سيشعر عاشق الأدب بصلة عميقة بالكتاب، ويتعلّم منه الكثير، وربّما يستعيد تفاصيل قراءات سابقة ليفكّ رموزها ويعرف مفاتيحها وطرقها، لعلّه يجد طريق القصة ثمّ الرواية. سيعرف من يملك هبة الكتابة كيفيّة صناعة حبكات مشتقّة من الحياة التي يعرفها، من أشياء في داخله وحوله من شخصيات تمّ اشتقاقها واختبارها من قبل تلك الحياة. سيحدّد معيار آرائه ومشاعره بنفسه، ويرفض تعديلها لجعلها أقل إزعاجاً، أو أكثر براءةً، أو أكثر موافقةً لمعيار أو مواصفات أيّ محرر أو ناقد أو مدرس أو صديق، مستعيناً بالإيمان بأنّ هناك دائماً أقلية لا تعرف الخوف، وترغب في سماع كلمة صادقة، وكتابة وقراءة قصة لا تنسى تستحقّ أن تندرج تحت مسمى «أدب» و «فن».
مقالات عن كتابة القصص القصيرة من وجهة نظر أستاذ جامعي وناقد أدبي، مع التركيز على مناقشة علاقتة الكتابة بالفن والتجارة أو السياسات التجارية التي تخضع لقانون العرض والطلب.. يقدم نصائح حول تطوير الشخصية، وبنية الحبكة، وتقنيات السرد. أتفق معه في مسألة الصدق الفني وأن من يكتب يرضي حاجة إبداعية بداخله
هذه بعض الإقتباسات:
"ربما في يوم من الأيام سنبتعد عن الكتابة بمجموعة من القواعد المعروضة علينا، وبعد ذلك سيكون لدينا مطبوعات أدبية بدلاً من قوائم الكتب الأكثر مبيعًا. ربما تكون مشكلة كتاباتنا هي أننا قمنا بتطوير تقنية إلى درجة أن الأشخاص العاديين، هم أستاذة في التقنية ويمكن لأي شخص يتعلمها أن يكتب قصة قابله للنشر." ص 60
"الفن لا يمكن إلا أن يكون صادقا وناتجا عن مشاعر عميقة وحقيقية وخيال غامر." ص 62
"الطريقة المؤكدة لتحقيق التأثيرات الهائلة هي عبر طريق البساطة والطبيعة والبراعة" ص 62
نظرا إلى أن قابلية البيع هي المعيار الوحيد الذي له قيمة. فإن عبارة غير قابل للبيع هي عبارة تنذر بالسوء مثل عبارة مذنب الصادرة عن هيئة المحلفين" بتهمة القتل من الدرجة الأولى"
"يجب أن نتوصل إلى قبول حقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى نوع واحد من النهايات للقصة، سواء كانت نهاية سعيدة أم تعيسة، وهذه النهاية هي النهاية المنطقية، وهي التي تكون نتيجة مباشرة لا مفر منها للقصة في حد ذاتها." ص137
لا يمكن سن قانون ينطبق على جميع القصص، فكل قصة تولد قوانينها الخاصة. ص137
" الفنان الحقيقي هو المستكشف الدائم. هو لا يستطيع أن يخترع مادة عمله لكنه يمكنه اكتشافها في حياة الطبيعة ورفاقه من البشر. وكلما رأى أكثر تعلم أن يرى أكثر ، لأن القدرة على رؤية الجديد وغير المكتشف في القديم والأساسي هي أعلى فن في حد ذاته." ص149
في الآونة الأخيرة أصبح من الصعب علي تقييم أي كتاب بأقل من ثلاث نجوم لأسباب كثيرة أبسطها ألفتي الغريبة مع الكتب مؤخرا و أنسي بها بعيدا عن ضجيج الآخرين .
الكتابة فن و الفن ليس بعقيدة لذا فإن تأطير الأدب ليس إلا قتل لروحه و تذكية لرسالته . الكتابة سيل عاطفي يجب ألا تشوبه لوثة القيود و مقاصل الحدود ، إنه الوحي السماوي في صورته الأرضية و الإحتكاك الأزلي في نظرته الكلية.
عمر هذا النص ما يقارب مئة عام حيث كتب في وقت كانت النصوص فيه تخضع لمشرط التدقيق و رعونة التحقيق و مع ذلك لا تزال بعض من هذه القيود قائمة إلى وقتنا هذا مما ساعد على تفسخ الكلمات عن معانيها حتى أصبح أغلب ما يطبع مجرد غثاء.
كتابة القصة القصيرة فن أم تجارة؟.. ناثان بريليون فاجن .. روسيا ..
( قصص، قصص، قصص ) .. هي مقالات عن كتابة القصص القصيرة لأستاذ جامعي وناقد .. وقد صدر عام ١٩٢٣ .. يتكلم عن كتابة القصة القصيرة وأثر النشر الصحافي والتلفاز على شكل القصة .. ومشاكل الكاتب فيها .. ومعايير كتابة القصة .. وفي آخر فصل في الكتاب يسرد الكاتب مجمل الكتاب في نقاط .. وأخيراً على الكاتب أن يكون نفسه لا يكتب من أجل الجمهور بل من أجل نفسه .. الكتاب نوعاً ما يخص القصة القصيرة في أمريكا .. لكنها جيدة لوجود معلومات ونصائح عامة لكتاب القصص ..
الكتاب جيّد ومفيد وعلى الرغم من قدمِ تأليفه لا يزال يحمل الفائدة ويثير الجدل حول القصة والقصيرة ويحفزني على محاولة كتابتها مجدّدًا ... فصله الأخير سأقرأه غير مرّة والكتاب يُقرأ مرّتين...
"الفن لا يُمكن أن يكون إلا صادقاً وناتجاً عن مشاعر عميقة وحقيقية وخيال غامر."
كتاب "كتابة القصة القصيرة فن أم تجارة؟" هو محاولة لفهم نوع أدبي ذو رواج وقبول، وله كُتابه الذين بنوا شهرتهم وإرثهم على القصص القصيرة، فعندما تُذكر القصة القصيرة تتذكر: تشيخوف وموباسان وإدغار آلان بو وعربياً غسان كنفاني ويوسف إدريس، وحتى أن كتاب الروايات الطويلة قد كتبوا هذا اللون مثل "دوستويفسكي" و"ماركيز" عالمياً، وعلى المستوى العربي هناك "نجيب محفوظ" و"جبران خليل جبران" و"إحسان عبدالقدوس"، إذاً، فهل للقصة القصيرة قواعد نمشي عليها، أم أنها مجرد كتابة كأي كتابة أخرى؟، ومن العنوان أيضاً نحاول فهم هل هي فن فعلاً؟ أم مجرد محاولة للاسترزاق والتجارة دون بذل مجهود أكبر كمجهود الرواية مثلاً؟
".. للوصول إلى التعبير عن الذات أدبياً، يجب عليهم أن يُدركوا أولاً أنه لا توجد وصفات لها أي فائدة في أزمات الحياة، ومن ثم لا فائدة منها في الأدب، مثل الانبثاق الفني أو تحول الحياة. يجب عليه تحفيز الفكر واستقلالية الفكر، حتى إلى درجة التجريب؛ لأنه بهذه الطرائق تم تقديم جميع المساهمات العظيمة للخزينة الثقافية في العالم."
يُحاول الكاتب "ناثان بريليون فاجن" في هذا الكتاب الذي صدر منذ 100 عام -1923- أن يشرح لون القصة القصيرة، وما واجهه من انتقادات عديدة، في زمنه، حيث أنه كان رواجه أكثر بكثير من الوقت الحالي، وكان النشر للمجلات والصحف مقابل مبلغ مادي، ولكثرة عدد الكتاب، كانت الصحف والمجلات تضع قيود عدة، شرحها "ناثان" بالتفصيل كالجنس والدين والتفائل والأمركة، مع ذكر أمثلة عديدة، ومحاولة حقيقية لنقد القصة القصيرة في زمنه، ثم أكمل بعدة نصائح حول كيفية كتابة القصة القصيرة؛ والتي رأيت من خلالها أنه يحاول القول أنه لا توجد قواعد شديدة الصرامة في كتابة القصة القصيرة، الأهم أن تلتزم بكونها قصة؛ أي لها بداية وأحداث ونهاية وشخصية/شخصيات، وبكونها قصيرة، وغير ذلك، أكتب ما تُريد أن تقوله، جرب، ولا تظن أن القصة القصيرة لون واحد لا يتغير، بل هو طيف عديد من الألوان، وقد يتشكل لونان معاً أو أكثر، فتكون الاحتمالية لانهائية!
ختاماً.. كتاب جيد ومُمتع عن القصة القصيرة، أنصح به لمُحبي القصة القصيرة من كتاب في المقام الأول -فهو في عدة أجزاء من الكتاب تشعر بأكاديمية الطرح- وقراء ثانياً، وذلك لا يمنع على الإطلاق أن الكتاب ممتع في طرحه وسلس في سرده.