يقدّم الشاعر خالد البدور في "ألمٌ خفيف يعلن عن وجود القلب" مختارات شعرية لشعراء شرق-آسيويّين، قدماء ومعاصرين، تجمعهم طاقاتهم الشعرية العالية التي تشكّل امتدادًا لتراثهم الشعري العريق، وانعكاسًا لممارستهم التأمّل للوصول إلى حالة من الصفاء والاتحاد بالكون: هناك بيتٌ غَدَا بعيدًا الآن حيث استقبلتُ الحبَّ ذات مرّة. ماتت تلك المرأة، انسَحَب البيتُ إلى الصمتِ، تسلَّلتِ الأفاعي بين الكتب، كنتُ صغيرةً حينها على القراءة وتحوَّل دمي ليغدو باردًا كالقمر...
"الاستنارة تشبه القمر المنعكس على الماء: لا القمر يبتَلّ، ولا الماء يضطرب".
هذه مختارات شعرية منتقاة بحسٍ مرهف وذوقٍ رفيع. كل الشعراء هنا من شرق آسيا، ومعظم نصوصهم تدور في فلك التأمل والعزلة والتوحد مع الطبيعة والكون. هذه النوعية من الكتب تمنحني الهدوء والإلهام وصفاء الذهن، وتجعلني أتمهل في سيري ونظرتي للأشياء.
ليتني أُتقن الصينية والهندية واليابانية والتايلاندية والبنجابية لأقرأ هذه القصائد بلغتها الأصلية، وبنشوةٍ مضاعفة. ومع ذلك فالترجمة بديعة، وواضح أنها ترجمة شاعر.
المرّة الأولى التي لا يوّجهني الشِعر فيها نحو طريق مسدود من الألم. أوحى لي عنوان الكتاب تجربة مريرة ومشاعر قاسية رافقت الشعراء طيلة حياتهم، ولكن المفاجأة كانت في سطورهم التي حوّلت معاناتهم لتجربة روحية متفرّدة، رحلة طويلة من البحث عن السلام. هذا الكتاب بمثابة طبطبة رقيقة على القلب، استراحة من مادية الحياة، وغوصٌ في المعنى الحقيقي لكل شيء.
لم أنسجم مع الشعر هنا إلى هذه الدرجة. تُحسب للمؤلف الذي جمع هذه القصائد، اشتغاله على تعريف كل شاعر وذكر نبذة عن حياته، ومحاولته شرح شعر الهايكو وارتباطه بالزن، كان ذلك حسناً.
قرأته مرتين، مرة على مرأى من شجرة كرز عملاقة، ومرة بجوار نافذة لا يُرى من خلالها القمر لكني أعلم أنه وراءها، وأحب أن أراهما كقراءة واحدة طويلة، وأقول بأن قراءته كانت مثل جلسة زِن تأملية للوصول للاستنارة، تحت أشجار الكرز نهاراً أو ضوء القمر ليلاً، ومثل إدخال يدي مطولاً في الماء الجاري وسماع خريره.
الهايكو والشعر الصوفي والشعر الشرقي عامةً رغم بساطة تخيّر كلماته إلا أن عذوبته تكمن في وقعها على الروح الفردية لكل قارئ على حدة. الشعر الشرقي تأملات تنظر إلى الداخل، فرصة للتحديق في أنفسنا دون زخرف شعريّ.