بعد 21 عاما على مقتل العقيد علي المرابط، يقرر ابنه آدم الذي لايعرفه، ويعتقد بأن والده قتل على أيادي الأمن الخارجي الليبي، يقرر أن يتعرف على اخته غير الشقيقة التي سمع بها واكتشف لتوه وسيلة للتواصل معها، فينطلق إلى تونس حيث تقيم اخته مع والدتها ريثما يُسمح لهما بالعودة، عازمًا على زيارة ليببا بعد تونس للتعرف على أعمامه، يجد أخيرًا فكرة الكتاب الذي يتمنى أن يكتبه ويحقق به اسمًا أدبيا، يقرر أن يكون كتابه سيرة غير ذاتية لحياة والده، قبل حرب تشاد، وخلالها عن طريق صديقه بركة، وبعدها، حتى مقتله. تسرد الرواية حياة علي المرابط بشهادات العائلة، ويتردد آدم حيال نشر الكتاب ام وأده.
كان التحدي كبيرًا، أن تعود لتفاصيل وشخصيات رواية سابقة، وتقيم البنيان من جديد، ثم تتحدث عن ثورتين، وعلاقات متشابكة، وأحلام مجهضة مرة أخرى، دون أن ينفلت منك إطار السرد، ودون أن تصيب القارئ بأي قدر من الملل، ذلك كله رهان صعب، وأظن أن كوثر نجحت تمامًا فيه، فشكرًا لها، وشكرًا لعلي المرابط وآدم ابنه تلك العائلة التي أصبحت من لحمٍ ودم بعد هذه الرواية . يحضر سؤال الثورة بقوة في الرواية العربية هذه الأيام، حتى وإن وصلت بشعوبها إلى الطريق المسدود في كثيرٍ من الدول العربية، إلا أن عددًا من الروائيين لايزالون قادرين على طرح أسئلة الثورة وما تفعله في أبنائها، وبالتالي الحكام والاستبداد والتسلط وما ينتج عنه في تلك البلاد العربية التي تقع تحت وطأة الظلم لسنوات وسنوات، ولايبدو الخلاص من ذلك الظلم يسيرًا حتى لو سقطت الأنظمة وقامت على أنقاضها أنظمة أخرى بديلة!
في روايتها الجديدة تعود بنا كوثر الجهمي إلى أبطال روايتها السابقة "عايدون" الذين يبدو أنها وجدت في حكاياتهم تفاصيل أكثر أهمية وثراءً مما ذكرته من قبل، فعادت إليهم وإلى حكاياتهم وتفاصيلها شديدة التأثير والتعقيد، لتخوض بنا من خلالهم عرض أطراف هامة من تاريخ ليبيا الحديث، وذلك التمزق بين الثورة ونداءات الحرية، وبين البحث عن الهوية والانتماء لبلدٍ تعلم أبناءها على الدوام كيف يفرون منها!
منذ البداية ربما يثير العنوان لدى القارئ ذكرى "العقيد" الوحيد المعروف في العالم العربي بهذا الاسم، وهو الرئيس الليبي "معمر القذافي"، ولكن الرواية تدور حول عقيد آخر هو "علي المرابط" الذي عرفنا طرفًا من حكايته من قبل في رواية (عايدون) كمعارض ليبي وأحد أسرى حرب ليبيا مع تشاد، والذي نفاجئ منذ بداية الرواية باغتياله في أمريكا، ثم قرار ابنه الأمريكي آدم زيارة ليبيا بعد الثورة للتقصي وراء مقتل والده فيتعرف أثناء ذلك على عائلة عمه لأول مرة، ويتعرف أيضا على زوجة والده الأولى قبل حرب تشاد الإعلامية (غزالة الكريتلي) وعلى أخته غير الشقيقة (حسناء)، وتمنح الكاتبة هذه المرة الفرصة لجميع أبطالها بشهاداتهم للحديث والتعبير عن أنفسهم، وإن دار ذلك كله في إطار علاقتهم بعلي المرابط وحكايتهم معه في فترات زمنية مختلفة نتعرف من خلالها على ما دار في المجتمع الليبي من تحولات من انقلاب/ثورة 1969 وحتى ما تلا سقوط القذافي 2011.
دهاليز السياسة .. وتحولات بطل قومي!
تبدو حكاية علي المرابط شبيهة بحكايات كثيرة لأبطالٍ استثنائيين، خرجوا من عالم قريتهم المغلق، واستطاعوا أن يتجاوزوا حدودها إلى عالم المدينة الواسع ليصبح هو مراسل القرية ومرشدهم إلى الحرية حتى نصل إلى ثورة سبتمبر 1969 فيحتفل الجميع بسقوط الملك، ونشهد بينهم ذلك التحول الذي يجري لعلي وتلك الخيبة التي تصيبه من تحولات سلطة القذافي بعد ذلك سواء من القرارات أو التجاوزات وصولاً لماسمي بعشرية القهر في الثمانينات، وينتهي الأمر باختفاء أثره في حرب تشاد، عبر كل تلك الصراعات والتحولات ترسم كوثر الجهمي بطلها من خلال شهادات الآخرين، بدءًا بزوجته غزالة وحتى صديقة بركة، نتعرف فيه على ذلك الإنسان الباحث عن الحقيقة، والذي لايمنحه الزمن ولا بلاده الفرصة لكي يهدأ ويستكين!
(فقدنا أيضًا الكثير من كرامتنا في انتظار اعتراف "القائد" بنا، كان برفقتنا سجناء على غرار عليٍّ، يؤمنون بأن "القائد" لن يخذلهم، وبأننا أبناؤه، وبأننا جيل الثورة المُعوَّل علينا لتحقيق الوحدة العربية التي يبدو أن ثمنها باهظ). مقالي عن الرواية https://bit.ly/3IS5gmn
للكتاب دا حكاية معايا؛ وأنا ماشي لا بيّا ولا عليّا في معرض القاهرة للكتاب ٢٤، ولا أعرف ايه دار الفرجاني دي أصلا، لمح صديقي المفضل كتاب "الحالة الكلبية لفيلسوف الحزب"، ووقفنا. بصينا بصة، هو خد كتابه، وأنا قلت مش هجيب أي كتاب برا ميزانيتي وخارج حدود التوقعات، واستنيته يختار كتاب تاني بما إنه كان عارف تاريخ -وقيمة- الفرجاني باعتبارها أول دار نشر ليبية (ولو المعلومة دي غلط، هو المسئول)، وطبعا بما إني بكتب مراجعة الكتاب دا، يبقى يبدو إني ضعفت، وجبت كتب برا ميزانيتي وخارج حدود التوقعات.
مسكته عشان اسمه، كنت ساعتها -ولسا- مُتيّم بأدب الديكتاتوريات، ومن اسمها والفقرة المكتوبة ورا، بدا إنها رواية عربية -بعدها بثواني أكتشفت إنها ليبية، إن الدار كلها مهتمة بأدب ليبيا، بعد ما لمحت اسم محمد النعاس على مجموعة قصصية هناك كانت جمب كتب كوثر الجهمي- من أدب الديكتاتوريات الشاحح اليومين دول -وعامة والله- في أدبنا العربي اللي المفروض إنه مرآة لواقعنا -مفارقة طريفة والله-، على أية حال، قلت أشتريت، وبدأت قرائتها في طريق سفر، على اعتبار إن حجمها صغير وسهلة، تخلص بسرعة، ومكانتش.
مع مطلع الفصول الأولى تحس إن الرواية تقليدية ف الفكرة والسرد، تستحق نجمتين وممكن كمان تتساب، لكن اسلوب الكاتبة -وحجم الخط- جذاب لدرجة تخليك تقول كمان صفحة، كمان صفحة، فتلاقي نفسك خلصت الفصل، تقول كمان فصل، القصة شكلها هتحلو، وتزيد نجمة، وهكذا وهكذا، لحد ما بتوصل لاخر صفحة في عدد جلسات محدودة (خلصتها ف ٣ قعدات)، وبتُفاجأ إنها تستحق ٥ نجوم عن جدارة، من قبيل القصة، والسرد، والدهشة، والفكرة، والقراءة الجادة ما بين السطور. حالة تركيبية مدهشة وإن كنت أعتقد إنها مُطوّلة لحد ما ف بعض أجزائها، وتقليدية شوية في بعض جملها، بس ما تحمله من مضمون وسرد تاريخي لليبيا المعاصرة مبهر، ولطيف وخفيف على القلب، على عكس -وإن تضافرت في جعلي أفهم الخلفية التاريخية والسياسية لأنها مكانتش بالتفصيل اللازم لحد جاهل بتاريخ ليبيا زيي في رواية العقيد- رواية منّا: قيامة شتات الصحراء اللي مبحبهاش خالص بس مقدرش أنفي جهدها التاريخي المتميز.
أخيرا وليس آخرا؛ الرواية حلوة ولطيفة وتحمل معنى أعمق مما تحمله سطورها البيّنة، وتستحق قراءات نقدية أكاديمية متعمقة.
رواية العقيد كانت في مستوى التوقع كما كانت قبلها "عايدون".. سلاسة الكتابة والقدرة على تجميع خيوط اللعبة وترتيبها في السياق التاريخي الذي تمر به بلادنا والظروف الإستثنائية التي مرت بها وتمر بها الأن في حبكة جميلة وفي محاولة ل غور التاريخ وعرضه بصورة محايدة مع انه ليس هناك محايد وكلاً يحاول ان يعرض الأحداث بقناعته ولكن الجميل الاّ يحاول ان يصرّ على وجهة نظره ولكن يعرضها ويتقبل الاختلاف في وجهة النظر المقابلة وهذا ما فعلته الروائية كوثر الجهمي بحرفية أغبطها عليها بالرغم من صغر سنها وعدم معاصرتها لكثير من الأحداث ولكنها أجادت في عرضها وكأنها شاهد عيان. رواية العقيد وشخصية أدم بطل الرواية الذي يعود الى ليبيا من أمريكا لتقفي أثر والده ومحاولة معرفة سبب إغتياله ولقاءه بأهله وأسرة عمه واللقاء بأخته حسناء وأمها غزالة والعلاقة القوية التي جمعته بهم... كل تلك الشخصيات تجد نفسك في جزئيات كثيرة منها.. تتجول بك في طرابلس وشوارعها وتنقلك لأحداث مرت بنا جميعاً وعانيناها ولازلنا نعاني تراكماتها وربما عندما نفتح الجرح الغائر ونحاول تنظيفه وتعريضه للهواء أقول ربما سارعنا بإندامله وشفاء أرواحنا المكسورة وهي ترى هذا الجرح الذي يأبى ان يلتئم… الطريف في الرواية ان السؤال الأهم الذي شغل بال أدم كانت أجابته هناك عند صديق والده في امريكا وكأن سعيه وشغفه للوصول الى الحقيقة لن يتم الا بعد ان سافر وأستفسر وتعب ومن تمّ وجد الإجابة على بعد خطوات منه وهذه هي الحياة لا تعطيك إلا عندما تحاول وتجدّ للوصول وعندما نكتشف الحقيقة نقول: آه كم كانت قريبة..!!! -ح.ريحان
. كتاب: #العقيد 🎖️ المؤلف: #كوثر_الجهمي 🇱🇾 الصفحات: 209 صفحة 📕 التقييم: 5/🌟🌟🌟🌟 📚📚 #رأيي:🖋️ 🏷️ مرحباََ بكم في مراجعة جديدة وتجربة أولى مع الأستاذة كوثر الجهمي. 🏷️ "العقيد" عنوان مستفز "إن صح التعبير" بالنسبة لليبيين وكان مستفز بالنسبة لي ايضاََ وكان هذا من أسباب قرائتي للرواية. 🏷️ الرواية سياسية؛ تسلط الضوء على عدة أحداث في تاريخ ليبيا أثناء حكم القذافي كـ حر*ب تشاد. 🏷️ أسلوب كتابة الأستاذة كوثر كان جميل جداً وسلس للغاية؛ شعرت بالأسطر تنتهي بسرعة. 🏷️ الشخصيات كانت متوسطة العدد ومبنية بشكل جيد. 🏷️ الرواية مليئة بالإسقاطات بحكم ان الرواية سياسية. 🏷️ تصوير الأحداث في الرواية كان ممتاز جداََ. 🏷️ الرواية أعجبتني جداََ وبالتأكيد لن تكون قرائتي الأخيرة للكاتبة؛ كذلك سعدت جداََ بوجود قلم ليبي بهذه الحرفية. 🏷️ كنت محظوظاََ عندما حضرت حفل التوقيع وحصولي على توقيع الأستاذة كوثر. ♥️ 📚📚 🚨 هذه المراجعات هي آرائي الشخصية وقد تختلف من شخص لآخر بحكم الأذواق ❤️ ______ #كتب #الكتب #كتاب #رواية #روايات #الرواية #مراجعة #قصة #أدب #اكسبلور #قراءة #ثقافة #ماذا_تقرأ #مصر #book #books #reading
رواية العقيد ! لا أدري صدقا من اين أبدأ مراجعتي لهذه الرواية , بالنسبة لي القراءة ليست تجزية للوقت , فالقراءة بالنسبة لي عمل أقدم عليه بكامل كينونتي اتصفح بكل جوارحي , أكون علاقات مع الابطال , أغوص في شخصياتهم ,أتخيلهم قيد الانفس لا أبناء الحبر , كتاب كثر قرات لهم ولم يستطيعوا ان يوصلوني لحالت السمو القرائي هذه ,قرأت لكوثر عايدون وكانت خفيفة على السطح وليست بذالك العمق الذي يخطفني من واقعي المادي ولكن في نهاية سردها لاحظت تغيرا في اسلوبها الادبي وتطورا للشخصيات , لذالك كنت اعول على شيئ مختلف لروايتها القادمة , أتت بالعقيد , ويالها من ولادة , كنت أقرأ بخوف الوصول للنهاية , خوف ان أفقد هذه اللذة , كل خلايا مخي وقفت منتشية ,كأنها أوركسترا كاملة . من البداية وحتى القاطعة الاخير , كأنما توليفة خالصة من الجمال الادبي على ذوقي, عمق وتعقيد في الشخصيات عبقرية فذة في السيطرة على مشاعر القرئ وجدبة وتوجيهه , الغوص رويدا في الشخصيات , حوار الشخصيات الداخلي تناقضاتهم تعطي لقارئ بصري السهولة في تخيل هذه الشخصيات حتى كذت اشعر ان آدم جالس في الكرسي المقابل يفرغ تسجلاته , شعرت بالخالة غزالة جانبي ثنفت سجارتها وتجتر ماضي ودت لو ضاع في خبايا ذاكرتها . , لست أخفيكي ذكرتني وأنا أقرأ بحوارات الذات في روايات فيدور ديستوفيسكي , نعم ! أعي ما أقول انك يا كوثر أدبيتك نضجت وأرى أنك في مستوى عظماء الادب العالمي ,خلقك لشخصيات بهذا العمق وهذا التعقيد , ماتركتيه من غموض بضع من المعلومات عن شخصية المرابط في عايدون , كأنه هذا الجلمود خالي المشاعر وشخصية عسكرية مسطحة , لتفاجئني , ويا لها من مفاجأ , كنت أحسن في كل صفحة تنطوي بالحزن أنني صفحة أقرب لتوديع هذا الكتاب . لديك قلم عظيم كوثر , أتركيه يحفر لك في ممرات الادب الروائي أثرا , دعي عالم الادب يرحب بين صفوفه بالأدب الليبي , في نظري أنت خير سفير لهذا الادب , بعيدا عن الركاكة والانحطاط , قلم جدا راقي .
رواية أقل مايقال عنها أنها رائعة وتستحق الخمس نجوم لأنه سطورها أماطت اللثام عن حقبة لايعلم عنها الليبيون الا النزر القليل أو ماتكفل الإعلام في تلك الفترة بتلفيقة ونشره أما عني فأن سطورها سدت الخلل في حكايات كنت أسمعها من أبي على إستحياء فقد كان من ضمن المقاتلين الذين ذهبوا إلى حرب تشاد وهم يحسبون أنهم يدافعون عن أرضهم وأحمد الله على أنه قد أصيب في وادي الدوم وتم أرجاعه ليطبب في ليبيا فلولا هذه الإصابة لأصبح أسيراًأو ميتاً
شكراً كوثر على هذا العمل المترابط.. الرواية بالنسبة لي بدأت من حديث غزالة، هذا لا يعني إن ماسبقها من الفصول ليست ذات أهمية، ولكنني خلال الصفحات الأولى كنت ابحث عن شيء لم أجده، فالسرد الطويل افقدني الفضول، وأذكر نفسي في كل الصفحة بما أن هذه الرواية تحصلت على جائزة لابد أن هناك شيء مميز. في فصل "الحب" شعرت أكثر بأحداث التي حدثت والتي سوف تحدث ربما لأنك استطعتِ أن تتحدثي بصوت المرأة الليبية بوضوح وأن تسقطي مشاعرنا المشتركة بضلالها في تلك الصفحات، مشاعر التي تعرفها كل أنثى من الحب.. الفرح.. التعلق.. التضحية.. الحزن.. الفقدان.. خيبة الأمل والندم ربما تلك مشاعر هي التي جعلتني اتشبت بالرواية إلى أن أكملها. سعيدة جداً بوجود شخصية بركة فالرواية، انحيازاً مني لأبن عمي كونه الشخصية التباوية الأولى التي اقرأها في رواية كاتبتها عربية. هناك شيئاً بخصوص بركة لم استطع أن اتجاوزه عندما عاتبه العقيد بسبب تذمره مراراً من شدة الحرارة والعطش وقوله؛ كن رجلاً أو "خليك راجل" عزيزتي كوثر يقول شابيل Chapelle في كتابه "رحل الصحراء الكبرى السود" واصفاً الرجل التباوي (وقد كان التباوي، قبل أن يصبح رحالة راكباً كبيراً، الناجي الأبدي، والماشي الذي يتمتع بزهد في الأكل معجز؛ إذ إن ثمره واحدة تكفيه ثلاثة أيام: " يأكل القشرة في اليوم الأول، ولبها في اليوم التاني، والنواة في ثالث يوم" ... ويمكنه قطع مسافة 80 كيلومتر في الجبال بسهولة! فهو يتمتع برشاقة مدهشة، على الصخور، ويتحرك فوقها كالودان، قافزا من صخرة إلى أخرى. تجعل هذه الكفاءات الجسدية، والسمات الخاصة جداً من التباوي إنسانا لا يخشى الموت، ولا المعاناة، ولا الجوع، ولا العطش، ولا التعب، ولا البرد، ولا عاصفة الرمال، ولا الشمس.) وهذا إلى ما نذكره عندنا نحن التبو خلق "الكونضغو" وهي تعني "عزة النفس" بحيث لا يظهر التباوي ضعفه مهما كانت الظروف. عموماً بالنسبة لي النهاية غير متوقعة، لأن السرد جعلني اعتقد بأن نهايتها ستكون مفتوحة ولكننكِ نجحتي في قفله بطريقة مميزة. والجميل في الأمر بعدما أكملت الرواية عرفت الصلة بين روايتك هذه و روايتك السابقة " العايدون " والتي وضعتها في قائمة مقروئاتي بعد " ولد بلاد " موفقة في كتاباتك عزيزتي 💐
رواية ممتعة مكتوبة بلغة أنيقة ورصينة بجمل مرتبة وسهلة للقراءة. تحكي قصة برواية آدم علي المرابطي عن والده العقيد الذي حارب في الجيش الليبي في حربه على التشاد في الثمانينات وتحوّله من عقيد وآمر عسكري موالي لنظام القذافي إلى معارض سياسي مهاجر. تتناول الرواية الخسارات الشخصية والتاريخية والفكرية التي نتجت من حرب التشاد على شخصيات الرواية.
هناك بشر يخُلقون للحياة لدرجة يخُيل إليك أن الموت يأنف التقاطهم، تتوهم ذلك ولكن للموت حكمة مختلفة عن ذائقتك وتصوراتك بل يُتقِن الموت لعبته في كثير من الأحيان حين يختار التقاط الرائعين تحديداً يلتقطهم مبكِراً جداً أبكر مماتتصور!
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * اعجبتني اكثر من روايتها عائدون بالرغم من الاسهاب والاكثار من حديث النفس للبطل لكن طريقة سرد الرواية والتنقلات الزمنية بين الابطال الثانويين كلاً حسب الفترة التي رافق فيها البطل كانت تنقلات سلسة تشد القارئ.
سنة 2019 نشرت كوثر الجهمي روايتها الأولى عايدون، بدتْ كمن قررت منذ البداية كتابة حكايات لا تجد طريقها، إلا نادراً، إلى الأدب الليبي. غزالة وحسناء وعلي المرابط وسط تعقيد اجتماعي نشأ بسبب حدث مر عليه زمن، ولا أحد له دخل في وقوعه. حدث خلف مشاعر قوية، وأعاد تشكيل مسار العائلة وبدأتْ تواجه واقعاً جديداً. كل ذلك كُتب بلغة عالية الحساسية مع انضباط كأنها تكتب لعمود صحفي. طوال قرائتي لرواية العقيد، لم يغب عن بالي أدب هشام مطر. العودة بدتْ لعنة لجيلين على الأقل من بلادنا، سواء العودة من خارج المكان أو الزمان ثم البحث خلال طبقات من الأسرار عما تم فقدانه. في العقيد كما في أدب هشام مطر تفاصيل "العودة والبحث". باستثناء سنوات قليلة لم تنج بلادنا من الحروب، فهي ساهمتْ في إعادة تشكيلنا وخلقت لنا جانباً مظلماً، نقضي أعمارنا لفهم الأسرار الناتجة عنه، ربما لن نفعل أبداُ. نقرأ في "العقيد" استجوابات آدم المرابط وهو ينبش عميقاً في ذاكرة كل شخص يلتقيه، لفهم ماضٍ لم يعشه، فهو مثلنا يعاني نقصاً مفجعاً في تاريخه الشخصي، لن يتم سده إلا بالروايات. خيوط متشابكة من الأحداث في الحكايات المتأرجحة بين التذكر والنسيان. الكتابة عن أي تفصيل ينسج تأريخاً، سواء اعتمد على أحداث حقيقية أم على مشاعر نتجتْ عن أحداث حقيقة لم تدون بعد. قصصنا إعادة ترميم مضادة لتأثيرات الحروب. تقع العقيد في 208 ص وتنقسم لثمانية فصول: (النهاية–ضد مجهول–أنبياء بلا ثورة–الحب–الحرب–السجن– ثورة بلا أنبياء–البداية) كل عنوان يُمكن أن يكون معبراً عن الرواية ككل، لكن بطريقة ما "العقيد" هي التعبير الأمثل لكل هذه العناوين. فصول تزخر بالوصف الماتع والتحليلات الثاقبة وهناك آراء سياسية تلقيها شخصيات واثقة من نفسها وقصصها حتى إننا نتخيل سير المعارك في الصحاري في شهادة بركة وسقوط المعسكرات وعرض مشاعر الخوف والحب والتيه وحكايات في رسائل أقرب لمونولوجات طويلة، مسجلة أو ملخصة تظهر حساسية آدم المرابط وإدراكه لوضعه أمام نفسيات منهارة وقلقة طوال الوقت، ربما الحديث كان هو العلاج الوحيد. فبعد عقدين على اغتيال والده، يأخذ آدم علي المرابط قراره بالعودة إلى ليبيا لاستكمال كتابه عن والده وضم شهادات أكثر عنه، إلى جوار ما عرفه وسمعه من أمه وجده وبركة "التباوي من الكفرة" رفيق والده في السلاح والسجن والمنفى. الجد وبركة عارضا قرار العودة، التي هي فعل رمزي لاستكمال رحلة الأب. آدم درس القانون لكنه منذ البداية امتلك رغبة في أن يكون كاتباً على أن ينقاد وراء مهنة ثابتة أو يستعد للتغيير القادم لا محالة في ليبيا، بحسب رأي جده، البلاد ستكون مستعدة لاستقبال أمثاله ومنحه مناصب عليا حين يأتي الوقت. بدا آدم مستغرباً من هذه الثقة المفرطة، فاستعجل العودة، لدى أول فرصة وجدها، كان بحاجة لسماع شيء مختلف عن والده، ما بين تونس وليبيا قابل أفراد عائلته الأخرى: زوجة أبيه الأولى وأخته وابن اعمه وأعمامه وبنت عمه حسناء التي تعتقد أنه يستغل قصص عائلتها ليكتب كتابه، بالرغم تشككها غير المفهوم من نوايا علي بسبب جمعه الشهادات لكتابه، لكن علي ينجذب إليها، حتى أخر صفحات الكتاب سنجد أنفسنا أمام قصة مشوقة، كم هائل من المشاعر يعود بها آدم من رحلته. الرواية تبدأ برغبة الأب الملحة في العودة، وتنتهي بتعافي الابن من نتيجة تلك الرغبة. فالمشاعر هي كل ما نمتلك حيال تأثيرات الحروب، وهي تشبه حرباً أخرى مستمرة بلا نهاية، الرواية تحتشد بها: الألفة المفاجئة من احتضان سريع في المطار. القلق والتوجس بسبب عودة شخص من عدم. الغيرة من الضرة البعيدة، الشعور بالغضب من شخص ميت. التعلق الشديد من أم بابنها وتأثير هذا التعلق على الأب والأخ والكنة. الامتنان والوفاء والصداقة. الرواية قاموس لمشاعر شخص يعيد ترتيب نفسه مع كل محيطه. وهو تصرف مختلف عن ما نراه في رواية مثل التابوت لعبدالله الغزال، ففي التابوت منذ الصفحات الأولى نحن أمام مشاعر شخص يُقتاد إلى الحرب، وعلى مدى عشرات الصفحات نتابعه يُلقي نظرة أخيرة على كل شيء. هذا يُشبه مراقبة شخص يودع كل شيء في محيطه، لا بل يودع حتى ذكرياته بينما يتدلى حبل مشنقته أمام ناظريه. مشاهد مأسوية ومشحونة بالمشاعر، نرى بشاعة الحرب حتى قبل سماع دوي أي اطلاقة. كل هذا يتم بمونولوجات طويلة ومليئة بقصص تحرض انسانيتنا الغائبة. محاولة لاستيعاب ما يحدث له. الغاية منها تبدو مختلفة عند كوثر الجهمي، مونولوجات آدم في رسائله ليست إلا تبريرات للوصول إلى الآخر، فالشخصيات مشحونة بالمشاعر وتخشى التحدث، لكنها ترغب في الحديث. الحذر من إحراجهم هو سبيل آدم المرابط لكسب ثقتهم، مهمة تجعله يبدو غريباً بينهم، لكن هذا هو بضبط ما عليه الوضع لدى زيارة أقارب لك من مدينة أخرى، تلك المسافة بينك وبينهم، هي كل ما حافظ عليه آدم. هناك جانب أناني جعلني أقرب إلى الرواية، فالرغبة في قراءتها جاءتني بعد وقت من العزوف، فرأيت بين صفحاتها أو لنقل بين سطورها، عالماً من ردات فعل وتوجس ووحدة ومحاولات للعثور على مسار واضح إلى عالم أرحب، سواء بالأحاديث الطويلة أو بالكتابة عن تلك الأحاديث. رواية تلتزم خطاً واقعياً وتختبر حقيقة معرفتنا. شيء نود حقاً اختباره، لنقيس معرفة الآخرين المشابهة لمعرفتنا لنقول: "حسناً نحن كلنا نتشابه" نفس القصص والشائعات وهذا مريح للغاية، بلادنا مثل أدبنا، تقف على أرضية واحدة.