كما ترتاح الشجرة من حِملها عند قطافها، استراحت ذاكرة راتب شعبو على الورق وأحيت زمنًا ما يزال رنين أجراسه البعيدة يتردّد ترنيمة جذلة في فضاءات الروح والذهن. ترتحل بنا هذه الرواية إلى طفولة الكاتب القروية وما انطبع في ذاكرته، بمادّتها الأوّلية، من أحداث وأشخاص ومواقف وانفعالات نطمئنّ إليها، ونتفاعل معها، ونحياها في إطار سردي متين جمع بين الوجودية والحتمية تعبيرًا عن واقع اجتماعي أُسَري، وبين النقد المباشر لحقبة اتّسمت بالقمع الفكري. وصفٌ مبهرٌ نابضٌ يضعنا في قلب الحدث حيث الطبيعة تتنفّس، تلتقط مشاعر من تحضنهم، ترعاهم ويرعونها، ويأبون الانفصال عنها، إلى أن أفقدت الحداثة خبزَ التّنور نكهتَه وشوّهت الآلات خدَّ الأرض الأسودَ وفقأت السياسةُ حناجرَ الحرية، «فاتّسعت تلك الهوّة السوداء وابتلعت طريق القرية ثمّ ابتلعت بيتنا وأشجارنا....وحين راح عمّال الحجارة السود يتركون أماكن عملهم ليتحوّلوا مقاتلين بالبواريد هذه المرّة وليس بالمطارق، يطاردون رجالًا آخرين... هكذا تحوّلت فُرُش القيلولة الفقيرة تلك، قبورًا حقيقية، كأنّ الحجارة تنتقم لنفسها».
راتب شعبو: طبيب وكاتب سورى من مواليد ١٩٦٣. قضى من عمره ١٦ عامًا متّصلة (١٩٨٣ - ١٩٩٩) فى السجون السوريّة، كان آخرها سجنُ تدمر العسكري. صدر له كتاب دنيا الدين الإسلامى الأوّلَ، وله مساهمات فى الترجمة عن الإنجليزية.
الكتاب يعتبر سيرة ذاتية أو مجرد سرد لذكريات الكاتب لطفولته وهو عبارة عن فصول منفصلة معظمها ملهاش علاقة ببعض بيحكي فيهم عن أهله و الناس في القرية بتاعته مثل الحلاق،الشيخ وشخصيات كتير كدة معرفش مين دول حتي لدرجة إنه اتكلم علي الحمار بتاع القرية و الشجر وتاريخ بناء التواليت في المنازل!
الكتاب في أجزاء قليلة جداً يلقي فيها الكاتب الضوء علي بعض الأحداث في سوريا ولكن معظمه للأسف بيركز علي معارف الكاتب اللي أكيد أنا مش مهتمة بيهم خالص بجانب إنه تقريباً متكلمش عن نفسه ولا كيف أنخرط في العمل السياسي ولا حتي عن تجربة سجنه مع العلم إن راتب شعبو قضي ١٦ سنة من عمره في السجون السورية !
نوعية الكتب دي عادة مش بخلصها بس كان عندي أمل إني حلاقي حاجة مهمة في الأخر و لكن في النهاية لم أجد إلا ثرثرة فارغة! قراءة الكتاب كانت فعلاً مضيعة للوقت!
ماذا يعني أن تقف مقابل عمل شعري أو نثري أو أثر أدبي بالقراءة، أو على الاقل ماذا يعني ترك انطباعنا الخاص عنه ، هذا يقتضي ولو جزئياً التسلح بالأدوات التي تجعلنا قادرين على التسلل عميقاً داخل تلابيب النص، أو على الاقل ملامسة حوافه الممكنة لتلمس بعض ما رمى إليه الكاتب بتأويلنا الشخصي الذي يعتمد على الفهم، والذي يرسمُ ابعاداً جديدةً للعمل قد تغيب حتى عن الكاتب نفسه. في رواية /كأجراس بعيدة /للروائي السوري" راتب شعبو" حاولت الغوص بروية ومهل متقصد للبحث في معمل الذاكرة الذي أنشأه المؤلف ليتلو حديث الذاكرة والطفولة، وإيقاع أثره هذا، يفتح لنا نافذةً لتخيل الجمال والطبيعة وأنماط من البشر الذين قد تحتويهم أي جغرافية قروية وفسحة ريفية جميلة. ربما لستُ من أنصار الشخصيات المتعددة في الرواية والتي يحتاج فيها القارئ إلى ورقة وقلم جانبه، ليلم شتاتها ويجمع خيوطها وينسجها ليفهم خط الرواية كما ينبغي. لكن قضية كثرة الأسماء وتعددها في الرواية, والتي لا تجاهد في سبيل قضية حاسمة أو المشاركة في معركة محددة الملامح أو لتعترك ظرفا معيناً بالحياة ، أو لتكون نموذجاً مناقضاً لموجود ثابت او إثبات نسق فكري مغاير، أو لترسيخ فكرة يسعى البطل إثباتها أو نفيها، أو حلماً اسطورياً يحاول تحقيقه ويتعثر بكمية الشر الهائلة ، لا... فهذه الشخصيات كثيرة ربما، ولكنها ليست معقدة أوأحادية المعركة ، وفردية الملامح، بل هي ألوان ممتزجة بعناية وفن في لوحة عامة اسمها / القرية أو البلدة الجميلة/ فالشخصيات التي مهد لها المؤلف وظننتها ستهدم جدران المستحيل وتقاتل وتشقى وتصارع ، بقيت بلا ملامح واضحة ومعارك حياتية طاحنة بل هي سلوكيات يومية لا دموية ، من فاطمة الجدة إلى أربعة أبناء وبنتين وأحفاد، فهذه الشجرة العائلية رسمها المؤلف لتكون رمزاً لعوائل كثيرة من خلال إسقاطات معينة أوردها. و ألوان الحكايات وأطيافها وتعاريج اللوحة وتمازجاتها، هي شخصيات متباينة، كلٌ منها عكست حالة نفسية وثقافية وذهنية، لنخرج بتصور كامل عن الحالة الثقافية والتعليمية والاجتماعية والسياسية والعادات التي تحكم تلك المنطقة، فمثلا مرض جهينة والتي ظنوها تتمارض، والثقافة التي نسبتْ المرض لوهمٍ تعيشه. ودهشة الريفي لرؤية المدينة، ودخول المسرح إلى القرية وشيءٌ من نسيج ممتد مشترك وعصارة ذهنية، فأنا أيضاً أذكر في طفولتي ماكان يطلقه اهلي على المدينة وهو لقب/ بلد/. ولكني استغربت بعض التفاصيل التي وردت، وهل كانت مقبولةً إلى حد السكوت عنها بل و التعايش معها، مثل نموذج المرأة سكينة متزوجة ولها أربعة أولاد يعاشرها وديع بعلاقة يتضح أن له مصلحة فيها، ثم يدخل بهيج بعده ولا يخفى على زوجها وأهل القرية الشبه الكامل بين ابنها من بهيج وأبيه، وبعيش هكذا بسلام مع إخوته من زوجها الحقيقي الشرعي، في قيم القرية هل يكون الإنسان متسامحا لمثل هذا الحد فيما يتعلق بتفصيلة كهذه... لا أدري؟ السياسة في الرواية هي إشاراتٌ معينة وأسماء معروفة، لاتحليلات معمقة وخوض غمار معارك محتدمة من خلال التصريح والتحليل، بل تشكيلٌ للإطار العام الذي يؤطر المشهد الحياتي، ليؤثر بشكل أو بآخر في قناعات الشخوص و تفاعلهم أو تحييدهم أو رميهم في عمق الجب، من ألوان مضافة للوحة القرية وذهنيتها حيث للسياسة نصيب في التوجهات والمصائر. من إخوان المسلمين، ورابطة العمل الشيوعي واسم فاتح جاموس كضيف شرف في العمل ، وانقلاب بعثي، إلى شاب. ٍيُقتل في ثورة في دير الزور ضد الجماعات الإسلامية، وتختفي جثة الشاب كما الكثيرمن الجثث، عندما تتحول البلاد إلى مقبرة، وكثرة الصدامات الطائفية في اللاذقية، وكذلك اضطرابات التجار ومظاهراتهم وكيفية التعامل مع تلك المظاهرات. روايةٌ تركز على التفاصيل التي أجاد الكاتب حفظها نقية في خياله عصيةً على النسيان ، ليشكل ذهنية القرية ومعالمها وحتى أشكال بيوتها ونسيج أفكارها، من خلال تقسيم السرد لأجزاء، فللعلية جزء، ولتاريخ التواليت جزء، وحتى غصن شجرة اللوز أيضا، وتغيير نمط البناء ودخول الفرن بدل التنور وخبزه الشهي. وزينو الفران، وسورية الفتاة التي هربت بجمالها من اللاذقية إلى لبنان، وسميعة وأم صالح وعارف الذي أنشأ مزرعة لصغار الحمير وأم سميع ونصر الأخرس وولده علي الذي عاش مكتوم القيد بلا سجلات وعزيز وأم صبيحة و لمياء وقصتها مع زينو الفران ، هي أسماء كثيرة، لملامح كثيرة و أمزجة متعددة تحضر وتجهد لرسم لوحة مشتركة تتقاطع الخطوط فيها وتمتزج الألوان، ولكنها لوحة حاضرة و حقيقية. سردٌ انسيابي بلغة مأنوسة بعيدة عن الحشو واللغو، بعيدة عن الملل لأنه مقسم إلى أجزاء أو لوحات متفرقة وكل لوحة هي تحضير وتهيئة لذهن القارئ ليختزن المشهد وكأنه من رحم تلك الجغرافية. باختصار المؤلف "راتب شعبو" لايقذفنا في اليم ويمضي، بل يمنحنا عدة السباحة والتخيل، مع انفتاح المشهد الأخير على صورة مشهدية عامة ابتلعت ومازالت تبتلع...... وربما هذا المشهد يحتاج رواية خاصة بل روايات. في النهاية، ليست هناك قراءةٌ تتمكن من النص تمكناً كاملاً أو قراءة تخنق النص خنقاً كاملاً، بل هي محاولاتٌ لإكساب العمل أطيافٌ من القراءات المتعددة والتي تغنيه لا تلغيه.
يكتب راتب شعبو، وكأنّه يعيد خلق الأحداث من جديد، وطبعاً يعيد تشكيلها بخياله. روايته أقرّب للسيرة الذاتية، ويأخذنا معه إلى طفولته وشبابه الأوّل، وتتطور الأحداث إلى مسألة الاعتقال، ودور أخيه ورفاقه أساسي هنا. نص راتب بمثابة تأسيس جديد للكتابة الأدبية، وبما لا يذهب الروائي أو الأديب بخياله بعامة بعيدا عن الواقع بلحظاته، الماضية والحاضرة وبما يؤسس لكتابة مستقبلية واقعية، والواقع هنا لا يتناقض مع الخيال والتجريد. في نص راتب سنجد عوالم قريته "البائسة" وهي مثال عن الريف السوري بعامة أمام أعيننا، وسنرى الألم الشديد الذي عاشه الأب "البعثي" بعد أن كان يأمل في حياة أفضل له ولعائلته ولسوريا، فتحطمت الآمال عبر ممارسة السلطة، فكيف وهي تغيّب ابنه لعقود في المعتقلات والسجون. جزء من تاريخ سوريا، بقبحه وجماله، نراه في الرواية. هذا هام، ويسمح لنا باستعادة التأمل بكل تلك التحولات من الستينيات وإلى الان. أرجح الظن بان الرواية ستؤسس لكتابة عربية، تعمل على ألّا تكون السيرة الذاتية محض أحداثٍ تخص الفرد "العبقري"، بل وتخص القرية، والبلد، والأفكار، وهذا هام للغاية.
"كأجراس بعيدة" رواية تذكرنا بأن الطفولة هي أرضية خصبة لزهور الخيال والعواطف، وأن التنوع الذي نعيشه في تلك الأعوام يحمل في طياته ثروة لا تقدر بثمن من الأحداث والتجارب التي تشكلنا وتعزز حكمتنا في الحياة. تحفةً أدبيةً متراقصة، كأنها سبيلٌ للعبور إلى عوالم الذكريات النقية. لا شك أن قراءة هذه الرواية قد تكون لحظةً من التوقف عند أنفسنا والتأمل في خيوط الزمن التي تربطنا بماضينا الجميل، حيث تتحقق المعجزة الأدبية. إنها رحلةٌ عبر أحاسيس البساطة والتعقيد، حيث يرتقي الكاتب بنا إلى أعماق الذات، راسماً لوحةً ملونةً بألوان الأمل والحنين..
قد يبدو السردُ غير متصل في بعض الأحيان، ولكن لهذا التباين نبض للحياة بكل جمالها، فالحكاية المتفردة تتراقص بألوانها وأصواتها المتنوعة، مروية بأسلوبٍ يشد القلب ويهز الوجدان، حيث يعكس الكاتب حياة الناس البسطاء ببراعة مدهشة، وكأنه يعطينا مفتاحًا لفهم عمق الإنسان وتناقضاته.
أحيي الكاتب راتب شعبو على هذا الإنجاز الفلسفي الرائع وأشجع الجميع على قراءة هذه الرواية المدهشة والانغماس في سحرها الجميل.
من الواضح أن الناشر لم يقرأ الكتاب لأنها بشكل حتمي ليست رواية بل عبارة عن مجموعة نصوص سردية عن طفولة الكاتب ونشأته في ضيعة داخل محافظة اللاذقية. عادةً أميل للإعجاب بالسير الذاتية لكن لم أجد ما يثير الدهشة هنا من بوح حميمي الذي يتميز فيه هذا اللون الأدبي. مللّت سريعاً من القراءة وكنت انتظر الانتهاء منه بفارغ الصبر.
كتابة سلسة دافئة، مفعمة بمعرفة عميقة ترسم بإتقان نادر طبائع الشخصيات (الأبطال) وسلوكها، فيشعر القارئ كأنه يعرفهم جميعا، وبطبيعة المكان وتفاصيله، فإذا به مكان للعيش الطيب رغم القلة.. نص يضيء الجغرافيا البشرية والسياسية بريشة فنان.. "كأجراس بعيدة" كتابة بسيطة آسرة عميقة التحليلات، تجعل قارئها .أطيب