رأيتُ، طوال حياتي، الموتى، الأعضاء المبتورة، الأجساد الممزقة أو المحترقة، رأيت الدم أحمر قانيًا، رأيتُه يجفّ، يُصبحُ أسود باهتًا، ويغطيه التراب. رأيت الإنسان وهو يموت، ورأيته هيكلًا عظميًا، أو ركامًا من العظام، رأيت البيوت تتهدم، والسيارات تحترق، والأرواح تعانق أعمدة الدخان، وترتفع نحو السماء. وها أنا اليوم في إيطاليا، والزلزال يضربها، والسقوف تهدد بالسقوط على رأسي. ما الذي ينقصني بعد، يا ترى، لأراه، أنا البابلي، حتّى أقول: أنا الذي رأي كلّ شيء؟!
في "أفاعي لاماشتو"، يقدّم الكاتب العراقي كاصد محمد مجموعة قصصية تضم أربعة عشر نصاً تتباين في الشكل الفني والإيقاع، لكنها تبدو كسردية واحدة توثّق الحياة اليومية لعراق ما بعد 2003. ينبّهنا الكتاب إلى حقيقة واضحة على امتداد التاريخ العراقي، فمنذ قصة الأم لاماتشو حتى العراق الجديد، تبدو قصة العراق أنها سردية انكسارات وحزن واحدة دون انقطاع.
كتاب "أفاعي لاماشتو" مجموعة قصصية للكاتب العراقي "كاصد محمد"، تدور أغلبها عن الوجع العراقي الذي يمتد منذ عام 2003 حتى الآن، عشرون عاماً من الشتات والتشظي داخل العراق وخارجها، وحتى ما قبل 2003 وبداية التيه وترقب المستقبل المجهول، قصص تحمل روحاً ساخرة، ولكن سخرية سوداء، تلك التي تجعلك تقول من الهم ما يُضحك، ومن الهم أيضاً ما يُبكي، وقد يقتلك أيضاً، هموم لشخصيات مثيرة للاهتمام، كلهم كانوا يريدون شيئاً واحداً؛ الحق في الحياة، ولكن من قال إن الحقوق البسيطة المُمتلكة لكثير من البشر حق على المستضعفين، ورغم محلية الطرح والتنقل بين غربة العراقي خارج بلده وداخلها، ستستطيع الربط بين مواقف متعددة بين قهره وقهرك كإنسان عربي، والاضطرار للعيش بين انفجارات داخل بلدك، أو زيف الحياة خارج بلدك، فمهما حاولت أن تخرج من جلدك وتكشطه، سيظل ينظر إليك الغربي ككتلة واحدة، وأنك بذرة إرهابي لم تُثمر بعد! أحببت السرد و"كاصد محمد" حكاء مُتميز، كانت بعض القصص جيدة فقط، وبعض القصص وصلت إلى ممتازة، هناك العديد من الأفكار التي طُرحت بداخل القصص لم أقرأ مثلها من قبل وخصوصاً في قصة: "صفعة تاريخ"، وأحببت قصة "بائع الحكايات" التي شعرت إنها تصلح نواة لرواية قصيرة وليست مجرد قصة، "نوبة الذكرى" كانت شديدة السوداوية وحملت التواءة ستفاجئك حتماً، و"أفاعي لاماشتو" كانت أكثرهم ألماً، والعديد من الحكايات التي ستلمسك بكل تأكيد. مجموعة قصصية مكتوبة بألم ووجع عراقي دفين. كنت أحمل هذا الكتاب وأشعر بالدماء تجري على يدي، وأخاف أن تنفجر كلماته في وجهي.
مجموعة قصصية تتناول في موضوعاتها بشكل عام عراق ما بعد ٢٠٠٣، ومن وجهات نظر مختلفة. بعض القصص كانت رائعة وغنية في تفاصيلها لدرجة وددت فيها لو كانت روايات كاملة.
لغة كَاصد سلسة وجميلة، وحبكاته أصيلة. استمتعت جدا بأغلب قصص "أفاعي لاماشتو"، وأخص منها "حكايات للبيع" و"أفعى برؤوس ثلاثة".
أجود ما في العمل القصتان الأولى والثانية، كانتا رائعتان للغاية. القصتان التاليتان بدتا أشبه بتدوينات تلقائية يغيب عنها الاشتغال الفني. القصص اللاحقة كانت دون المستوى، وبحاجة إلى نوع من الصرامة والتأني، وقد احتوت على الكثير من الحشو. هناك هفوات متفرقة في الكتاب، أتذكر منها الآن: يرتدي تيشيرت أخضر بكم قصير.