التاريخ لا يفعل الكثير في البشر
يعيشونه
يحسّونه عندما يكون قريبين منه
ولكن عندما تزداد الشقّة بُعداً ينسونه
ويرتكبون الحماقات نفسها
وكأن شيئا لم يكن!
النسيان وقت السلطان
هو أكبر عاهة يعاني منها الحاكم الظالم !*
تدور الرواية حول قس مسيحي هو مونسينيور ديبوش وهو القس المرسل إلى الجزائر والذي أحبّ الأمير عبد القادر وأعجب بشخصه وقرّرأن يفني ماتبقى من حياته ووقته لإنقاذه من سجنه في قصر أمبواز حيث ينخر عظامه برد العزلة وتحاصره شرور البشرمن كل جانب على سرير يبدو كالنهاية هناك في المنفى الذي اختاره بإرادته بعد الخيبات المتكررة والخيانات الموجعة التي جاءته من الأقرباء فقصقصت أجنحته الصغيرة وحرمته من الطيران كفارس نبيل على ظهر خيله العربية الأصيلة فكان الخيار الوحيد أن يحتضنه البعيد القاسي وليس القريب الخائن
الخيانة أخت الموت !*
يقول القس لرفيقه وخادمه جون انظر كيف تنطفيء الدنيا وينسحب الذين نحبهم ونضع لهم في القلب معبداً لا يدخله أحد . تعرف يا جون ، كلما صعدت إلى هذا الجبل شعرتُ بسعادة غامرة . من هنا خرج الرجل الذي دوّخ الدنيا بحكمته وكرمه . وسعيد أني كنت قليلاً وراء فرج كربته . تعرف ما معنى المنفى ؟ ما معنى أن يفقد الإنسان أرضاً أحبها . لابدَّ أنك تعرف ذلك . تراجيديا الأمير ليست الهزيمة ، في الهزيمة يمكننا أن نقبل بقوة الآخر ويكفيه فخراً أنه قاوم قرابة العشرين سنة ، ليس هذا هو المهم . التراجيديا هي عندما تستيقظ فجراً وتدرك فجأة أن الأرض التي نبتَّ فيها ونبت فيها الذين تحبهم لم تعد قادرة على تحملك وأنَّك ستموت بعيداً عنها وأنّ تربتها ستظلُّ جائعة إليك وتظل أنت كذلك جائعاً إليها . هناك جاذبية بين الأجساد والأرض الأولى . لا أحد يستطيع أن يشعر بمأساة الأمير مثلما أشعر بها . أنت تعرف ذلك جيداً ، المنفي كائن بدون وضع اعتباري *
فضلّ الأمير أن يموت ببطىء متحملا وزر الإهانة والمنفى ونكث فرنسا بعهودها , تثقل كاهله ُ المسؤوليات الجسام التي حملها طوال الفترة التي عهد له بلواء القيادة للدولة الجزائرية ..حُلم الأمير تقض مضاجعه الذكريات فكان أمله الوحيد القس الذي على الرغم من اختلاف ديانته غير أن الفكر والروح والرغبة في مساعدة الآخرين والتضحيات بلا مقابل التقيا في نهج يدعو للتساؤل !
يروى واسيني سيرة الأمير عبد القادر الجزائري والقس ديبوش على لسان راويين أحدهما هو جون موبي والآخر غير مذكور الهوية ومن خلالهما استطاع واسيني بسرده العذب أن يقدم صورة جميلة لكل منهما , فالأمير ذاك الفارس النبيل الذي قدم مصلحة بلاده على أية مصالح شخصية قاوم الفرنسيين في معارك دامية وخسائر بالجملة بمعداته الضعيفة , أشعل الحب في نفس كل من اتبعوه ومنحوه صفاءهم وثقتهم وحبهم الكبير واتخذوه مثالا وقدوة و قائدا , تتكرر اللقاءات والزيارات من قبل القس للأمير وفي فلاش باك متكرر يقص الأمير أحداث الحرب والانتصارات والهزائم والأخطاء والخيانات التي مرت به حتى هزيمته الأخيرة مبررا خياره في تسليم نفسه للسلطات الفرنسية لتكون دليلا للقس ليكتب رسالته إلى نابليون طالبا بتنفيذ الوعود السابقة والتي مر عليها سنوات دون أن تجد آذانا صاغية وعقولا واعية
أنت كقارىء لا يمكنك حقا إلا أن تحب هذه السيرة النيرة التي فاح عطرها طوال صفحات الرواية –
يقول واسيني عن كتاب الأمير
ما أردت قوله في هذا العمل أن مسألة التسامح الديني موجودة، وقد لعبت دوراً كبيراً في العلاقات الصحيحة بين مختلف الطوائف والمذاهب.
وفي الحقيقة إن كتابة هذه الرواية جاءت نتيجة مجموعة من التساؤلات حول سؤال الأديان، وسؤال حوار الحضارات. مؤكداً فيها على حوار الحضارات الذي يتم حتى في أصعب الظروف، والرواية كلها مبنية في هذا السياق، وأشير إلى أنها نوع من رواية تاريخ الظل.
واسيني في هذه الرواية لم يبالغ في لغته الشعرية وعلى الرغم من جدية أغلب الروايات التاريخية إلا أنه كتبها بلغة حميمية ودافئة جدا تتسرب بسلاسة إلى نفس القارىء كما كانت الحكمة مرافقة ومتخللة لأحداث الرواية على لسان أبطالها , اهتم بالتفاصيل الصغيرة جدا والتي أعطت بُعْدا شيّقا لشخصية الأمير , حتى هفواته التي كلفته غاليا لم يتنساها ..
الناس الكبار دائما هكذا
لانعرف قيمتهم إلا عندما ينطفئون مخلفين وراءهم ظلمة كبيرة وحيرة وخسارة لاتعوض
وأسئلة تجرح الحلق والذاكرة !*
يذكر أن هذه الرواية حصلت على جائزة الشيخ زايد من ضمن 300 أديب مشارك في مجال القصة والرواية والمسرح والشعر
*مقتطفات من كتاب الأمير