لعل أكثر ما يستوقف القارئ المتأمل، هو أن معظم العلاقات التي حاولت أن تحلق بجناحي الحب، وشغف الاتحاد بالآخر والتوق إلى المطلق، قد تحطمت في ما بعد على صخرة المؤسسة وتبعاتها المرهقة. وقد تكون الأعباء المادية هي الجانب الأقل وطأة من هذه التبعات، فيما يتوزع الباقي بين اختلاف الأمزجة، ونزعة الامتلاك، وتصادم الأفكار والقناعات، وتقلص مساحة الحرية. على أن هذه الإشكاليات تأخذ أبعادا أكثر احتداما لدى الكتاب والمبدعين، الذين يحتاج كل منهم إلى كامل المساحة المكانية التي يشغلها، وكامل الفضاء الذي يحيط به، وكامل الهواء الذي يتنفسه. فلا غرابة أن يكون المبدعون على نحو عام عشاقا ناجحين، لأن الحب في عمقه يتغذى من المواد نفسها التي تغذي الإبداع، وفي مقدمتها الغياب والمسافة وعواصف الداخل وكثافة الزمن ومتعة الاكتشاف. وأن يكونوا في المقابل، عدا استثناءات قليلة، أزواجا فاشلين، لأنهم كائنات شديدة الشرق والتطلب، وغير قابلة للتدجين. وهو ما يظهر جليا عبر معظم الثنائيات التي تناولناها بالدراسة والتي أفسدها التنابذ والخيانة والنرجسية الفاقعة والعنف الأسري، فتوزعت مآلاتها المأساوية بين الانفصال والطلاق والقتل والانتحار وارتياد المصحات.
من الكتب التي بذل فيها شوقي بزيع جهدًا لافتًا في تتبع حياة المبدعين المتزوجين، ليظهر لنا بأن الحب أحيانًا ليس دائمًا مولدًا للإبداع، كما أن المسافة الفاصلة بين الآخر، والانكفاء بالضرورة على الذات من أهم مقومات حياة المبدعين. رغم بعض التجارب المختلفة التي أظهرت بأن الحب لا يخبو بريقه مهما تقادم الزمن وتشابكت خيوطه، بل تغذيه تلك العلاقة القائمة على التوافق الفكري والروحي معًا، الكيمياء المنصهرة بين اثنين قلبين.. حبيبن. وأن المرأة هي عطر الكون، ودون تفاصيلها ورهافتها تغدو العلاقة باهتة. ويبدو الأمر جليًّا حينما كتبت معظم الزوجات سيرة أزواجهن الراحلين تخليدًا وحبًا. تمنيت لو قرأت علاقة واسيني الأعرج وزينب الأعوج مثلًا، اللذين ما زالوا على قيد الحياة -أطال الله عمرهما- على غرار أدونيس وزوجته خالدة سعيد. أو علاقة بلقيس شرارة بزوجها الراحل رفعة الجادرجي والذي كتبت عنه بطريقة حالمة وجميلة في "هكذا مرت الأيام"، "جدار بين ظلمتين"و"رفعة الجادرجي"، أو علاقة طه حسين بزوجته سوزان التي أبصر بعينيها. وأيضًا تمنيت في قرارة نفسي لو قرأت ما يفاجئني؛ ربما لأنني أطلعت مسبقًا على معظم سيرة الأزواج المبدعين، بشكل أو بآخر، فلم أشعر بالدهشة الكافية. لكن على كُلٍّ.. فهو جهد يُشكر عليه، ويصفق له.
32 حكاية عن مُختلف المبدعين سواء في المجال الأدبي أو الفنّي بعضها تكلل بالنجاح و الآخر إنتهى نهاية مأساوية.
من الواضح إن الكاتب بذل جهده في البحث و التقصّي عن كل الشخصيات التي ذكرها بمختلف قصصها و الجميل إن الكاتب لم يقتصر بالحديث عن عش الزوجية فقط بل أضاف نُبذه عن طفولة أصحاب الشأن و بعض من فِكرهم و مشاعرهم.
بعض القصص لم تستهويني لكن أغلبها كانت مُمتعة و مكتوبة بأسلوب جميل 👏🏻
الكثير من المبدعين يرون أن الزواج يعطل ويحد من قدراتهم الإبداعية لأسباب كثيرة بعضها حقيقي وبعضها دراما إبداعية!
فتنتهي بهم الحياة أزواجاً فاشلين أو متزوجين من فنونهم! كتاب زواج المبدعين.. ثراء المتخيل وفقر الواقع للكاتب والشاعر اللبناني شوقي بزيع. يلقي الضوء على العلاقات بين المبدعين ويستعرض في كتابه ٣٢ علاقة زوجية وكيف أثّر الزواج على طرفيها المبدعين سواء كانوا كتّاب شعراء رسامين فلاسفة نحاتين وغيرها. مثل سالفادور دالي وغالا، دوستيوفيسكي وأنا، فريدا كاهلو ودييغو، سارتر وسيمون، لورنا وجواد سليم وغيرهم
يخمّن البعض بأن علاقات الأدباء غالبًا ما تكون من بعد الزواج هي نفسها خيالات أحلام اليقظة والتعبير العذب الرقيق، إلا أنّ الأمر ليس بهذه الحفاوة ولا الحظّ الجميل، فالحياة الواقعية تفرض الكثير من الأعباء ويصبح من المفترض على كِلا الطرفين التنازل والاتفاق والمُضيّ وهذا لا يحدث إلا قليلاً، فالمبدع عاشق مجنون وحُرّ تمامًا، بينما عليه كزوج أن يهبط بأجنحته ويبسطها على بيت هادئ وصغار يتراكضون أمام زوجة مُحبّــة. من الكتب الممتعة التي لاطفتني مؤخرًا.
رائع جدًا، قرأته رجاء الدرج في درجهم، ولعل الله يعجل بذلك :) وهو على حسن جمعه، ولطافة أسلوبه، وخفّة عرضه؛ مازجه ببعض أسماء الزوجات ممن لم يظهر لي وجه إبداعهن ولم يذكره هو، ولطّف الكتاب أنه لم يلتزم بترتيب معين، فيسرد الأسماء عفوًا دون قصد زمنٍ أو بلد معين. وفي الكتاب معلومات من لقاءات له وحوارات أجراها. الكتاب حلو، وأوصي به جدًا، وقد ميّز الكتاب تعليقات صاحبه في ثنايا السير، ولو كان هناك جامع يجمع أغلب هذه الزواجات فهو الفشل والخيانة وتناقض ما يظهرون عما يبطنون للأسف :)
زواج المبدعين أو الأدباء أو الفنانين محل لفت نظر وكما ذكر القارئ بأن هناك صراع داخل المبدع الذي يبحث عن التجديد والإبداع وبين مؤسسة الزواج التقليدية التي تضع القيود بطبيعة الحال. جميل الاطلاع على تجربة هؤلاء وأظن من المهم للمبدع أن يقرأ تجارب غيره السابقة ويتعلم منها. تمنيت لو الكاتب تحدث عن المبدعين في المجال السينمائي في الإخراج مثلا لأنهم أيضا جزء من هذا الموضوع.
كتاب ممتع جداً. كان للفصول حصة من التراجيديا والرومانسية والعقلانية في العلاقات ، منها العربي ومنها الغربي ومنها التاريخي . فصول الكتاب متنوعة عن علاقات تعيسة وأخرى نجحت لتتجاوز الصعوبات .