كيف للإنسان أن يضع خطة لما تبقى من حياته ثم يشطب عليها في منتصف الطريق ليختار خطةً تسيرُ في الاتجاه المعاكس؟ ربما لم يكن الشهيد يحتمل أنه سيفعل ذلك ولكنه فعل.
من كلية الطب إلى الحوزة الإسلامية، مع علامات تعجب كثيرة من كل الذين كانوا حوله، لكنه مضى إلى ما يريد، عاش للآخرين كثيرًا، وربما كان هذا ما صنع ثقل اسمه بين الناس، اسمه الذي كان أول ما يُذكر لأي شخص أتى من لبنان إلى إيران للدراسة الحوزوية.
أفكّر كيف نتحجج بالحجج الواهية لمّا نريد تعلّم لغة جديدة، بينما استطاع أحدهم أن يتعلّم الفارسية في دروسٍ خصوصيةٍ متواضعة على قارعة الطريق!
أحببتُ أدب رسائل الشهيد، كان أبعد ما يكون عن هذه الدنيا منذ البداية، وكانت رسائله هي الوثائق الدالّةُ على ذلك، لم أشعر بالملل وأنا أقرأ رسائله الطويلة لأخيه، من قال أن الرسائل يجب أن تكون قصيرة؟ لم تكن طويلةً لكثرة الأخبار فيها، بل كان الأمر متعلّقًا بوصايا وتساؤلات يحسبها القارئ نازلةً من مكانٍ ما في السماء، ولا تمت للأرض ولا للدنيا بصلةٍ أبدًا.
كيمياء الشهيد الشيخ محمد رملاوي وجدت نفسها في قم، في حرم السيدة فاطِمة المعصومة تحديدًا، كنتُ أتصور السيّدة بابًا واسعًا للعلم فحسب، ولكن هذا الكتاب جعلني أنتبه إلى كونها بابًا أوسعَ للشهادة، والمعادلة كانت أصلًا هكذا، فالتي عاشت عالمةً وشهيدة، ستنتجُ علماء وشهداء.
إن أكثر ما يلهمني ويدعوني للتأمل في حياة الشهداء هو دواخلهم… إخلاصهم، أشعر دائمًا أنه نجمٌ سماوي تناوله ليس بيسير، وفي الوقت ذاته أكادُ أُقسمُ أنه ليس بمستحيل، ولكن هناك كيمياء عجيبة فيهم حقًا، ترياق يجعل الموازين تختل لأجلهم، بل تترتب على مقاسات نيّاتهم، وأتساءل دائمًا كيف للإنسان الذي خُلقَ ضعيفًا أن يكون ثابتًا ومستقرًا من الداخل إلى هذا الحد كما كانوا.
لما وصلت لمشهد ركض الشهيد نحو المحطة، شعرتُ أننا في نفس المشهد مجددًا مع الجميع، لا نرى سوى ظهورهم مدارةً لنا وهم يبتعدون، وبقينا نحن في هذه الدنيا، وكأن كل الراحلين إلى الله كانوا كذلك في أعيننا، ونحن مع عروج كل واحد منهم كالغراب في القصة، نراقبهم ونحدّث عنهم فقط.
تقرأ سيرة الشهيد لتعلم أنه واحد منا، شخصٌ مثلنا، لكنه لم يبقَ كذلك، غيّر كثيرًا منه في الداخل، كان يسابق القطار طوال حياته صغيرًا، حتى أتعب القطار وطوّعه كبيرًا، يا لهذا الشهيد حقًا، أخذ صكَّ الشهادة مسبقًا من لسان أجلِّ عالِم عرفاني آنداك، ولم يكن التأخير من عادة القطار لكنه تأخر لأجله، نال شهادةً حمراء، مشابهًا فيها أمير المؤمنين وابنيه الحُسين والعباس -عليهم السلام-، فيا له وما أحسن خاتمته!
رغم تذمري الشديد لعدم ذكر الجانب الروحاني للشهيد وتظاهري في البداية بأن الكتاب ككتاب ليس أفضل من غيره بل ربما أقل، ولكني مع كل ورقة أطويها أُدرك تمامًا بأُنسي معه وبأنه رغم عدد صفحاته القليل إلا أنه ترك الكثير في روحي وبقدرها العديد من الأسئلة كيف أن حب الزهراء (عليها السلام) بالأخص، يقود المرء للشهادة.. وليس أي شهادة بل تلك التي تترك بصمتها في أرواح العديد، وكأنها سقتهم من تسنيم بحيث وجدوا أن الشهادة هي الرشفة الثانية منه فهبّوا لها أعلم يقينًا أن المكتوب في طيات هذا الكتاب ليس كل شيء من حياة الشهيد بل يساوي قطرة استطاعت أن تروّي أرواحنا
بدأت الكتاب متوقعة منه أمر عادي واعتيادي كسيرة آخرين من الشهداء الأعزاء. ففاجئتني الشاعرية والبلاغة التي حملتها مقدمة الكتاب، وذات القلم جذبني لطي الصفحات واحدة تلو الأُخرى دون أن أشعر.. وكأنني ألتهِمُ قطعًا من الحلوى🤍!
أحببت الواقعية والبساطة في طرح المواقف، الأمر الذي جعلها أقرب للقلب وأقدَر على الاستشعار. كان لتصميم الصفحات الفاصلة بين الفصول، أو ما سُمّيت المحطات إضافة خاصّة من كلتا الجنبتين الفنيّة والروحيّة، وللتسمية ميزة كبرى. ذاب قلبي مذ وصلت المحطة الرابعة والخامسة، لا أعلم أهو من التغير الحاصل في حال الشهيد؟ أم من سيرة بطل الثوار ومفجّر العالم الإمام الخميني؟ أم من ما لامسني من كلتا الأمرين, فعجزت عن المضي دون التعبير عن فيضان المشاعر الذي اجتاحتني. انتصفت الكتاب في اليوم الذي بدأت وخشيت المضي وإكماله لشدّة ما لامسني وأحببت رحلته.. ألهمني وقرّبني وحببني ورغّبني بالمضي.. فكان كياني يصرخ "يا إمام خميني توسّل لي".
ذكّرني التأثر في شخصية الشيخ بالإمام بتلك الحكايا التي لطالما أحببت سماعها على لسان أمهاتنا عن التحوّل الجذري في البحرين تأثرًا بالإمام.. ويبقى التساؤل، ما سرّ هذا العروج الذي تجاوز ذاته ووصل للعالم بأسره؟
من الأمور الجميلة في الكتاب وشخصية بطله أنه بدأ كشخص عادي، يشبهنا جميعًا وقد يكون لبعضنا اليوم -مع التطوّر والعولمة- معرفة أكبر مما كان يملكها الشيخ في بداية مسيره، لكنه انتهى بارتقاءٍ كبير، وهذا ممّا يبث الأمل والتشجيع للسعيّ نحو الكمال. أحببت كذلك مرفقات الكتاب لتنوّعها وإمكانية نيل الفائدة منها.
حزم أمتعته مذ أدرك أنه في سفرٍ، وما كان متاعُه غير لباسٍ وحيدٍ سماه "التكليف"، ومفتاحٍ فريد لقلبه الرحيب اسمه "الإخلاص". بهذا وذاك أعرض عن الدنيا واستقبل قبلة الآخرة، كَبَّر في محراب العشق وأخذ يعبر المحطات تباعًا، طاويًا مسافات الأيام صعودًا وكأنه في سباقٍ وأي سباقٍ كان؟ سباقٌ مع قطار الحياة الذي أضاع اتجاهاته فكان هو البوصلة! رسم مساراته في دربه نحو الإله متفرِّدًا وما أثناه عن عزمه مالٌ أو منصب، فمضى غريبًا محفوفًا بأنس المعصومة في غربته حتى نالها "شهادةً حمراءَ" قلَّ نظيرها..
هكذا كانت حياة الشهيد الشيخ محمد رملاوي، حافلةً لا تحويها صفحاتٌ قليلة، فلا تروي الحكاية الظمأ إلا بمقدار ما يزيد المرء عطشًا للمزيد.
شدني الأسلوب السردي الروائي في القصة إذ يختلف عن جميع قصص الشهداء الأخرى التي قرأتها والتي كانت أشبه بذكرياتٍ جُمِعَت وكُتِبَت مثلما سُمِعَت، فكانت هذه ميزةً جميلةً أضافت لتجربة القراءة روحًا من المكان والزمان والأحداث وحركت في النفس حنينًا لأيامٍ لم تعِشها ولم تَرها. يعيب الرواية فقط الإيجاز في مواضع يليق بها التفصيل، والتفصيل في مواضع كان الإيجاز فيها أجدر.