تقع رواية "أحد الذين لم يضحكوا البارحة" للكاتب السعودي ياسر هادي على ضفاف البوح بعذابات شخصيّة قلقة، خائفة، حكمت على ذاتها بإيصاد عالمها المنكفئ المعزول ،تطاردها حالات "الاختناق المرضيّ" و"الهلع المزمن" و"الرهاب الاجتماعيّ. فتظلّ عاكفة على أصداء ماضيها الطفوليّ، المثخن بجراح أب متسلّط، معنّف، أورثها عقد الخوف، وحوّل حاضرها إلى واقع متشّح بالسوداويّة والخوف وآلام الفقد، فقد الأخ، السند، الذي لم يشدد عضد أخيه مذ مات، ودفنه أخوه البطل بيده، وأهال على وجهه التراب. فتطالعنا باكورة أعمال الكاتب بأسلوب فنيّ مبتكر، نسج أحابيل حكاية واقعيّة بسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب. لكنّها يمكن نعتها أيضا بـ"التراجيكوميديا الروائيّة" التي تضحكك، على قدر ما تبكيك، تحيّر سواكن التفكير فيك، بقدر ما تستثيرك وتُشجيك. فتدور معظم أحداثها بين فضاءات اجتماعيّة مفتوحة وأخرى مغلقة. تتبدّد مشاهدها. وتتناثر. أو تتقاطع. وتتعاود في أمكنة واقعيّة، لا تتحرّج من تسمية مراجعها وتعيين مواضعها، تقع بين شمال الرياض وغربها. وصفها الكاتب بـ "السوداء، المتنطّعة، المليئة بكلّ ما لا يمكن للإنسان احتماله من قصص وأخبار لا تنتهي أبدًا النهاية المأمولة". منطقة مأهولة، موحشة، تسكنها وجوه بشريّة، لا تصلها أيّة صلات حقيقيّة بشخصيّة البطل، الشابّ السعوديّ، الموظّف بإحدى الشركات، ماسك كلّ خيوط الحكي والتحاكي بيده. شخصيات كثيرة، لكنّها عابرة، تمرق بين ثنايا القصّ، كالأشباح " لا تزال تحمل الليل بين جفونها". والبطل القلق بينها، التائه، المشرّد، لا مستقرّ له بين بيوتها ومكاتب شركاتها ومطاراتها وملاعبها، ومقاهيها، ومستشفياتها، ومنتجعاتها. ولا قدرة لديه على احتمال "نشازها البائس". يجد، نفسه غالبا، دون إرادته" يتقهقر إلى الوراء، أكثر من المضيّ قدمًا"، محشورا في تلافيف المواقف المفاجئة، المداهمة ،التي يتسببّ فيها غيره، لا هو. تتوالى. وتتقاطع. وتتعاود في صورة مآزق ومطبّات. يحكمها قانون الصدّفة ومنطق الغلبة والإكراه على فعل ما لا يريد فعله. فهو البطل الفاقد إرادة الفعل والتفاعل مع من حوله المفسوخ، الممسوخ، اللّامسّى، الذي أرجأت لعبة السرد حتّى إعلان اسمه إلى آخر الفصول. ذاك الذي ظلّ ،على امتداد قصّته قليلة التشعيب والتكثيف، مصدوما، منصدما، مكدوما، مشدوها، منعدم الحسّ والشعور، يشاهد من قريب أو من بعيد ،إلى حدّ الهوس "بالتحديق" كرنفال الشخصيات العابرة، التي لا محلّ لها ولا منزلة في تنامي الحبكة وتطوّرها .فقد اختار ياسر لروايته بنية أشبه بلوحات ، متتابعة ، متشظّية. من شأن البطل السارد وحده أن يضمن ائتلافها وانسجامها، كلّما أعلن عن وجوده فيها راويا ومرويّا له، في آن، يثبّت عليها كاميرا التقصّي والاستقصاء، في ضرب عجيب، غريب من القيافة. فكيف لمتبرّم بوجوده الاجتماعيّ وعالمه المختنق أن يتسقّط كلّ ذلك الزخم من القصص والأخبار، يوثّقها ويدوّنها، بإيجاز متوتّر موتور. ثمّ يدير لها ظهره ويتركها تمضي بلا رجعة، غير مأسوف عليها؟ فقط هي ذريعة الرواية المعاصرة لمشاكسة القارئ واستفزازه، كي يتخفّف قليلا من تجهّمه ومن ضراوة استعداداته المسبقّة لتلقيّ ما يعتقد في كونه أعقد مّما سرد بكثير. لاسيّما، وهو يقرأ نصّا من أدب الكآبة والعذابات. فلا يملك في غالب الأحيان، سوى الابتسام: فـ"هل سبق أن ابتسمت من فرط الضعف والخوف؟ أن تبتسم في محاولة يائسة لإخفاء انهياراتك؟ أن تتظاهر بالقوّة أمام أكثر الناس معرفةً بضعفك؟" لرواية ياسر هادي قدرة فائقة على الإثارة والاستثارة، وعلى جعلك تستغرب وتسخط وتشمئزّ، وتبكي وتضحك، حدّ الاستلقاء على قفاك، وأنت تستمرئ أسلوب الكاتب "الكاريكاتوريّ"، ونمط تصويره الساخر اللاذع الذي أبدع في تفخيم العيوب وتضخيم المفارقات وبالغ في كشف النوازع واستبطان السرائر وفضح الغرائز، بمنتهى التطفّل والساديّة. والبطل الساهم" الساخر من أحزانه.. بلا اهتمام"، نجده في الأثناء "قطعة مصنوعة من جحيم"، "مليئة بالعقد النفسيّة"، سعت جاهدة، رغم عزلتها وانكفائها وخوفها المزمن من المجهول إلى أن تتصاون عن الضعف وأن "تتظاهر بالحياة" ،وتبحث عن السعادة في قراءة الكتب والتعلّق بالفنون ولعب شطرنج وفي التدخين وفي سماع أغاني أطفال الشوارع الحزينة، يقبعون "على دكّة متهاوية" وفي السفر إلى أرياف عاصمة الضباب. بيْد أنّ البطل المأزوم، المهزوم حاول عبثا، مع ذلك، أن يُحيي موات المشاعر بكسر الجفوة الاجتماعيّة مع الآخرين حينما صادق شيخا من غرباء المدينة وخاض تجربة حبّ متردّدة، خجول مع طبيبة ثريّة فاتنة. فانتهى به الأمر إلى أكثر من نهاية مأسويّة، وضعته مجدّدا وجها لوجه قبالة بشاعة الموت وقسوة الخيانة و خيبة الفقد والتلاشي ومرارة الفشل في أن يكون أحد الأناس القادرين على الضحك بالأمس و اليوم وغدا. تلك هي رواية الكاتب ياسر الأولى خلطة عجيبة من سرد الكآبة المشوب بالسخرية من واقع اجتماعيّ ثقافيّ معاصر، هو بصدد التغيير، ولا يمكنك حيالها أن تتوقّف للحظة عن القراءة. د. سلوى العباسي
عمل جيد لكاتب يكتب روايته الأولى، كاتب جميل وتعابيره شاعرية وفيها ذكاء وإبداع، ابتداء من عنوان الكتاب. عندي ملاحظات حول الاستطرادات الكثيرة التي رغم جمالها الا انها تبدو زائدة عن القصة، وبعض الملاحظات حول القصة وتصوير السفر بين الرياض وجدة على انه غربة هائلة ينقطع فيها المرء عن أهله تماماً حتى تكون لندن أقرب له الرياض. رغم ذلك، استمتعت بقراءة الرواية وأرى أن الكاتب أحسن لنا ولنفسه بالبداية المبكرة لأنه في تجاربه القادمة سيكون روائي لامع بإذن الله.
الكتاب كمجمل رائع ، اسلوب الكاتب الساخر في تحويل اليوميات البسيطه المعتاده الى اشياء مضحكه رهيب ، هذا الكتاب وبدون مبالغه تحفه فنيه تسرقك من هذا العالم الى عالم اخر يجعلك تود ان تقرأ الصفحه مرارًا وتكرارًا حتى تستمتع وتتلذذ بما كتب فيه و هذ العمل يسرقك بسهولته وسهولة مفرداته لدرجة ان تصل لاخر صفحه وانت لاتعلم كيف وصلت لها ؟ بداية الكتاب يجعل دموعك تنهمر من الضحك ويخدعك الكاتب بان الكتاب مضحك ثم تأتي على القارىء صفحات يظن فيها ان غرفته سوف يصبح فيها سيل من دموع الحزن - لعلها مبالغه ولكنها حقيقه نوعًا ما - الكتاب هذا رائع سواءً للشخص الغير قارىء ويريد كتاب خفيف والشخص القارىء كلامه عن الاب وشرح مشاعر اعتقد النصف منا يعرفها وكيف استطاع قول شيء وشرح مشاعرنا التي لم نعرف شرحها لنفسنا حتى.. تجاه الاب القاسي علينا والحنون على غيرنا هذه اكثر جزئيه شدتني وحُفرت في ذاكرتي كتاب رائع خفيف جميل سهل هذا النوع من الكتب يكون صديق لك ، سوف تقرأه كثيرًا حتى وان انتهيت منه ، نود من الكاتب عمل اعمال اخرى لاننا - ادمنّا- نشكر الكاتب مرةً اخرى على هذا العمل وننصح الجميع باقتناؤه
عندما يحوّلك سخطك على الحياة لشخصيّة متردّدة، شخصية ماهرة في إضاعة الفرص ستبحث لحظتها عن قلبك وتجدّه يحاول أن يعلّق المشانق لنبضهِ الواهن. رواية ’’أحد الذين لم يضحكوا البارحة‘‘ هي بقعة ضوء عريضة على النفس البشريّة. أبدع ياسر هادي للحدّ الذي يجعلني أنتظر جديده بلهفة.
طال إنتظاري للكتاب كان مثالي كما هو متوقع، أسلوب الكوميديا السوداء في بعض الفقرات شيء ما جربتة غالبًا لكنه كان أكثر من مبهر. تصوير واقع المجتمع حولنا، أحيانًا أحزن للواقع وأحيانًا أضحك بسخرية، ما أخطأت حين أعجبت بالكتاب قبل صدوره. لحسن حظي أني عرفته.
رواية تحملك على التعلق بأسلوب الكاتب وأن تنتظر عمله القادم بكل حماس وترقّب. الرواية ليست طويلة مملة ولا قصيرة مُجحفة بل تبرع بأن تقدم لك السرد الوافي والمميز للسوداوية بإطار ساخر