بشرى خلفان تسأل ، تُرى هل يُتَوارث الخوف؟!
أجزم بأنها ضمن أفضل من كتب عن عُمان أدباً وتاريخياً ، تناولت في هذه الرواية مرحلة من أهم مراحل التاريخ العماني ، التي تتصف بزخم الأحداث ، والحوادث وهي فترة حكم السلطان سعيد بن تيمور وبداية حكم السلطان قابوس رحمه الله.
استطاعت الكاتبة ، بكل حرفيّة ونضوج أدبي ان تنقلنا بين أغلب الولايات العمانية ومدنها وقراها وهجرها ، صورت سيطرة المجتمع القبليّ ، وتفتح المجتمع المدني ، بين ظلم الدولة السعيدية وسيطرتها وتحالفها مع الإنجليز ، مروراً بسقوط الإمامة ، وثورة الجبل ، ثم ثورة ظفار.
جعلتها خلفية لأبطال روايتها الذين يعيشون هذه الأحداث، دون أن يطغى البعد التاريخي على البعد الدرامي للراوية .
تبدء القصة من قرية السراير حين يخرج بطليها يربطان نفسيهما معاً ، وهما فوق ظهر الناقة لعبور الوادي الذي تغمره السيول ، يحاول راشد وأخته ريّا الهروب من القرية الظالم أهلها ، بإتجاه مسقط التي تصفها بشرى خلفان بطريقة تصويريّة متخيّلة ، تكاد ترى من خلالها مشهد حاراتها ، وأزقتها ، وبيوتها، وقلاعها، وبحرها، بكل رقة وجمال.
ثم ماتلبث الحياة أن تفرّق الأخوين فتتزوج ريّا ، وينضم راشد الى جيش السلطان، تنشغل بعدها ريّا بمجتمع مسقط الغنيّ والمتنوّع ، وينشغل راشد في حروب السلطان.
ثم تظهر شخصية زاهر بن علي أبن ريّا، الذي يسير على خطى خاله راشد في رفض الظلم ، فيسافر الى الكويت لإستكمال تعليمه، وهناك يصطدم بالأجواء السياسية المختلفة ، فيجد الشيوعييّن ، والناصرييّن ، والفلسطينييّن ، وقضية القدس ، ليعود بعد ذلك الى عُمان محملاً بأفكار جديدة ومختلفة ، يقف من خلالها الى الجانب الآخر ، وينضم الى الثوار في ظفار تماماً على الجهة المقابلة لخاله راشد الضابط الكبير في الجيش العُماني .
تغوص بنا الكاتبة في تفاصيل دقيقة جداً للحياة اليومية ، بشكل ملفت في الوصف ، بل إن بعض الأحيان قد يكون مبالغاً فيه لدرجة وصف طريقة ومقاديّر التداوي بالأعشاب ، او وصف المطبخ العماني بلذائذه ونكهاته وبهاراته .
كما إن جزء كبير من الرواية كُتب باللهجة العاميّة العُمانية ، والتي تعتبر أصعب اللهجات الخليجية ومن لايتحدثها ويفهمها ، قد لايفهم الكثير من كلمات وجُمل الرواية .
من وجهة نظري كانت هذه الرواية تحتاج إلى مزيد من الوقت لكتابتها رغم جمالها اللافت ، إلآ إن بعض شخصياتها وأحداثها مبتورة ، كذلك بعض الوقائع كانت مفتعله ، لذا كانت تحتاج إلى المزيد من النضوج .
لكن كتابة التاريخ لهي عمل شاق ، أما ربط التاريخ بالرواية فهو عمل مُنهك ينجح فيه القلة القليلة ، وبشرى خلفان واحدة من هذا القليل .