لم يكن الاستقرار الأمني الحاصل في عُمان في العقود الماضية إلا نتاج صراع مرير بين نظام إمامة الاباضية و الحكم السلطاني من جانب آخر، وفي كتاب (نظام الحُكم في عُمان: من إمامة الانتخاب إلى السلطنة الوراثية) للدكتور محمد اليحيائي، يذهب بنا اليحيائي في سرد تاريخي رصين لكيفية تشكل الصورة الأولى للحكم في عُمان منذ قدوم مالك بن فهم أرض عُمان وما تلتها من أحداث تاريخية مع انتقال الحكم إلى أسر آل الجلندى و النبهانة و اليعاربة و أسرة البوسعيديين حتى الآن، ومن خلال هذه الدراسة يتضح لنا أن انتماء العمانيين للإسلام والموقف من موضوع الخلافة هو أساس ظهور المذهب الإباضي، فمنذ ضعف الدولة الأموية في عهد يزيد بن معاوية ومناصرة قادة ما يسمون بالخوارج كعبدالله بن إباض و نافع بن الأزرق و نجدة بن عامر الحنفي لتمرد عبدالله بن الزبير الذي قُتل في حصار مكة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي إلا أن قادة الإباضية كانوا يختلفون معه من حيث المبادئ و الأهداف للخلافة الاسلامية، فمسألة الحُكم عند الإباضية تقوم على الشورى و الاختيار المفتوح لكل رجل ورع يتناسب و شروط الإمامة لانتخابه إماما للجماعة و الذي يحدده مجلس من فقهاء المذهب أو ما يسمون أهل الحل و العقد، ونستطيع القول أن ما ساعد المذهب الإباضي على عدم اختفائه أو انصهاره في إحدى أطراف الصراع على الخلافة هو موقفهم المتشدد من مسألة الحكم و ديناميكية الموقف على الأرض و الظروف المصاحبة لكل فترة زمنية حيث تتلخص هذه الديناميكية أو ما يطلق عليها الإباضية (مسالك الدين) في الاطوار التالية بدون ترتيب زمني بل تكون خاضعة للموقف و الظروف، أولا: الكتمان وهي مرحلة السرية التامة بين أفراد المذهب ولتنظيم الصفوف داخلياً وهو بمفهوم اليوم معارضة سرية لإسقاط الحاكم، ثانيا: الشراة وهو طور مقاتلة الحاكم الظالم المستبد، ثالثا: الدفاع وهو يمثل الدفاع عن النفس من جانب حاكم مستبد ومحاولة تغيير الوضع القائم، رابعاً: الظهور وهو ما يمثل تتويج لكل الأطوار السابقة ومعناه إقامة حكم الإمامة بلا خوف واختيار إمام لهذه المرحلة الأخيرة، حيث أن لكل طور من الأطوار المذكورة سابقاً يتم انتخاب إمام لها، لم تكن فلسفة الحكم عند إباضية عُمان إلا برغماتية لم تعد تتناسب مع تقدم الزمن و انفتاح عُمان على العالم من خلال الملاحة البحرية والعلاقات التي رسمتها الأسرة البوسعيدية كنتاج طبيعي لتبادل الثقافات والتجارة البحرية وصولاً إلى التدخلات البريطانية التي أسهمت اسهاماً هائلاً في حدة الانقسام الداخلي في عُمان وتثبيت الحكم السلطاني، فمنذ انتخاب الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي إماماً لعُمان لم تهدأ الاوضاع الداخلية في عُمان مثلما كانت سابقاً، سواء من قبائل عُمان الداخل المناوئة لحكم أحمد بن سعيد والمدفوعة من رجال الدين الإباضية أو من داخل البيت البوسعيدي الذي تناوبت عليه الانقلابات و الاغتيالات، فعلى الرغم أن الصراع على الحكم في عُمان لم يكن وليد مرحلة بعينها من مراحل التاريخ العماني إلا أنه أتخذ مرحلة الهيمنة على جغرافيا كبيرة منذ عهد اليعاربة و انتهاء بعهد السلطان سعيد بن سلطان، حيث وصل العمانيون إلى الساحل الشرقي الأفريقي، فحتى عام ١٨٥٦م كانت عُمان على الرغم من القلاقل الداخلية التي يثيرها المطالبين بحكم الإمامة تمتد رقعتها الجغرافية إلى العمق الأفريقي وكان الملاحون العمانيون أساس هذا العلاقات التجارية المتينة التي أزعجت البريطانيين و أدى هذا الوضع من بعد هذا العام إلى تمزق هذا النفوذ العماني، لتكون بريطانيا هي اللاعب الرئيس في قرارات الحكومة البوسعيدية بعلاقاتها الخارجية و تثبيت حكمها ضد مناوئيها من جانب إمامة الاباضية داخلياً، يلخص اليحيائي تلك المرحلة في الأسطر التالية:
(رغم ما فرضته اتفاقية ۱۸۲۰م من ملامح واقع سياسي جديد بدأ في التشكل، فلقد كانت عمان، وحتى عام ١٨٥٦ م، تمارس نفوذاً واسعاً على مناطق مختلفة من الخليج العربي إلى فارس، وصولاً إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، ثم إلى شمال موزمبيق حتى الصومال، وإلى البحيرات الكبرى في أواسط أفريقيا، وكانت مسقط عاصمة هذه الدولة، وكان يشدّ أجزاءها بعضها إلى بعض صلات تجارية متينة قوامها الملاحون العمانيون. وحتى ذلك العام، كان سعيد بن سلطان حاكم هذه الدولة المترامية الأطراف، وكان آخر الحكام الكبار على اتساع تلك الرقعة الجغرافية. غير أن كل شيء سيتغير مرة واحدة وإلى الأبد، فقد شكلت وفاة السلطان سعيد، وهو على ظهر سفينته (Victoria) مبحراً من ميناء بندر عباس في طريق العودة إلى زنجبار صباح يوم الأحد ۱۹ أكتوبر ١٨٥٦م ، اللحظة التاريخية التي مهدت لدخول عُمان ونظام الحكم فيها مرحلة الضعف والتراجع. وكما شكلت وفاة الإمام اليعربي سلطان بن سيف الثاني عام ۱۷۱۱م بداية انحدار الدولة اليعربية وتفككها ، شكلت وفاة سعيد بن سلطان بداية انهيار الدولة التي بناها على مدى نصف قرن. وفي الحالتين كانت مسألة توريث الحكم والصراع عليه هي العامل المشترك. وكما سبقت المناقشة، فإن الصراع على الحكم ليس أمراً جديداً في تاريخ نظام الحكم في عُمان خلال الفترة الزمنية التي تغطيها هذه الدراسة، فمع اليعاربة بدأ هذا الصراع منذ منازعة سيف بن سلطان الأول أخيه الإمام بلعرب بن سلطان على الحكم وانتزاعه منه عام ١٦٩٢م، قبل أن يتطور الصراع إلى حرب أهلية بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني أما في الدولة البوسعيدية، فإن الصراع على الحكم الذي بدأ حتى قبل وفاة المؤسس الإمام أحمد بن سعيد، كان سمتها الأبرز. غير أن عوامل جديدة طرأت على العالم، وعلى منطقة المحيط الهندي والخليج العربي، وعلى عُمان، جعلت من الصراع على وراثة الحكم في عُمان، منذ منتصف القرن التاسع عشر، مدخلاً لهيمنة بريطانية شبه مطلقة، حتى إنه، بدءً من تلك المرحلة الفاصلة في تاريخ نظام الحكم، بات من الصعب على أي حاكم البقاء في السلطة قوياً ومتماسكاً، ما لم يمنحه البريطانيون رضاهم )
أن هذا الكتاب يعطي صورة عن نظامين قاما على ظروف مختلفة حيث أن نظرية الإمامة عند الإباضية تقوقعت على نفسها ولم يحاول مؤيدوها و القائمون عليها استشراف المستقبل وفهم المتغيرات الحاصلة في العالم، وهو في رأينا ما ساهم في عزلتها مع مرور الزمن رغم محاولة المتأخرين من أئمتها مداولة قضيتهم في الأمم المتحدة كمظلومية حلت بهم من جانب النظام السلطاني القائم و المدعوم بريطانياً، بينما نرى أن الظروف التي ساهمت في سيطرة الأسرة البوسعيدية على مسقط و اتخاذها عاصمة دائمة لها ساعدت على انفتاح نظام الحُكم السلطاني على العالم وفهم المتغيرات العالمية ونسج العلاقات والتحالفات مع القوى الكبرى مثل فرنسا و بريطانيا وعزل وخنق إمامة الإباضية في عُمان الداخل من خلال التحكم بالصادرات و الواردات و فرض الضرائب العالية و شراء ذمم بعض قادتها بالمال و المناصب مما أدى إلى انكسارها داخلياً، ومن ثم القضاء على حكم الإمامة في ١٧ مارس عام ١٩٥٩ بعد معارك عنيفة مع قوات السلطان و القوات البريطانية، إن ما قدمه اليحيائي في هذا الكتاب هو تلخيص معمق أن صح التعبير في آن واحد لتاريخ بلد ما زال إعلامه الحاضر ينظر لموضوع هذا الكتاب من المواضيع التي يُمنع التطرق لها من جانب مغاير خاصة بعد التزاوج الذي حصل بين المؤسسة الدينية المتمثلة في المذهب الإباضي ونظام الحكم السلطاني.