاريهم ما شاؤوا، فالقول الفَصْل لم يكنْ يومًا إلاّ للحجر في يد صبيِّ لم يبلغِ الحُلُم، والكلمة الأخيرة لا ينطقها إلاّ القابِضون على الزّناد، والصّفحة الحقيقيّة لا يَخُطّها إلاّ الدّم، والتّاريخ لن تكتبه إلاّ رصاصات المُقاومة… أمّا هؤلاء السّفلة المُنبطِحون فستسوقهم مكنسة الحقّ إلى مزبلة التّاريخ. ❝
ثم يضيف ...
❞ (شارون) لا يُتقن غير القتل، ونحنُ نُتقِن الصّمود والمُقاوِمة، سَفّاحٌ متعطّش للدّماء، أشداقُه تسيل عليها أرواحُنا، كؤوس خمره تنضح بعروقنا، هل هذا بشريّ؟! نحن نواجه أسوأ الوحوش في التّاريخ، لكنّه لن ينتصر، دَبّاباتُه، طائِراتُه، راجِماتُه، مِدفعيّته، وجرّافتُه مقابِلَ صدورنا العارِية، و… ولن ينتصر، لن يمرّ،. وحشيّته مقابل نِضالِنا، فُجورُه مقابل طُهرِنا، وسِكّينُه مقابل وَردِنا، مَنْ سينتصر في النّهاية؟ نحن.
الدّمار ليس قُوّة، السّحق ليسَ حقًّا، إرادتنا هي القُوّة، وعزيمتُنا هي الحقّ، ونحنُ لن نهون. ❝
ثم يقص محمود حياته الممتلئة بأكثر من عشر سجون آخرها سجن جلبوع بالكلمات الذابحة.
"الّذي قال لكمْ إنّ الكلمات تقتُل لم يقلْ لكمْ إنّها تُحيي كذلك"
يقول محمود عارضه عن سجن جلبوع ❞ ظلّتْ أعوامُ سجن جلبوع مُدىًّ ناهِشة، إنّه ليسَ السّجن الأشدّ حراسةً فحسب، بل هو السّجن الّذي تُسلَب فيه الحقوق كُلّها، سجن الأحلام المخنوقة، سجنُ الموت المُعتّق، سجنُ الحكايات المُؤلِمة، سجن الدّروب الّتي لا تُفضِي إلى شيء، وسجن النّهايات الّتي لاتأتي سريعة ولكنها إذا أتت كانت قاصمة❞
❞ وكان عليّ أنْ أتذكّر، الّذين لا ينسَون يحقّقون غاياتهم في زمنٍ أقلّ ❝
وحين يتحدث عن النفق يقول :
❞ نحن نحفر لحدًا أو أضيق من اللّحد، الفرق أنّه لحدٌ ممتدّ، ستشعر أنَكَ في القبر، بل هو قبرٌ فِعلاً. ليسَ لدينا حسابات لاهتِزازات الأرض، لدينا حسابات لاستجابات السّماء،
ويصف محمود اللحظة الأولى حين عانق أنفه هواء الحرية فيقول
❞ وها نحن؛ لا جُدران، لا سَجّان، لا قيود، لا تفتيش، لا تعذيب، لا وجوهَ بغيضة، ها نحن… إنّ يومًا واحِدًا في الحرّيّة يُنسِي عذابات قرنٍ كاملٍ في السّجن، نحنُ أحرار، وسنبقى كذلك حتّى نموت. ❝
أرفع القبعة، للنابغة الكاتب أيمن العتوم
الذي وضع بقعة الضوء على هذه الملحمة البطولية، لتبقى مخلدة في تاريخ أبطال فلسطين.
بلغة تليق بهذة الملحمة
بلغة لايُكتب بها إلآ في البطولات والمآثر
دمت في حفظ الله، ودام قلمك.