البديل – روجيه غارودي
روجيه غارودي 1913 - 2012 هو فيلسوف ومفكر فرنسي شهير. كان في شبابه مناضلاً شيوعياً ملحداً.. ثم تحول إلى المسيحية.. ليعتنق أخيراً الإسلام عام 1982. عرف عن غارودي بتمرده عن الشيوعية الكلاسيكية وتوجيهه الإنتقادات اللاذعة للنموذج السوفييتي من الشيوعية مما أدى إلى طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي. له العديد من المؤلفات بدأها عام 1945 وقد نشر منذ ذلك أكثر من سبعين كتاباً.
نشر هذا الكتاب لأول مرة عام 1972 وفي مرحلة ما بعد طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1970.. وهذه مرحلة مهمة في حياة الكاتب حيث أنه أعلن فيه عودته عن الإلحاد ورجوعه إلى المسيحية.. ومن الجدير بالذكر هنا، أن روجيه غارودي ولد لأب ملحد وأم مسيحية.
من المهم لنا أن ندرك الظروف السياسية والإجتماعية السائدة في العالم وفي فرنسا قبيل إصدار غارودي لهذا الكتاب كي نتمكن من تفهم ما جاء به غارودي بهذا الكتاب. فقد اجتاحت قوات الجيش الأحمر تشيكوسلوفاكيا للقضاء على حركات الإصلاح السياسي المعروف بربيع براغ. وقد نجح هذا الغزو في إيقاف حركة الإصلاح وتقوية المحافظين في سلطة تشيكوسلوفاكيا. من جهة أخرى، كان الرئيس الأمريكي قد أعلن عن أن بلاده لن تفي بتحويل قيمة الدولار بما يساويه من الذهب.. وأن الضمان الوحيد لقيمة الدولار هو الهيمنة الأمريكية وقد كان هذا الإعلان هو نهاية حقبة معيار الذهب في دعم النقد العالمي. وقد استنتج غارودي من هذين الحدثين بالإضافة إلى الأحداث التي شهدتها فرنسا بإضرابات النقابات ومظاهرات عام 1968.. بأنها تبشر ببداية عصر جديد يثبت فيه غزو براغ فشل النموذج السوفييتي ويثبت فيه إقرار الولايات المتحدة بعدم قدرتها على الإلتزام بمسؤولياتها بتحويل قيمة الدولار بما يعادلها من الذهب إلى بداية انحسار الهيمنة الأمريكية ومن ثم انحدارها.. وأن الظروف مواتية لتقديم بديل ينوب عن هذه القوى في قيادة وتنظيم المجتمع الإنساني. فماذا يكون هذا البديل ؟
ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول: تحدي الشبيبة، تغييرات ينبغي تحقيقها، وأخيراً، ماذا يمكن أن تكونه الثورة اليوم ؟ إذن، فمن الواضح أن البديل هو ثورة قادمة.. وهو تصور لا يخرج عن التبشير الماركسي الأساسي بالحتمية التاريخية للثورة الشيوعية التي ستقدم مجتعماً إنسانياً عادلاً. حتى الآن، ليس ثمة جديد. لكن غارودي يسجل في هذا الكتاب تصوره الشخصي لهذه الثورة.. من هو القادر على القيام بها ؟ وكيفية القيام بها ؟ وهل هي الحل الوحيد ؟ وعلى أي شاكلة يجب أن تكون هذه الثورة ونظام الحكم فيما بعد نجاحها.
يبدأ غارودي هذا الكتاب بفصل تحدي الشبيبة وفيه يصور الظروف السائدة التي يعيشها الشباب في فرنسا وهم برأيه الفئة التي يجب أن تقود الثورة القادمة. ومن ثم يبدأ في الفصل الثاني في تفصيل الإنتقادات للنموذجين الشيوعي السوفييتي والرأسمالي الغربي.. وكيف أنه ومن أجل تحقيق مباديء الشيوعية التي نادى بها ماركس وحاول لينين جاهداً تطبيقها قبل أن يشوهها ستالين تماماً.. بأن تعتمد على نظام يخلو من التسلسلية الهرمية وأهمية التسيير الذاتي في قيادة الدولة. وقد قام غارودي بإزالة أي لبس بخصوص هذه المفاهيم. وقد قام بتوضيح ماهية الشكل الذي قد تكون عليه هذه الثورة المرتقبة.. ويتضح هنا مدى تأثره بإضرابات وأحداث 1968 في فرنسا.. وكيف أنه يضع من بعض آلياتها كمحور تقوم عليه الثورة الجديدة. وقد أكد غارودي على أهمية زيادة الوعي لدى الشعب كي يتمكن من الوصول إلى درجة من الثقافة تسمح له بإمكانية تطبيق التسيير الذاتي.. وقد ضرب لنا مثلاً في الثورة البلشفية في روسيا التي جاءت في مجتمع ريفي لا يتجاوز فيه العمال نسبة 7% من الشعب ولهذا السبب لم يتمكن لينين الذي كان يعي هذه الحقيقة من تطبيق التسيير الذاتي.. كما أن التحديات الكبيرة التي كانت تواجهها الدولة الحكومة الثورية الناشئة قد فرضت نوعاً لا بد منه من الديكتاتورية كما حدث مع حكومة اليعاقبة في فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية. ولهذا السبب فاجأني غارودي حين أثنى على مبدأ الثورة الثقافية الصينية التي قادها ماوتسي تونغ.. وأكد على أهمية إعادة تطبيقها بل وتكريرها مرات ومرات إلى أن تنجح في إيصال الشعب إلى درجة من الوعي والثقافة تسمح بالتسيير الذاتي.
لقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة في زمانه.. ما بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي.. ومن الواضح أن غارودي كان إشتراكياً ديمقراطياً.. لكنه يعي جيداً مساويء ونقاط ضعف الديمقراطية ولهذا السبب ارتأى بأن الحل يكمن في التسيير الذاتي. وهو أن يقوم العمال بتشغيل مناطق الإنتاج وإدارته بأنفسهم.. بعيداً عن البيروقراطية والمركزية السوفييتية.. وبشكل يقضي تماماً على ثنائية الحاكم والمحكوم.
من المذهل هنا، أن نلاحظ مدى تمكن غارودي من الحديث في السياسة والأثر التاريخ والإجتماعي للأحداث السياسية وهذا الفهم الجميل للإقتصاد.. بالإضافة إلى الفلسفة. ولا أخفي أني أرى تسرعه لربما في التنبؤ بإنهيار النموذج السوفييتي والرأسمالية الأمريكية. وكذلك الأمر بتنبؤه بإمكانية قيادة القوى الآسيوية كاليابان والصين للعالم في الفترة القادمة.. لكننا نعلم جيداً أن ذلك لم يحدث وأن الرأسمالية الأمريكية قد أثبتت أنها أكثر مرونة وقدرة على حل التحديات التي تواجهها. نستطيع أن نتفق أو نختلف مع غارودي كما نشاء هنا.. إلا أنه قد أثبت لي من خلال هذا الكتاب بأنه شخصية مثيرة للإهتمام حقاً.. ولن يكون هذا الكتاب هو الأخير لي معه.