"أنعم عصفور النظر في تفاصيل الخريطة وهو يرتعش. كان المحيط المكتنف إفريقيا ملونة بمداد في زرقة سماء الشتاء الدامعة عند الفجر، ولم تكن خطوط الطولن وخطوط العرض خطوطاً متماثلة للبوصلة، فضربات الفرشاة الجسورة قد استصرخت تقلبات الزمن ونزواته. والقارة نفسها تشبه جمجمة إنسان قد شنق رأسه، كإنسان ذي راس كبير وعينين حزينتين مسدلتين تتفرسان في أستراليا أرض حيوان الكوال والبلاتبوس، الحيوان المائي الثديي البيوض، وحيوان الكنغر، وكان الرسم المصغر لإفريقيا الذي يبين توزيع السكان في الركن السفلي من الخريطة يشبه راس ميت في طريقه إلى التعفن، وآخر معرق بطرق المواصلات يشبه رأساً أجرد به شعيرات رفيعة ومعروضة بشكل موجع وكلتا هاتين الإفريقيتين الصغيرتين توحيان بموت غير طبيعي، فج وعنيف".
رواية تدور أحداثها في جيبوتي.. مدينة إفريقية يندر أن تتواجد في الأعمال الروائية.. يختار الراوي حي بَلْبَلة بطلا لروايته، بحيث ينقل لنا السارد مشاهد رحلته لذلك الحي، والتي احتوت على صور للفقر والجوع والأوضاع الاقتصادية التي تجعل الهم الأكبر للناس الحصول على المال بأي وسيلة، وصور الأوضاع الأمنية السيئة.
(قبل الموعد بنصف ساعة، استيقظت أنتظر الحافلة، التي ستقلني إلى حي بَلْبَلة) (ص6).. في الحافلة يبدأ البطل/ السارد تأملاته للوجوه والأجساد؛ يلفت نظره أحد الركاب (كان عاريا إلا من قطعة قماش بالية تغطي جزأه الأسفل، وعلى الرغم من نحافته، وتقوس عموده الفقري، إلا أن الجلد الذي يشد عظامه البارزة مغطى برسومات وأشكال دقيقة) ( ص6) فيستحضر بعد ذلك وشوما رآها في الأحياء الجيبوتية (خلال رحلاته السابقة)؛ يذكر هذه الوشوم بدون ذكر معانيها، وفي نهاية الفقرة التي تليها مباشرة يقول: (فوشم السكين التي تخترق العنق يعني أنه خطر يقتل بدافع الانتقام، ووشم الجمجمة التي خلفها شبكة عنكبوت يعني أنه لواطي ومحشش، أما الجملة المكتوبة باللغة الصومالية فقد ترجمها لي أحد أصدقائي الجيبوتيين من أصل يمني، تقول الجملة: "لا يوجد طريق يصل بين النار والجنة") (ص7). هل أراد الراوي بهذا تشويق القارئ وشد انتباهه أكثر، أم أراد أن يجعل القارئ يدرك بأن السارد لم يعرف معنى هذه الوشوم مباشرة؛ ففي بداية الفقرة الرابعة قال: (على امتداد السنوات التي عشتها في شرق إفريقيا، لم أكن أعرف متى بدأت تنتشر هذه الرسومات؛ لكن فيما بعد عرفت أنها تشيع بين اللاجئين، وتختلف فيما إذا كانت على رجل أو امرأة، وأن كل وشم يتخذ معنى معينا) (ص7). جاء الفصل الأول بمعلومات عن الوشوم التي رآها طيلة وجوده في شرق إفريقيا، وأدوات رسمها البدائية في حي بَلْبَلة، وكيف بدأت هذه الوشوم في السجون للتعبير عن الانتماءات الحزبية والسياسية وأنها ظهرت أول مرة في عهد "ستالين"، وكيف انتقلت هذه الوشوم إلى الشارع بخروج المساجين، ثم تحولت معانيها لتعلن عن هواياتهم ومواهبهم في القتل والنهب والاغتصاب؛ وكيف رأى السارد تحول الأهداف والغايات لدى ركاب الحافلة، واختلاف الوشوم تبعا لذلك. لكن الوشم الذي استوقفه كان (أذن رسمت بدلا من أذن مقطوعة) (ص10) فينهي الراوي هذا الفصل بحديثه عن هذا الوشم ومشاعر الاشمئزاز والشفقة التي أثارها في نفسه.
وفي حي بَلْبَلة يعرض السارد الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها الناس، وكيف أعادوا تشكيل (الكراتين والزنك المستعمل وصفائح الزيوت الفارغة... لكي تتحمل حياتهم البشرية) (ص11)، وكيف (عوملت الوجوه بقسوة حيث العمى والصور والحول والندوب والجروح) (ص11-12). ونرى في هذا الحي (بشرا يتبولون على طرف الطريق، ويسيرون شبه عراة، عور ومشوهون، أثداء ذابلة في قمصان وسخة، وأخرى مكتنزة في قمصان مغسولة ونظيفة، وجنات تنضح بالصحة، وأخرى بارزة من النحول، شفاه مصبوغة بألوان وردية وبنفسجية، وأخرى جافة ومتشققة، نساء قصيرات وممتلئات، وأخريات طويلات حتى أن رؤوسهن تبدو صغيرة لطولهن، قطط هزيلة تتمسح بالمارة، وأخرى وحشية تنظر بمكر من تحت الطاولات الخشبية المخلعة) ليشكل كل ذلك (مزيج غير قابل للمزج) (ص20) ولكنه يعتقد (بأن هناك علاقة بين كل ما هو موجود في الحي، لا يوجد فيه أي شيء عرضي في تزاحم التشوهات والآلام وجمال الأجساد وقبحها، حي مزدحم كدغل إفريقي، فيه مئات من الكائنات الجميلة والمريعة) (ص19)، وعلى الرغم من ذلك كان يصف مشاعره بالحياد (الانطباع الذي مازلت أحتفظ به، أن مشاعري كانت محايدة) وكان ينظر لأهل الحي (كأطفال) (ص12)، أما هو فقد (مثَّل بؤرة اهتمام أهل الحي، لأنه أبيض، أو لأنه يلبس ملابس مختلفة، أو للصورة الذهنية التي يحتفظ بها أهل الحي عن ثراء العرب وحبهم للنساء) (ص19). ولكنه كان ينظر لنفسه بطريقة مختلفة، فهو (مشتت وعاجز وعنيف، يمتزج فيّ العنف بالانفعال، والطهارة بالوقاحة) (ص32).
الشخصية الأكثر حضورا في النص كانت من نصيب صاحب الأذن المقطوعة؛ حيث ذكره الراوي في خمسة فصول متفرقة، واستطاع بذلك أن يجعل هذه الشخصية لغز يشد القارئ للرواية ليتمكن من معرفة سر هذا الرجل، خصوصا حين ذكر السارد بأنه (يعرف هذا الرجل.. وأن أذنه لم تكن مقطوعة!!) (ص38)، وجوده في النص جاء ليعبر بوضوح عن الوضع الاجتماعي والأمني في جيبوتي، فأذنه قطعت بعد أن سرق بيت أحد الفرنسيين! (فقطع الآذان إجراء أمني تواطأ عليه السكان المحليون مع الشرطة بعد قدوم اللاجئين، وسيلة يعجز عن اختراعها الشيطان، فلقطع الآذان وظيفة مزدوجة: تحفظ وتقي من اللصوص، وتريح من الجنود من التحقيق، والدولة من الأموال التي تصرفها على المساجين) (ص41). وكيف أن صاحب الأذن المقطوعة يحاول الحصول على المال بطرق غير مشروعة أخرى، دون أدنى شعور بالعار جراء قطع أذنه (العقوبة المعلنة للسرقة).
علاقة السارد بالنساء تجعلنا نتساءل: ما الذي يريده هذا الخبير التربوي المثقف من نسوة كهؤلاء؟! هل كان هو يدرك ما الذي يريده منهن؟؟ هل هي المتعة فقط التي كان همه كيف يعثر عليها؟! (ص33) أم لأنه (حينما يواعد امرأة، كان يدرك كم هي الكتب بعيدة عما يحدث حقيقة)؟! يقول في نهاية الرواية (بأن فتاة الصندقة قد حركت فيّ شيئا ما)!! (ص80) وجعلته يتأمل (لحظات حياته التي انفلتت، ذابت وتلاشت، مضت بالخفة ذاتها التي مرت بها طافية في هذا الكون) (ص80).. بدأت الرواية برغبة في تأمل الحياة في شرق إفريقيا، ثم انتهت بتأمل الموت (فعرفت أنني شخت وهرمت، وأنني قريب من الموت، قريب أكثر من أي وقت مضى، لكنني لم أشعر بعبء شيخوختي، فحينما يدنو الموت، لا تغدو الشيخوخة عبئا ثقيلا على البشر) (ص79). الموت الذي جاء في الاقتباس الذي افتتح به روايته للياباني "أوي كنزابورو": (( القارة نفسها تشبه جمجمة إنسان قد شنق رأسه، ... ، وكان الرسم المصغر لإفريقيا الذي يبين توزيع السكان في الركن السفلي من الخريطة يشبه رأس ميت في طريقه إلى التعفن، ... ، وكلتا هاتين الإفريقيتين الصغيرتين توحيان بموت غير طبيعي، فج وعنيف) (ص5) هل نفهم من هذا أنه لا حياة طبيعية ومستقرة من الممكن أن تكون على أرض إفريقيا؛ كما قال له صديقه (المساكن المقامة من الزنك والكراتين لا تنبئ بالمكوث والاستقرار) (ص12)
لغة النص جاءت واضحة وبسيطة غر متكلفة، وكان السرد قريبا من القارئ وكأنه شخص يحكي ما شاهده شفهيا، حيث أن بعض الأوصاف تكررت أكثر من مرة بالعبارات ذاتها. لم يذكر الراوي أي اسم للشخصيات، كل الأسماء الواردة كانت للأماكن، حي بَلْبَلة، جيبوتي، مركز البحوث والإنتاج والإعلام CRPN، ربما لأنه يرى أن الأسماء ليست مهمة لأنه (لا يوجد فرق بين الاسم الحقيقي والمزيف، فكلاهما يشيران إلى الأجساد) (ص62).
رواية "سماء فوق أفريقيا".. للكاتب علي الشدوي صدرت عن دار الانتشار العربي، تقع في 81 صفحة من القطع الصغير، الطبعة الأولى 2007
في رواية "سماء فوق أفريقيا" يدخل علي الشدوي رجلاً إلى المشهد بشيء من اللامبالاة في بادئ الأمر، غير أن الرجل عندما جلس على المقعد المحاذي للسائق أثار الاشمئزاز والشفقة بصورة لا لبس فيها، لقد كان رأسه بأذن واحدة سليمة أما الأخرى فقطعت من منبتها بالكامل ولم يتبق منه ولو حتى نتوء صغير يدل على أذن كانت موجودة في السابق. عندما يكون رأس الإنسان بهذا القدر من النقص الجمالي المريع فإن الفراغ الذي تتركه الأذن المقطوعة يكاد يلغي وجود الأذن المتبقية. ما جدوى أن تبقى الأذن السليمة لوحدها على الشق الآخر من الرأس؟ ما الذي يجعلها على ذات القدر من الأهمية السابقة؟ بل إن نصيبها من أنظار الآخرين لن يأتي إلا من طريق الشفقة والأسى على بقائها هكذا بلا رفيقة تقابلها في الجانب الآخر. الأذنان في الرأس تشبهان عروتين جميلتين بقدر ما هما آلتان للسمع خلقتا فيه. حين نتفق على هذا التوصيف يتجلى لنا شكل الرأس بعروة واحدة، كأي آنية من الفخار فقدت إحدى عروتيها، وبذلك نضع أيدينا على القبح الناتج من هذا النقص. غير أن الرجل الذي لا يزال إلى جوار السائق يفاجئنا، بحذاقة متناهية، بلعبته الفنية مع الأعين المتطفلة على الفراغ الذي حل مكان الأذن، ثمة وشم على شكل أذن لم يكن ينقصه ليكون حقيقياً إلا افتقاره إلى الشكل الغضروفي المألوف. بدا "كأذن طبيعية خلقت ملتصقة بالجلد". بدا الوشم "رغم بساطته" متماهياً مع صورة الأذن الحقيقية باستثناء أنه في شكله الذي انتهى إليه بدا " كما لو كان ينقل الصوت إلى مسام الجلد، وليس إلى الذاكرة السمعية" ...... لقد فقد الرجل أذنه إلى الأبد غير أنه بتآلفه مع فكرة الأذن/الوشم كافأ نفسه بمنحة تعويضية اختلقها من مأساته.
كتاب يحكي مشاهد من الالم في افريقيا الجوع والفقر الجهل والتخلف يحكي عن بقعة تعيش عصور مظلمة لكن الكتاب لم يرقلي في المبالغة في وصف مشاهد خادشة للحياء حتى لى كان يحكي عن المأسي هناك هذا لا يبرر الجراة في الوصف لم احب هذا الكتاب وندمت على قراءته
بداية شعرت وكأني أقرأ لعلي الشدوي قراءة عن شيء ما .. جفلت من عمله؛ لكن لقصر النص تجاسرت على إكماله.
وكما شعرتُ في البداية أني بصدد قراءة بحث له غير أن السرد الجيد والصور المكثفة والفلسفة التي يمررها بلسان بطل الرواية كانت تكفي للإستمتاع بالقراءة.
الشدوي يقص لنا حكاية رجل عربي من مواليد ١٩٥٥م يعمل في مركز البحوث والإنتاج والإعلام CRPN في مدينة جيبوتي.
ويتوغل في وصف حي بلبلة وما يشاهده من مناظر مؤسفة من تشوهات الأجساد والفقر والعمى والندوب والجروح.
وعلى بشاعة هذه المناظر يقوم بطل الحكاية بمغازلة إحدى الفتيات. والفتاة " كان وجهها ناعما وموشى بانتفاخات صغيرة من أثر البعوض"الرواية ص ١٣
يمضي بفلسفة كل الأمور التي تجري بأنها حياته بمفاجآتها.
الحكاية بعدسة الرجل المفتونة والشغوفة بالنساء وأجسادهنّ..
يطرب إن لمح فتاة جميلة " في حي يندر أن ترى فيه امرأة بيضاء أو برونزية."
يقول: " استولت فتاة على انتباهي أكثر من غيرها. أنزلت الصفيحة وهي تنحني بتوازن محسوب كي لا تهرق الماء؛ عندئذ ظهر أصل نهديها الطليقين من أي حمالات. غرفت من الصفيحة بكفيها وغسلت وجهها. ثم رشّت بما تبقى رقبتها فتألق وجهها الأسمر باللذعة التي أحدثها الماء. بعد أن انتهت أصبحت أكثر إشراقا كأنما غسلت من الداخل. يتوهج وجهها بهالة من النقاء، وفيما أنا مأخوذ بهالتها، نظرت إليّ وابتسمت فشعرت بهجة منعشة ورغبة في أن أتقدم إليها. وقبل أن تكتمل رغبتي اقتربت مني فأمسكت يدها"
يسرد موقفا آخر عن الفتاة التي غازلها بداية؛ حين قالت له: - عربي. وشعر "أن وراء كلمتها شيئا مثيرا للسخرية" وكان همه أن يرد عليها بما يتناسب لأنها " في الحقيقة لم تنطق بها؛ إنما بصقتها من فمها"
أجابها: " - قحبة. لم يصدر عنها أي فعل. تصرفت كما لو كانت لم تسمع شيئا"
على أن اللقاء ينتهي بمغادرتها. غير أنها تعود وتعيش معه وتزحزح الكتب التي يقرأها بنهم ليكتشف أن الحياة معها " أغنى مما تصوره الكتب" و أن " القراءة عيش في عالم متخيل بينما الحياة عيش في عالم واقعي"
غربته وسكنه وحيدا أتاحت له فضاءا من التأمل في ذاته ومكاشفتها.
رواية مجموعها قصص قصيرة ، تدور إحداثها في شرق إفريقيا من مدينة جيبوتي تحديدا ومن حي بلبلة تستمد تفاصيلها (الحي الذي لايوجد فيه إي شي عرضي في تزاحم التشوهات والألام وجمال الأجساد وقبحها ، حي مزدحم كدغل إفريقي فيه مئات من الكائنات الجميلة والمريعة ) ينقل لنا الرواي تفاصيل زيارته المتكررة لهذا الحي ، بداية عن ثقافة الوشم وإين شاع وماهي إدواته ومعانيه ، فيظهر ذو الأذن المقطوعة (أذن رسمت بدلا من أذن مقطوعة ) التي تمثل ثقافة الوشم في تدهور الأوضاع الأمنية في جيبوتي .. ومن ثم تظهر الأنثى العنكبوت ، وعلاقتة بالنساء في ذلك الحي وفتاة الصندقة التي قد حركت فيه شيئا ما.. كل ذلك في وصف حال الأوضاع الإجتماعية والسياسية والأمنية في جيبوتي .. لغة الرواية بسيطة وواضحه .. رغم أن تفاصيل الروايه بأكملها على أرض جيبوتي ، ألا أن اسمها .. سماء ، سماء فوق إفريقيا .. (ذلك الأعلى الذي يسمو فوق كل الأشياء )..