عنوان الكتاب (صفحات من تاريخ نجد) لكن المحتوى كله عن القصيم، وخصوصاً عنيزة، لذلك أظنه لن يثير اهتمام سوى أبناء المنطقة (لذلك شخصياً قرأته).
" برزت منطقة القصيم في نجد من حيث كونها واحدة من أكثر جهات نجد استقراراً حضرياً، ووفرة حركة تجارية، إضافةً إلى صلات تجارية خارج نجد كالأحساء والعراق والشام وحتى الهند ".
***
يركّز الكتاب على استعراض تاريخ القصيم (وبالخصوص عنيزة) في القرن التاسع عشر عن طريق ما كتبه الرحالة والمستشرقون، لأسباب عدة، منها أن مؤرخي المنطقة كانوا يُؤرخون الأحداث السياسية (المهمة بنظرهم) ولكن لا يكتبون عن التفاصيل اليومية للحياة الاجتماعية، لأنهم ألفوها ولم يشعروا بحاجة إلى تدوينها، إلى جانب أن عامة الناس كان فيهم نسبة أمية، ومن كان فيهم يقرأ ويكتب كان يتخصص بالتجارة وفيما ينفعه في حياته، ولم يهتموا كثيراً بالتدوين.
فاستعرض الكتاب عدة رحّالة زاروا القصيم، وما كتبوه عن رحلاتهم تلك.
وممن ذكر، الرحالة تشارلز داوتي (١٨٤٣-١٩٢٦م)، والذي يذكر المؤلف أنه وجد كتابه عن رحلته إلى الجزيرة العربية في أمريكا، إلا أن الكتاب كان صعباً نتيجة كتابته بلغة انجليزية قديمة (العهد الفيكتوري)، و داوتي هذا زار القصيم وعرف عنها من تجار العقيلات (الذين ينقلون البضائع بين نجد والشام)، وقدّم نفسه أنه طبيب شامي اسمه خليل! وقدّم نفسه بديانته الحقيقية (النصرانية).
وقد كان دافعه لتقديم نفسه كطبيب وحمله صندوقاً فيه أدوية ومعدات طبية، هو لإعطاء مبرر لمجيئه -وهو أوروبي مسيحي- إلى الجزيرة العربية للتغطية على هدفه الأساسي (زيارة الآثار النبطية في مدائن صالح) وبذلك تسهيل مروره وإقامته بين العرب.
ولما زارها ودخل بريدة لم يرحب به أميرها وأهلها لكونه نصرانياً إلى جانب أنه في تلك الفترة الزمنية كانت الدولة العثمانية تخوض حرباً مع روسيا القيصرية، وكانت تصل الجزيرة العربية نتفاً من الأخبار، وكان الناس يدينون بالولاء للسلطان العثماني ويؤمنون بسلطة دولته سياسياً ودينياً عليهم وكانت مشاعرهم متأججة ضد النصارى حيث سمع داوتي نغمات العداء ضده لهذا السبب أيضاً من بعض مَن قابلهم.
فتوجه لعنيزة التي استقبلته إلا أن أميرها نصحه بأن لا يقول للناس أنه انجليزي نصراني، وأقام في عنيزة مدة إلا أنه ونتيجة تعمده إظهاره لنصرانيته عارض الناس وجوده واضطر الأمير لإرساله إلى جدة لكي يُبحر إلى بلده وتنتهي رحلته، التي كتبها في كتابه (رحلات في الجزيرة العربية).
و ذكر داوتي عدة أمراض كانت منتشرة في عنيزة آنذاك، منها أمراض العيون وتشمل العمى حيث شاهد كثيراً من العميان، والعشى الليلي. و وباء الجدري.
كما ذكر داوتي ملحظاً عن حياة نساء أهل عنيزة فقال: " هنا لا ترى الحريم، ولا تراهن يعبرن شوارعهم وقت النهار ولكن عند غروب الشمس وعندما يجلس الرجال بعد المغرب لشرب القهوة فإنك ترى كثيراً من الأشكال المحجبة تعبر مسرعة إلى بيوت الثرثرة!! وسوف يرجعن على عجلة من أمرهن مروراً بالشوارع الخالية أثناء صلاة العشاء الأخيرة حيث الرجال يصلون في المساجد ".
و من الطُرَف أن طبخ الجراد وأكله كان مألوفاً في نجد آنذاك كما يذكر الكتاب، وشخصياً قبل الكتاب كنت أعرف هذه المعلومة من عائلتي إذ كانت جدتي تأكلها وصُدمت لهذا المنظر :) .. الشاهد أنه لما رآهم داوتي يفعلون ذلك في عنيزة أعلمهم بأنه أمر غير صحي.
كما تحدث الكتاب عن حادثة الحرب بين أهل عنيزة (حلفاً مع قبيلة مطير) ضد قبيلة قحطان، والتي انتصر بها أهل عنيزة و قبيلة مطير .
***
لم يكن داوتي فقط هو الرحالة الذي استعرضه الكتاب، بل استعرض غيره، ومنهم جون فيليبي مرافق الملك عبدالعزيز الذي أسلم وصار اسمه (عبدالله فيليبي) ونقل الكتاب بعض ملحوظاته عن الحياة الاجتماعية في القصيم وعنيزة.
كما ذكر الكتاب أنه -قبل إسلامه- جاء مرافقاً للملك عبدالعزيز في إحدى حملاته على الشمال (حائل وما حولها) وطلب منه الملك عبدالعزيز أن يبقى في القصيم، لكيلا يُقتل في المعركة كما قُتل الرحالة شكسبير (مندوب انجليزي سابق) في معركة جراب التي لا زالت قريبة العهد، فلا يريد أن يتعرض معه مندوب انجليزي آخر للقتل، ثم إن أكثر الجيش في هذه المرة من الاخوان (المتشددين) ولا يرحبون بالانجليزي الكافر معهم في الحرب .
***
تحدث الكتاب أيضاً عن مذبحة المليدا ، وهي معركة حصلت بين إمارة ابن رشيد (في حائل) وحلفائه من قبائل شمر وعنزة وغيرهم ضد أهل القصيم ، وكانت مذبحة هائلة على أهل القصيم بكل المقاييس، لم يمر عليهم أسوأ منها ..! رحمهم الله ):
ويظهر من الكتاب ومن التاريخ الحديث متى تجبّر آل رشيد على القصيم وظلمهم لأهلها ..
***
وفي العلاقات بين البادية والحاضرة في نجد ، ذكر الكتاب: "كانت العلاقات بين البادية والحاضرة في نجد تتراوح بين شدٍ وجذب، ففي حين كانت في معظم الأحيان يسودها السلام وعلاقات الجوار والقُربى والتبادل التجاري، كانت تنقلب أحياناً إلى عداء وغارات وحروب ".
و ذكر الطبيب لويس ديم عن عنيزة -التي وصلها في عام ١٩٢٤-: "إن عنيزة لا تخلو من المدهشات بعد أن ظنناها مدينةً عادية تحيط بها تلال النفود والبساتين الكثيفة فقط، وعنيزة تشكل نسيجاً خاصاً وتوليفة متميزة في الجزيرة العربية، فبيوتها هي الأحسن والناس فيها. أكثر ذكاءً وأفضل معرفة وأكثر إنسانية وودية بل حتى البساتين فيها هي الأفضل، وتجار عنيزة لهم شهرة واسعة وسط جميع العرب ".!
***
هذه مراجعة مختصرة وإلا فالكتاب كنز لمن يهمه قراءة تاريخ المنطقة، ويظهر من الكتاب المآسي وعدم الإستقرار الذي كان موجوداً قبل توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله..
فقد كانت بعض القبائل تطغى على بعض، وكان الجوع والفقر منتشراً..
أغفلت نجمة لسلبية وحيدة، وهي كثرة التكرار في الكتاب ببعض أجزاءه.
العنوان مضلل . فالكتاب عن تاريخ مدينة عنيزة و رجالها. يوجد بعض التكرار خصوصا في شهادات المستشرقين و تبويب غير منطقي للصفحات الأخيرة . لفتني قدم تعليم المرأة و عدد المدارس ( الكتاتيب) التي كانت ٤ واحدة منها للنساء في عام ١٨٨٠ .