لن أموت سدى لم يكن اختيارًا عشوائيًا أبدًا ! هذا العنوان
لقد أتقنت جهاد تمامًا فلسفة الانتفاضة حدّ اختصارها في عنوان الرواية ، فهمتها و عاشتها تمامًا كما وائل ، أدركتُ من الوهلة الأولى أن في الرواية الكثير من الغضب ، الكثير من الحجارة ، الكثير من المقاومة ، و الكثير من محاولات الإسكات و القمع و التغرير.. التي لا يملك الفلسطيني المقاوم أمامها إلا أن ينتفض ، و يخرج حاملاً قلبه و حجره صارخًا " أنا لن أموت سدى "
في فلسطين ، يعلم ُ الجميع قيمة الحياة على وطن يُحاول الآخرون أن يجردوهم منه ، أو يجردوه منهم – لافرق-
في فلسطين يعلم الجميع قيمة المقاومة ، لعدو يكفيه أن يستسلموا و يخضعوا و يتركوا الحجر ، لتشعر ذاته المنهزمة بالتفوق على الكبرياء و الكرامة الفلسطينية ، لأن الحرب ليست حرب أرض فقط ، هي حرب كرامة و شجاعة يعلم العدوّ أنه لا ولن يملكها !
لن أموت سدى ، قرارٌ لم يكن وائل بقلبه الضعيف يشعر أنه خيارٌ يمكنه أن يستثنيه ، حين غادر غزة وسط دموع أمه و أخته حياة و غضب عليّ ، و حزنه الشديد أنهم لا يفهمونه !
هو الشاب الذي درس الفلسفة في أرقى جامعات فلسطين ، و قاوم المحتلّ طويلاً و انتفض بكلّ جوارحه ، ثم و فجأة تآمر عليه قلبه فأسكت حجره رغمًا عنه ، و بدّل نظرته للحياة ، و المقاومة ، حتى لم يعد يرى فيها إلا موتًا عابثًا يزجون أنفسهم فيه بأبخس الأثمان ، لم يكن يريد أن يموت سدى
فهو لم يعد يرى في الموت في غزة أمام رصاص المحتل إلا خسارة محسومة منذ البداية ! و كرامة مهدرة ، و سذاجة كان عليه أن يخرج منها ، ليعيش بقلب أو بنصف قلب في أمان بعيدًا عن الوطن
في رحلته الطويلة إلى نيويورك و على الطائرة لم يجد وائل بدًا من أن يعيد التفكير في حياته ، محاصرًا مرة بذكرياته طفلاً غريبًا يحبّ جده ، ثم شابًا ثائرًا يفضّل الصمت ، ثم خائنًا كما يصرّ علي أن يسميه ! و مرة بخوفه من مستقبل لا يعرف فيه سوى جين !
كان حواره مع السيدة العجوز الأمريكية في الطائرة بمثابة الهدنة التي استطاع أخيرًا أن ينظر من خلالها إلى نفسه ، رغم محاولات عليّ في أن يخترق الفراغ ليحاصره بغضبه ، كانت مؤمنة ، و عطوفة ، أوصلته إلى ذاته دون أن يشعر !
و ما لبث أن أدرك بمجرد وصوله إلى نيويورك كم كان مخطئًا ! أدرك حين شاهد عليّ في شاشات التلفاز كم هي الحياة هنا موت ! و كم هو الموت هناك في غزة بألف حياة هنا !
قرر مرة أخرى ، أنه لن يموت سدى ! لن يؤْثر نيويورك على غزة بما تبقى له من قلبه و أنفاسه ، و قرر الرجوع !
أتقنت جهاد حبك الحدث ، و صنع الشخصيات رغم قصر الرواية نسبيًا ! استطاعت من خلال وائل أن تطرح فلسفة التناقض التي يعيشها العقل العربي في فهم القضية ، بين اليأس و المقاومة .. الرغبة في العيش بسلام و الحق في الدفاع عن الوطن ، من خلال العجوز – كعنصر حياد - استطاعت و دون تكلّف أو مبالغة أن توصل حكمة عميقة للحياة ، و رؤية واعية للمستقبل ، و صورة معتدلة عن النظرة الغربية المنصفة للإسلام و المسلمين ، و فلسطين بشكل خاص .
رواية قصيرة ، رائعة ، تختصر قصة المناضلة في شابّ غزّي ، لن تجدوا أنفسكم سوى مؤمنين بعدها بأنّ صمود فلسطين قائمٌ على الحجارة ، و على أجساد المقاومين الملتصقين بترابها ، و أنه إن كان لا مفرّ من الموت ، فليكن موتًا ملائمًا !
* أعطيها أقل من الخمس نجمات لأنها لم تكن أطول ! فقط