أنهيت ما يقرب من ثلثيها تقريبا في يوم واحد.. الكتابة عنها صعبة, فهي الرواية الثالثة التي أقرأها لسينويه والجزء الثاني من المصرية.. وتسجيل لفترة هامة في حكم مصر تستكمل تاريخ محمد علي, واتفاق دول الغرب على تقليص آماله وطموحاته في الشرق.. حتى وفاته وإطلالة سريعة على فترات حكم ابراهيم ثم ابنه الأكبر عباس حفيد محمد علي, ثم سعيد ابن محمد علي..
إذا كانت شهرزاد هي المصرية.. بشخصيتها الآسرة وطريقة تفكيرها وتصميمها على تحقيق أهدافها فمن تكون ابنة النيل؟؟
هل هي جيوفانا ماندرينو ابنة شهر زاد والفينيسي كارلو ماندرينو؟؟ الفتاة الملتصقة بالأرض التي تعشق النيل وتجد نفسها مشدودة إليه كلما انشغل بالها.. لقد أسبغ عليها سينويه صفات كثيرة متناقضة, لكنها في المجمل تشكل شخصية ثرية وغنية فهي لاتفهم أمها وتغار منها لأنها تشبهها, تقارن بين نفسها وبين أمها في كل شيء حتى في علاقتها بأبيها, ومع هذه الطبيعة المتمردة والنفس الحائرة إلا أنها كانت تهتم اهتماما كبيرًا بالفلاحين الفقراء وأهل مصر من المعوزين المحتاجين, نموذج لليساري الثوري,
رغم الصراع الدائر بينها وبين والدتها طوال أحداث القصة وسوء الفهم.. إلا أن طبيعة شهر زاد بكل سحرها تشكلت من جديد بداخل ابنتها جيوفانا.. هي ابنة للنيل ولاشك, ذلك السخي الكريم رمز الخير والعطاء للمصريين..
ومن الممكن أيضا اعتبار كورين شديد ابنة خالتها وزوجة أخيها هي أيضا ابنة للنيل.. رغم أنها ولدت في فرنسا لأب فرنسي لم تعرفه إلا أن والدتها سميرة نجحت كثيرًا في زرع حب مصر لها, سرى في دمائها كما يسري النيل في أرض مصر.. لم تجد نفسها إلا هنا أتت لمصر لتبحث عن أهلها, وتلتقي بهم وتتزوج من يوسف ابن خالتها..
ابنة النيل هي كل مصرية تعشق تراب هذه الأرض بصدق, هي كل مصرية تعاني وتلاقي الصعاب في رحلة الحياة, ولكنها تصمم دائما على الوصول للمستحيل عندما تريد..
ابنة النيل هي المصرية وكلاهما رمز لمصر, التي لا يعرفها أحد..
سينويه يعرف مصر ويعشقها, سينويه مصري المولد, ويصر في كل لحظة على تذكير القارئ بهذه الحقيقة, حتى لا نعتبره مجرد مستشرق يعرف مصر.. هو فرنسي مصري يحمل الهوية المصرية بداخله, ويستطيع التعبير عنها افضل من كثيرين, يجنح به خياله ويرسم شخصيات يسبغ عليها من تخيلاته ما قد يجده البعض مختلفًا عن الواقع المصري, أذكرهم بأنه ليس نجيب محفوظ, وأنه لم يبق في مصر كثيرًا كي يحيا في حواريها وأزقتها, هو لا يختلف كثيرُا عن مصري هاجر من مصر وهو صغير, فبقيت في ذاكرته أشياء عن مصر جمعها بأشياء أخرى قراها أو سمع عنها, اختلط بداخله الواقع والخيال وترسخا في وجدانه ..
استمتعت بقراءة جديدة لسينويه, واستمتعت بالغوص في التاريخ على طريقته..
وما زلت مقتنعة أنه رغم عشقه لمصر ولمحمد علي إلا أنه حياديا لحد كبير في طرح الحقائق ووجهات النظر..