"..الدولة الحديثة هي التي تنجح في توفير إطار سلمي لعملية اقتسام المصالح بين القوى الاجتماعية، فتتجنب الاستبداد والفوضى، وهما الشكلان الأعظم للعنف، لا مانع حينئذ أن يكون الدين عاملاً إيجابياً في المجتمع إذا كان من جملة وظائفه، كما اقترح الإمام محمد عبده، أن يكون سلطة أخلاقية مراقبة للدولة تساهم في منعها من التسلط. لكن السلطة المراقبة غير مشروع الدولة المضادة، ولا يتحقق ذلك المقترح إلا إذا تجنب الدين أن يكون مشروع دولة، وإلا أصبح بدوره ذريعة للتسلط وآلة للاستبداد أو تحول طلبه الكمال إلى ذريعة لإحلال الفوضى. ثم إن احتكار طائفة معينة الحديث باسم الله والحقيقة هو أعلى أشكال العنف المسلط على العقول والمانع حق التفكير الفردي والتعبير الحر والمواطنة البناءة. ربما يكون عسيراً على الفكر الإصلاحي أن يقبل العلمانية بعد أن اختلطت عنده السياسة اللادينية، لكنه مهيأ أن يقبل مبدأ الحضور الأدنى للدين، أي أن يدافع عن قيم أخلاقية عامة دون الأحكام الفقهية التفصيلية، أن ينشد دولة الأخلاق لا نظام رجال الدين، أن يساهم في رسم المشتركات والمبادئ الجامعة لا أن يكون طرفاً في الإدارة التقنية للمجتمع والمنافسات المباشرة للقوى الاجتماعية من أجل تحصيل المصالح. فالحضور الاجتماعي الأدنى يفرض شكلاً من الفصل بين الدين والسياسة، ليس بمعنى اللادينية، بل بمعنى التمييز بين وظيفتين مختلفتين. إن الفصل قد يعني التمييز أو القطع، وهو بالمعنى الأول أكثر ملاءمة للوضعين العربي الإسلامي".
يمتلك المفكر التونسي محمد الحداد مشروعاً جاداً ونوعياً في إعادة قراءة وتأويل الخطاب الإصلاحي العربي، فصل معالمه في مجموعة من الكتب "محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني"، "الأفغاني: دراسة ووثائق"، "ما الإصلاح الديني؟"، "حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي"، "مواقف من أجل التنوير"، "البركان الهائل"، "الإسلام: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح"، "ديانة الضمير الفردي". ويقدم الباحث مشروعه باعتباره موقفا /توجها معرفيا - حسب تعبيره - "مخالف للعلمانيين التقليديين الذين يدافعون عن حداثة نخبوية ويخلطون بين التحديث والتغريب، ومخالف للأصولية الدينية التي تسعى إلى تأسيس استبداد جديد بمقولات مختلفة"، ويجعل من موقفه المعرفي هذا، امتداداً لمشروع الحداثة النقدية الذي عمل عليه منذ ربع قرن، والذي شغل الحفر التأويلي في منظومة الإصلاح الديني جزءاً رئيسا منه.
"الدولة الحديثة هي التي تنجح في توفير إطار سلمي لعملية اقتسام المصالح بين القوى الاجتماعية، فتتجنب الاستبداد والفوضى، وهما الشكلان الأعظم للعنف، لا مانع حينئذ أن يكون الدين عاملاً إيجابياً في المجتمع إذا كان من جملة وظائفه، كما اقترح الإمام محمد عبده، أن يكون سلطة أخلاقية مراقبة للدولة تساهم في منعها من التسلط."
الكتاب يقع في 300 صفحه جاء في التمهيد: " لقد شهد العالم انقلابات جذرية في السنوات القليلة الفاصلة بين سقوط المنظومة الشيوعية وتفجيرات .... ثم ما ترتب عليها من أحداث. وتؤكد هذه المعطيات أولا أن ’’الكلمة’’ (الفكر) لا يزال لها الوقع الأول في التاريخ, فالواعظ المجهول والفيلسوف المغمور هما اللذان سيحددان للعالم توجهه في القرن الحادي والعشرين, كما كان فيلسوفان, آدم سميث و كارل ماركس, قد حددا اتجاه القرن العشرين المنصرم. وتؤكد هذه المعطيات ثانيا أن العالم يتجه مجددا نحو الانقسام الحاد الذي يتخذ اليوم تسمية صراع الحضارات, وسيكون الدين مستقبلا أحد عناصره الأساسية. فهذا يؤكد خطورة أن يظل الدين في أيدي الأصوليات المختلفة, أو أن نطمئن للنظرية العلمانية التقليدية ذات النزعة الاستئصالية التي ما فتئت تبشر بنهاية الطور الديني للبشرية وأصحابها هم إلى الاندثار أقرب" 9-10 "النقد هو عملية بناء وليس عملية هدم, لكن الفترة الانتقالية مهيأة أن تشهد الكثير من الزبد الذي لن ينفع الناس." 13 "سوف يكون محور "الإصلاح الديني" المحور الرئيس في هذا البحث." 15 " إن فصول هذا الكتاب هي جمع تأليفي لأفكار قدمت بمناسبة محاضرات أو برامج بحث في جامعات عربية وغربية" 30
الكتاب في 4 فصول الفصل الأول/ العلمانية والإصلاح الديني حفريات في التقبل الفصل الثاني/ العلمانية والإصلاح الديني عود على مجادلة 1903 - ملاحق الملحق الأول: تقريض الأفغاني وعبده لكتاب السياسي الليبرالي الفرنسي فرنسوا غيزو (1877) الملحق الثاني: المقدمة المنسوبة تقية إلى "مترجم انجليزي" والمنشورة مع تعريب حنين نعمة الله الخوري لكتاب فرنسوا غيزو في تاريخ الحضارة الأوروبية (1877) الملحق الثالث: النص الحقيقي لنص جمال الدين المعروف بالأفغاني على محاضرة أرنست رينان في الإسلام والعلم (18/05/1883) الملحق الرابع: رسالة محمد عبده إلى تولستوي (18/04/1904) الملحق الخامس: محمد عبده والتيار الليبرالي
الفصل الثالث/ الذاكرة والكتابة والإصلاح الديني الإسلام, "دين دون قساوسة ولا مصلحين"؟ الفصل الرابع/ الذاكرة والكتابة والإصلاح الديني معالم نظرية جامعة
جاء في المحتوى "وإذا كانت نشأة الإسلام لصيقة بتاريخ هذه الأديان ( الأديان التوحيدية) , فلماذا تقف إمكانيات المقارنة عند فترات النشأة, مع أن التقارب في النشأة يفرض تقاربا في تعرجات المصير؟" 35
"لقد ظلت السردية العربية حول الإصلاح الديني سجينة هذه المواصفات بالإصلاح عموما, الذي يرتبط بالثقافة السائدة بانبثاق البطل الفرد دون العمل الجماعي الدؤوب في سبيل تغيير الأوضاع." 48 – 49
"إن التعصب الذي أصبح يميز الموقف الإسلامي من النصرانية لم ينشأ بسبب فتاوى الفقهاء بقدر ما كان نتيجة الشهادات الحية التي قدمها الناجون من محاكم التفتيش." 54
" فلا أحلام الثورة ولا بطولات بونابرت ولا نموذج الصحابة ولا ملكوت المسيح هي النماذج القابلة أن تتحقق بين البشر. ولا بديل غير التقدم البطيء نحو تحقيق أكبر قدر من العدل بين أكبر عدد من الناس وذلك جوهر التمدن." 74
"لماذا تمنح الفرص للمسيحي أن يتقبل العلمانية بذرائع من الإنجيل ولا تمنح الفرصة للمسلم أن يدخل العلمانية بتأويل جديد لبعض آي القرآن؟ وهل الإصلاح الديني إلا وسيلة لقبول الجديد مع تخفيف وقعه على النفوس؟ لماذا يطلب من المسلم أن يكتفي بلاهوت القدامى ويعيش التناقض بين فكر ديني قديم وحضارة جديدة, بدعوى أن الدين قضية شخصية ميدانها القلب لا العقل؟" 156
"كل العناصر كانت متوافرة في الإسلام ليحقق الثورة الحداثية ( يمكن لثقافات أخرى كثيرة أن تدعي الشيء نفسه). لكن الحجة التي يصعب ردها هي التالية: لو كان الأمر كذلك فلماذا لم يتحقق؟" 217
"الأفكار والعقائد لا قيمة لها في ذاتها بل في الوظائف التي تضطلع بها" 222
"اقتبست الحضارة الإسلامية ثلاثة أنظمة إدارية في تاريخها, النظام الفارسي ثم النظام التركي ثم النظام الأوروبي, لم تعجز فقط أن تبدع من تلقاء نفسها إدارة معقلنة, بل فشلت إلى حد كبير في المحافظة على الأنظمة الإدارية التي اقتبستها, لم تطورها وتحسنها بل الأقرب أنها أفسدتها" 225
"فالمطلوب أن تسهم الأديان في التخفيف من مصائب الإنسانية بدل أن تكون مطية لتأجج الصراعات بين البشر وللتنافس بينهم لإثبات التفوق وللتمهيد لشرور أظم تقترف باسم الآلهة. لكن صراح الأديان يتخذ اليوم تسمية جديدة هي صراع الحضارات والهويات والخصوصيات, وقد نعيش حروب أديان يقودها العلمانيون, وذلك ما يتعين الاحتراس منه." 238
أكثر ما أشيد به هو أن الكاتب لم يكن متحيزا إلى مراجع معينه فالمراجع كانت مختلفة باختلاف أصحابها ومذاهبهم ومرجعياتهم. كما كان في تتبعه التاريخي مراعيا للترتيب الزمني وفقا والأحداث. استعماله للحواشي في إثراء ما جاء به كان له الدور الكبير خصوصا أن الكتاب يحوي على العديد من الآراء لأسماء معينة لها مناسباتها التي هي بحاجة إلى توضيح لذا أرى بأن ما جاء في الحواشي منع الاستطراد الذي يجر الحديث خارجا ما يؤدي إلى الإسهاب الغير مرغوب فيه
الكتاب يؤسس للعلمانية مقترحا أنه هو الخيار الأفضل حفظا للدين من تقلبات السياسة العلمانية هي مصي كل المجتمعات وبالذات التي تؤمن بالكتب السماوية مهما طال مقاومتها لهذا المصير يستخدم الكاتب المقارنة بين الاديان ليوضح التشابع في المنشأ والانتشار والمصير