هذا المجـــلد يشتمل على ثـــــــلاثة كتب حــــول الروايـــــة، الأول " فـــن الروايــــة "(1986) وهو تحليل ناقد لتاريخ الرواية منها "ميراث سرفانتس" و " السائرون نيامًا " لدى جليمار، والثانى حول فن التأليف" الوصايا المغدورة " و "مبدعات وعناكب" و"تقاسيم فى مديح سترافنسكى"، والثالث "الستار" ويشمل مقــــال فى 7 أجزاء. والكتب الثلاث تشمل التعديلات التى أدخلها المؤلف على الطبعات الأخيرة.
Milan Kundera (1 April 1929 – 11 July 2023) was a Czech and French novelist. He went into exile in France in 1975, acquiring citizenship in 1981. His Czechoslovak citizenship was revoked in 1979, but he was granted Czech citizenship in 2019.
Kundera wrote in Czech and French. He revises the French translations of all his books; people therefore consider these original works as not translations. He is best known for his novels, including The Joke (1967), The Book of Laughter and Forgetting (1979), and The Unbearable Lightness of Being (1984), all of which exhibit his extreme though often comical skepticism.
قبل أن أتخلص من بعض الملاحظات المتراكمة من قراءاتي للثلاثية ،أبدأ بالتأكيد على أني أعتبر هذا الكتاب دليلا مناسبا لقارئ يبحث عن أهم منجزات الرواية لا أقول العالمية لأن كونديرا أهمل نصف الكرة الأرضية في هاته التأملات، و منجزات هذا الفن في أمكنة أخرلا بعيداة عن اوربا
الملاحظات
-أحببت كونديرا دائما حين يكتب عن فن الرواية،أحبه أقل حين يكتبها
- سنصادف رائدي الرواية الكبار ،في ما أطلق عليه كونديرا جمالية الشوط الأول،حيث تتجاور الحرية ،الخيال و الفكاهة لتمنحنا أعمال ثربانتس،ديدرو،ستيرن،و طبعا رابليه
- أما الشوط الثاني للرواية فكان بلزاك ممثله الكبير حين حد من اللعب ( نعم اللعب)،الحرية و الخيال لمصلحة تصميم صارم و تصاعدي للأحداث،شخصيات مدروسة بدقة و تسير نحو نهاية الرواية بشكل خطي
- و أخيرا روائيو ما سمي بالشوط الثالث الرواية الذين عادوا لاستئناف مسيرة أسلافهم نكاية ببلزاك و أتباعه الكثيرين ،هنا سنلتقي مع فوكنر،أليخو كاربنتييه،رشدي،بروخ،غومبروفيتش،موزل،ماركيز ..و طبعا مع جويس،كافكا...
-الرواية المنجز الأهم للحضارة الأوربية،الرواية هدية أوربا الى العالم و ما شابه من اكليشيهات،التعصب الكونديري المعروف ..حتى حين يتحدث عن كتاب هذا الفن في الأمريكتين ،يؤكد عل أنهم امتداد طبيعي لأسلافهم الأوربيين ناسيا الامتزاج المدهش للثقافة الأوربية مع ثقافة الهنود و الأفارقة (في أمريكا اللاتينية) التي لولاها لما قرأنا أدب الواقعية السحرية
- هذا يدفع الى تجاهل كتاب نصف العالم كما اشرت.كيف يعقل أن لا يكتب كلمة واحدة عن الرواية اليابانية(كاواباتا ،ميشيما،تانيزاكي،كوبو آبي..).
طبعا لاداعي لتذكيره بأن هذا الفن نضج منذ زمن بعيد في أفرقيا،آسيا و أستراليا أيضا..لكن يبدو أنه لا يقرأ إلا للأوربيين حتى حين يتنازل و يتحدث عن الرواية في جزر المارتنيك تظهر نبرته الاستعلائية ..مرحبا هتلر
-طبعا لن تصل أي رواية عربية الى يده،فالدول ذات الأنظمة الشمولية كروسيا و البلاد الاسلامية -حسب رأيه لا تستطيع تبني هذا الفن - نعم لقد كتب عن سلمان رشدي ككاتب ينتمي يحاور جماليات الشوط الثالث للرواية، نعم رشدي كاتب متميز لكنه تجاهل كل رواياته(أطفال منتصف الليل مثلا..) و تحدث فقط عن "آيات شيطانية" محاولا التدليل على أن الأنظمة الإسلامية تكره الرواية
هذا العمل يجب ان لا يغفل .. يحتوي على بحر من الاعمال العالمية التي يجب ان نقرأها، بالاضافة الى المدرسة التقسيمية للهيكلية الروائية والشخصيات والبنية الاجتماعية .. الكتاب يحب ان لا يفوّت
أنهيت ثلاثية كونديرا ثلاثية حول الرواية : فن الرواية ، الوصايا المغدورة ، الستار الصادرة عن المركز القومى للترجمة وكنت قد تركتها على المكتب أكثر من أسبوعين ثم التهمتها فى أربعة ايام وسط تأملات عميقة عن تحولات وتاريخ فن الرواية ومفتاح هذا الكتاب ما ذكرة كونديرا فى مقدمة الكتاب بقولة " عالم النظريات ليس عالمي؛وهذه التأملات هى تأملات حرفي؛يتضمن مبدع كل روائى رؤية مضمرة لتاريخ الرواية ؛فكرة عما هى الرواية ؛وهذه الفكرة عن الرواية المحايثة لرواياتى هى التى أجعلنى أتكلم " ويؤكد" ان اكتشاف كينونة الإنسان وسرّه المنسيّ والمخفي في آن هو ما يمكن الرواية وحدها دون سواها أن تكشفه، وهو ما يبرّر وجودها. واذا كان فهم الأنا المفكر مع ديكارت بصفته أساس كل شيء، والوقوف في مواجهة الكون وحيداً موقفاً اعتبره هيغل بحق موقفاً بطولياً، فإن فهم العالم مع سرفانتس بصفته شيئاً غامضاً يتطلب قوة لا تقل عظمة عن أنا ديكارت على ما يرى كونديرا. مؤمنا بمقولة بروخ أن المعرفة هى أخلاقية الرواية الوحيدة ؛لن أتحول الى تلخيص هذا السيل من الافكار المدهشة عن تاريخ الرواية وعن كافكا وعن جمالية بروخ وبعض الروائيين والحديث عن ظروف نشر بعض الروايات التى كتبها كفالس الوداعات وكائن لا تحتمل خفته ؛فضلا عن معرفة بفن الموسيقى وتأملات عن بعض كبار الموسيقيين ؛ومراجعة لبعض الكلمات المفتاحية لرواياته فى فصل بعنوان سبع وسبعون كلمة ؛وإعادة قراءة لسرفانتس وكافكا وفلوبير وكبار الروائيين محاولا أن ينفض عنهم غبار القراءة السطحية الشاءعة بالنفاذ الى ما هو جوهرى أو الى ما تقدمة الرواية من الوصول الى روح الاشياء . يكفى حديث عن كونديرا سأتناول روايته كائن لا تحتمل خفته يكفى تلك العبارة فى هذه الرواية "
" لكن أيّاً من هذه الشخصيات لا تتحدر من هذه الشخصية التي هي أنا والموجودة في بيان سيرتي . فشخصيات روايتي هي إمكاناتي الشخصية التي لم تتحقق . هذا ما يدفعني لأن أحبهم كلهم ولأن أرتعب منهم في الوقت نفسه . ذلك أن كل واحد منهم عَبَر حدوداً ليس في مستطاعي سوى الإلتفاف حولها . وهذه الحدود التي عبروها ( والتي بعدها تنتهي " أناي " ) هي مايشدني إليهم . لأن في هذا الجانب الآخر وحده يبدأ السر التذي تسبر غوره الرواية . فالرواية ليست اعترافاً ذاتياً للكاتب , وإنما تنقيب عمّا تصيره الحياة الإنسانية في الفخ الذي يسمى العالم " أحد عيوب هذا الكتاب الغرق فى المركزية الأوربية والحديث عن فن الرواية فى أوربا وروسيا وأمريكا اللاتينية ؛هل هذا من حق كونديرا بوصف هذا الفن فن ظهر فى أوربا الرواية الحديثة أقصد ؟ -وهل المركزية الأوربية عندما تأتى من كاتب غربي هل هى عيب وتعبر أحد مثالب الكتاب أم أن هذا طبيعى الرجل يتطلم 4 لغات بهذه اللغات الأربع قرا فقط هل يمكن أن يكون هناك معرفة كونية اذا أتفقنا أن مفهوم الأدب العالمى هو مفهوم متحيز كما فصل فى ذلك جابر عصفور فى الهوزية والنقد الادبي والمسيرى فى العالم من منظور غربي وشاكر فى رسالة الى الطريق الى ثقافتنا هناك ملاحظة أخرى فى فن الرواية لا يؤمن كنديرا بالمطلق لذلك الرواية هى فن اللايقين وتصطدم لدية بالدين والايدلوجيا والحديث عن يقين فى كتابة الرواية يمثل لدية نقطة ضد جمالية هذا الفن وهذه النقطة بالنسبة لي لا أتفق معه فيها كأنه يسقط من اعلى مبنى ليقع فى بئر التفكيك ولا أدرية
"لقد انهزم دون كيشوت وبدون أي عظمة ؛ لأن كل شيء دفعة واضحة يتضح : إن الحياة الإنسانية هي هزيمة، والشيء الوحيد الذي يبقى لنا في مواجهة هذه الهزيمة التي تسمى الحياة هو محاولة الفهم، وهنا سب وجود فن الرواية" وهنا -أيضا- سبب مداواتنا لأيامنا بالقراءة، فلكي نستوعب الحياة لابد من الاستناد على عالم الرواية. ولأول مرة أقرأ كونديرا بعيدا عن شخصيات رواياته وعالمها الفريد، وأظنه يوازيها تميز وعظمة في الأفكار 'كتب مهمة وفريدة في عالم بناء الرواية عامة والحياة بشكل خاص'
يشرح دون كيشوت لسانشو أن هوميروس وفيرجيل لم يصفا الشخصيات كما كانت بل كما يجب عليها أن تكون لاستخدامها أمثولة في الفضيلة للأجيال القادمة». بينما دون كيشوت نفسه متعطش لأمثولة يحتذي بها. لا تستدعي الشخصيات الروائية أن نحبّها لفضائلها. تحتاج أن نفهمها، وهذا أمر مختلف تماماً. أبطال الملحمة ينتصرون، أو يحتفظون حتى الرمق الأخير بعظمتهم حين يهزمون. أما دون كيشوت فَهُزِمَ. وبلا أية عظمة. لأن كل شيء يتضح في الحال الحياة الإنسانية بوصفها كذلك هزيمة. والأمر هي الوحيد الذي يبقى لنا إزاء هذه الهزيمة المحتومة التي ندعوها الحياة هو محاولة فهمها. وهنا يكمن سبب وجود فن الرواية . ** الحداثة ضد الحديث
کتب آرثر رامبو لا بد أن أكون عصرياً حتماً». وبعد حوالي ستين عاماً لم يكن غومبروفيتش متأكداً أنه مضطر لذلك حقاً. في رواية فرديدوركه المطبوعة في بولونيا عام 1938)، تسيطر فتاة، وهي تلميذة ثانوية عصرية، على عائلة لوجون. إنها مولعة بالهاتف؛ تستخف بالمؤلفين الكلاسيكيين؛ وبحضور السيد الذي جاء في زيارة تكتفي بالنظر إليه، وبينما تحشر بين أسنانها مفك براغي تمسكه باليد اليمنى تمد إليه اليد اليسرى بوقاحة تامة». أمها عصرية أيضاً؛ إنها عضو في لجنة حماية المواليد الجدد»؛ تناضل ضد عقوبة الإعدام وفي سبيل الإباحية، تتجه علناً وبمشية وقحة نحو المرحاض لتخرج منه أكثر فخراً مما كانت عليه عندما دخلته؛ وبالتدريج تشيخ وتصير العصرية ضرورية لها باعتبارها مجرد بديل عن الشباب».
والأب؟ هو أيضاً عصري ؛ لا يفكر بشيء لكنه يفعل ما بوسعه ليعجب ابنته وزوجته .
أدرك غومبروفيتش في فرديدوركه الانعطاف الأساسي الذي حدث خلال القرن العشرين : كانت البشرية حتى ذلك الحين منشطرة إلى قسمين، أولئك الذين يدافعون عن الوضع الراهن، وأولئك الذين يريدون تغيره ؛ لكن كان لتسارع التاريخ نتائجه : بينما كان الإنسان يعيش قديماً في البيئة الاجتماعية ذاتها التي تتحول ببطء شديد، جاءت فجأة لحظة بدأ يشعر فيها بالتاريخ يتحرك تحت قدميه كبساط نقال: أخذ الوضع الراهن يتحرك وعلى الفور، صار الاتفاق مع الوضع الراهن هو ذاته الاتفاق مع التاريخ الذي يتحرك! وأصبح بوسع المرء أخيراً أن يكون في آن معاً، تقدمياً وتقاليدياً، تقليدي التفكير ومتمرداً!
بعد أن هاجمه سارتر ومن لف لفه بوصفه رجعياً، رد كامو بجوابه الشهير على أولئك الذين وضعوا كرسيهم في مجرى التاريخ؛ رأى كامو ،بدقة، لكنه لم يعرف أن هذا الكرسي الثمين على عجلات، وأن كل الناس راحوا منذ بعض الوقت يدفعونه إلى الأمام، طالبات الثانويات العصريات أمهاتهن، آباءهن، كما جميع المناضلين ضد عقوبة الإعدام وجميع أعضاء لجنة حماية المواليد الجدد، وبالتأكيد جميع رجال السياسة الذين أخذوا يلتفتون، وهم يدفعون الكرسي، بوجوههم الضاحكة نحو جمهور يركض خلفهم ويضحك أيضاً، وهو يعرف حق المعرفة أن من يستمتع بأنه عصري هو وحده العصري حقاً.
عندئذ فهم فريقٌ من ورثة رامبو هذا الأمر الخارق: اليوم الحداثة الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي الحداثة المضادة للحديث . ** - تاريخ الرواية كما يُرى من محترف غومبروفيتش
الروائي الذي يتكلم عن فن الرواية ليس أستاذاً يثرثر من منبره. بالأحرى تخيلوه رساماً يستقبلكم في محترفه حيث تراقبكم لوحاته المعلقة على الجدران من جميع الجهات. سيحدثكم عن نفسه، لكنه سيحدثكم أكثر أيضاً عن آخرين عن رواياتهم التي يحبها وتظل حاضرة خفية في نتاجه الخاص وسيصوغ أمامكم، حسب معايير القيمة لديه، ماضي تاريخ الرواية كله، وسيكشف لكم بذلك شعريته الخاصة للرواية التي لا تنتمي إلا له، وإذاً يُعارض بشكل طبيعي جداً شعرية الكتاب الآخرين. سَيُخَيل إليكم على هذا النحو أنكم تنزلون مندهشين إلى عنبر التاريخ الذي يتقرر فيه مستقبل الرواية، وأنكم تمسون وتُصبحون على خلافات ونزاعات ومواجهات.
في عام 1953، يُورد فيتولد غومبروفيتش في العام الأول من مذكراته (سيكتبها على مدى الستة عشر عاماً التالية حتى مماته) رسالة أحد القراء: على الأخص لا تفسروا وتُعَلِّقُوا! اكتبوا فقط ! كم هو مؤسف أن تنساقوا للتحريض بكتابة مقدمات لأعمالكم، مقدمات وحتى تعليقات!» فيرد عليها غومبروفيتش أنه سيستمر في الشرح والتفسير بقدر ما يسعه ذلك وما دام يستطيعه لأن كاتباً عاجزاً عن الحديث عن كتبه ليس كاتباً كاملاً». لنمكث لحظة في محترف غومبروفيتش. هذه قائمة بما يحبّ وما لا يحب، وترجمته الشخصية لتاريخ الرواية : قبل كل شيء، يحب رابليه. كُتِبَتْ المؤلفات حول غارغانتيا وبانتاغرويل عندما كانت الرواية الأوروبية في طور الولادة، ولم تزل بعيدة عن جميع المعايير ؛ وزخرت تلك المؤلفات بالإمكانات التي سيحققها تاريخ الرواية المستقبلي أو سيهملها، لكنها جميعها تبقى معنا كَمُلْهِمَات : نزهات في اللامتوقع، إثارات فكرية، حرية الشكل. يكشف شغف غومبروفيتش برابليه معنى حداثته : لا يرفض ترجمة الرواية، بل يطالب بها ؛ لكنه يطالب بها كاملة، مع انتباه خاص للحظة الإعجازية لتشكلها).
لكنه لا يكترث ببلزاك . يُبرئ نفسه من شعريته المشيدة أثناء ذلك في نموذج معياري للرواية).
يحب بودلير. (يتبنى ثورة الشعر الحديث).
لا يسحره بروست. مفترق طرق وصل بروست إلى نهاية رحلة عظيمة استنفدت كل إمكاناته ؛ وبعد أن استحوذت حصيلة الجديد على غومبروفيتش، لم يسعه إلا أن يسلك طريقاً آخر). لم يجد نفسه متآلفاً مع أي روائي معاصر تقريباً. (غالباً ما أوجد الروائيون فجوة لا تصدق في قراءاتهم: لم يقرأ غومبروفيتش أياً من بروخ أو موزيل ؛ ولأنه اغتاظ من المتكبرين الذين استحوذ عليهم كافكا، لم يشعر بميل خاص نحوه؛ لم يحس بأي تألف أدب أميركا اللاتينية؛ لم يبال ببورخس المتباهي أكثر مما ينبغي بذوقه، وعاش في عزلة في الأرجنتين حيث كان أرنيستو ساباتو وحده بين العظماء يهتم به؛ ويبادله هذا الود).
لا يحب الأدب البولوني في القرن التاسع عشر. (كان رومانتيكياً أكثر مما ينبغي بالنسبة له).
متحفظ عموماً إزاء الأدب البولوني. (شعر أن مواطنيه أحبوه بشكل سييء؛ مع ذلك، ليس تحفظه ضغينة، بل يُعبر عن رعبه من الانغلاق في قميص السياق الصغير. يقول عن الشاعر البولوني تويام: يمكننا القول عن كلّ واحدة من قصائده إنها «معجزة»، لكن إن سُئلنا بأي عنصر أغنى تويام الشعر العالمي، لن يسعنا حقاً الإجابة»).
يحب طليعة عقدي العشرينيات والثلاثينيات. (وهو حذر من إيديولوجيتها «التقدمية»، من حداثتها المناصرة للحديث»، يشاطرها تعطشها لأشكال جديدة ويشاطرها حرية مخيلتها . ينصح مؤلفاً شاباً : أن يكتب، بادىء ذي بدء عشرين صفحة دون أية رقابة عقلية، ثم أن يعيد قراءتها بروح نقدية صارمة، وأن يحتفظ بالأساسي ويتابع على هذا النحو. كأنه أراد أن يقرن بعربة الرواية حصاناً برياً يدعى النشوة إلى جانب حصان مروض يدعى «الإدراك»).
يحتقر الأدب الملتزم». (أمر جدير بالملاحظة: لا يجادل كثيراً ضد مؤلفين يُخضعون الأدب للنضال ضد الرأسمالية. مثال الفن الملتزم بالنسبة له كمؤلف محظور في بلده بولونيا الشيوعية هي الثقافة التي تسير تحت علم مناهضة الشيوعية. منذ العام الأول للمذكرات يلومونه ويأخذون عليه مانويته وتبسيطاته).
لا يحب طليعة عقدي الخمسينيات والستينيات في فرنسا، خصوصاً «الرواية الجديدة» و«النقد الجديد» (رولان بارت). (في رده على الرواية الجديدة: إنها فقيرة رتيبة... ذاتية (*) solipsisme. استمنائية ...) وفي رده على النقد الجديد»: «كلما ازداد علماً، ازداد حماقة. كان حانقاً من الورطة التي وَضَعَتْ فيها هذه الطلائع الجديدة الكتاب : إما الحداثة على طريقتهم (هذه الحداثة التي يجدها مشوهة جامعية عقائدية، محرومة من الاتصال بالواقع وإما الفن المألوف الذي ينتج إلى ما لا نهاية الأشكال ذاتها. والحالة هذه تعني الحداثة بالنسبة إلى غومبروفيتش: التقدم على طريق موروثة بواسطة اكتشافات جديدة. ما دام هذا لم يزل ممكناً، ما دام طريق الرواية الموروث لم يزل موجوداً).
** في رواية فرديدوركه لغومبروفيتش، يقرر البروفسور بامكو أن يُحوّل جوجو، الثلاثيني إلى مراهق في السادسة عشرة من عمره مرغماً إياه على قضاء جميع نهاراته على مقعد الثانوية، طالباً بين طلابها . تخفي الحالة الهزلية سؤالاً يجعلها أعمق: هل سينتهي راشد يخاطبه جميع الناس بانتظام على أنه مراهق إلى فقدان شعوره بعمره الحقيقي؟ وعلى نحو أعم : هل سيغدو الإنسان كما يراه الآخرون ويعاملونه، أم سيجد القوة للحفاظ على هويته رغم كل شيء وضد الجميع؟
كان لا بد لتأسيس رواية على نادرة أو مزحة أن يبدو لقراء غومبروفيتش كتحد من حداثوي. حقاً : كانت إحدى التحديات. مع ذلك كانت متجذرة في ماض بعيد جداً. وحين لم يكن فن الرواية واثقاً بعد من هويته أو اسمه أطلق علية فيلدينغ اسم : كتابة – نثرية - هزليه - ملحمية؛ ولم يزل ينبغي الاحتفاظ بهذا في الذهن: كان الهزل إحدى الجنيات الميثولوجية الثلاث المنحنية فوق مهد الرواية.
** حالات
الروايات الثلاث لفرانز كافكا هي ثلاثة تنويعات للحالة ذاتها : يدخل الإنسان في نزاع، لكن ليس مع إنسان آخر، بل مع عالم استحال إلى إدارة هائلة في الرواية الأولى (المكتوبة عام 1912) يُدعى الرجل كارل روسمان والعالم هو أميركا. في الثانية (1917) يدعى الرجل جوزيف ك والعالم هو محكمة عظيمة تتهمه. في الثالثة (1922)، يدعى الرجل ك والعالم هو قرية يشرف عليها قصر. وإذا كان كافكا أَعْرَضَ عن السيكيولوجيا حتى يُرَكِّز على امتحان الحالة، فهذا لا يعني أن شخصياته ليست مقنعة من وجهة نظر نفسية، بل يعني أن الإشكالية السيكولوجية انتقلت إلى المرتبة الثانية : فسواء أمضى ك طفولة حزينة أو سعيدة، وسواء كان مدلّل أمه أو تربى في ملجأ أيتام وسواء كان وراءه حب عظيم أو لم يكن، فهذا لن يغير شيئاً في مصيره أو في سلوكه. وبهذا القلب للإشكالية، وهذه الطريقة المختلفة في فحص الحياة الإنسانية، وهذا الأسلوب المختلف في تصور هوية الفرد، لا يتميز كافكا عن الأدب الماضي وحسب، بل عن معاصريه العظيمين بروست وجويس أيضاً .
** الروائي ليس خادماً للمؤرخين؛ وإذا كان التاريخ يسحره، فذلك لأنه مثل مصباح كشاف يدور حول الوجود الإنساني ويلقي ضياءه عليه، وعلى إمكاناته غير المتوقعة التي لا تتحقق وتظل غير مرئية ومجهولة في الفترات الراكدة، عندما يكون التاريخ ساكناً .
**
قارة أخرى
بعد ثلاثة أشهر من احتلال روسيا لتشيكوسلوفاكيا، ظلت عاجزة عن السيطرة على المجتمع التشيكي الذي كان يعيش في قلق، لكن البضعة أشهر أيضاً بكثير من الحرية؛ وظل اتحاد الكتاب المتهم بأنه بؤرة الثورة المضادة، يحتفظ بمقراته، وينشر مجلاته ويستقبل مدعويه آنذاك جاء إلى براغ بناء على دعوته، ثلاثة روائيين من أميركا اللاتينية هم خوليو كورتازار، غابرييل غارسيا ماركيز، کارلوس فيونيتس، جاؤوا بتحفّظ، باعتبارهم كتاباً. ليروا ويفهموا ويشجعوا زملاءهم التشيك. أمضيتُ معهم أسبوعاً لا ينسى. أصبحنا أصدقاء وبعد مغادرتهم فقط، نجحت، كاختبار، في قراءة الترجمة التشيكية لرواية مئة عام من العزلة.
فكرتُ في اللعنة التي ألقتها السريالية على فن الرواية، عندما وسمتها كمضادة للشعرية وكمنغلقة على كلّ ما تشكله المخيلة الحرة. بينما لم تكن رواية غارسيا ماركيز تنتمي إلا إلى المخيلة الحرة. إنها واحدة من أعظم النتاجات الأدبية الشعرية التي عرفتها . كل جملة فيها تلمع بالفنتازيا كلّ جملة تُفاجئ على نحو مدهش: إنها رد مؤلم على احتقار الرواية الذي أعلنه بيان السريالية (وفي الوقت ذاته، هي مديح فائق للسريالية لإلهامها ونسمتها التي اجتازت القرن).
إنها أيضاً دليل على أن الشاعرية والغنائية ليسا مفهومين أخوين، بل مفهومين لا بد من إبقاء أحدهما بعيداً عن الآخر. لأن شاعرية غارسيا ماركيز لا علاقة لها بالغنائية، فالمؤلف لا يعترف بخطاياه ولا يفتح روحه، ولا يستثيره إلا العالم الموضوعي الذي يشيده في كوكب كل شيء فيه حقيقي وغير مشابه للواقع وسحري في آن معاً .
وأيضاً هذا : كل رواية عظيمة في القرن التاسع عشر جعلت من المشهد العنصر الأساسي للتأليف رواية غارسيا ماركيز وجدت نفسها على طريق يمضي في الاتجاه المعاكس: ليس ثمة مشاهد في رواية مائة عام من العزلة إنها مُذابة تماماً في أمواج السرد السكرى. لا أعرف أي مثل آخر عن أسلوب كهذا. كأن الرواية عادت قروناً إلى الوراء نحو حكواتي لا يصف شيئاً، ولا يفتاً يحكي لكنه يحكي بحرية الفنتازيا التي لم تعرف من قبل قط .
**
ذات يوم اكتشفت روايات أرنستو ساباتو، يقول حرفياً في رواية الملاك المهلك (1974) الزاخرة بالأفكار كما في روايات روائيي فيينا العظيمين: في العالم الحديث الذي هجرته الفلسفة، والمجزأ إلى مئات التخصصات العلمية، تظل الرواية مرصداً أخيراً لنا يمكننا منه احتضان الحياة الإنسانية باعتبارها كلاً .
** الشاعر والروائي
بمن أقارن الروائي؟ بالشاعر الغنائي. يقول هيغل إنّ مضمون الشعر الغنائي هو الشاعر نفسه، فهو يستعير الكلام من عالمه الداخلي ليوقظ على هذا النحو لدى مستمعيه الأحاسيس والحالات النفسية التي يشعر بها. وحتى حين تتناول القصيدة ثيمات «موضوعية»، خارج حياته، «سيبتعد الشاعر الغنائي العظيم عنها بأقصى سرعة، وسينتهي به الأمر إلى رسم صورة لذاته (stellt sich selber dar) .
للموسيقى والشعر ميزة على الرسم: إنها الغنائية das) (Lyrische كما يقول هيغل ويستطرد في الغنائي�� يمكن للموسيقى أن تتقدم أبعد من الشعر لأنها قادرة على إدراك الانفعالات الأكثر سرية للعالم الداخلي العصيَّة على الكلام. يوجد إذاً فن، وهو في هذه الحالة الموسيقى، أكثر غنائية من الشعر الغنائي ذاته. يمكن أن نستنتج من ذلك أنّ مفهوم الغنائية لا ينحصر بفرع أدبي (الشعر الغنائي)، بل يشير إلى شكل محدد للوجود، وأن الشاعر الغنائي، من وجهة النظر هذه ليس إلا تجسيداً فائق المثالية للإنسان المفتون بروحه الخاصة وبالرغبة في سماعها .
منذ زمن طويل، الشباب بالنسبة لي هو العمر الغنائي، أي العمر الذي يكون فيه الفرد المتمحور بشكل حصري تقريباً على ذاته عاجزاً عن الرؤية والفهم والحكم بوضوح على العالم المحيط به. وإذا انطلقنا من هذه الفرضية التخطيطية حتماً، لكن التي بوصفها رسماً تخطيطياً تبدو لي صحيحة، يكون الانتقال من عدم النضج إلى النضج هو تجاوز الموقف الغنائي.
حين أتخيل مراحل تكَونِ روائي بشكل حكاية نموذجية، بشكل «أسطورة»، فإن هذا التَّكَوُّن يبدو لي مثل قصة هداية؛ صول (Sail) يغدو بول؛ ويولد الروائي على أنقاض عالمه الغنائي.
** الرواية هي علم الكيمياء القديم الذي يُحَوِّل امرأة إلى رجل ورجلاً إلى امرأة يُحَوِّل الطين إلى الذهب، والحكاية إلى دراما ! هذه الكيمياء الإلهية القديمة هي التي تصنع قوة أي روائي، وسرّ وألق فنه! ** قرار مارسل بروست
في رواية البحث عن الزمن المفقود، بروست واضح كل الوضوح: ليس ثمة واقعة واحدة متخيلة، ... ليس ثمة شخصية واحدة أُشِيْرَ لها برموز». ومهما ارتبطت رواية بروست بحياة مؤلّفها ، فإنها موجودة دون لبس في الجهة الأخرى من السيرة الذاتية؛ ليس فيها أية قصدية تُرْجُمية ؛ لم يكتبها ليتحدث عن حياته، بل كي ينير أمام عيون القراء حياتهم نفسها : «... كل قارىء، عندما يقرأ، يغدو قارئاً خاصاً لذاته وليس نِتَاجُ الكاتب سوى نوع من الآلة البصرية التي يقدمها للقارئ كي يُتيح له اكتشاف ما لم يكن بمقدوره ربما رؤيته في ذاته لولا هذا الكتاب التعرف على الذات من قبل القارئ عبر ما يقوله الكتاب هو دليل على صحة هذا . . . » . لا تُحَدِّدُ عبارات بروست معنى الرواية البروستية فحسب؛ بل تحدد معنى فن الرواية بلا زيادة.
**
العبوسيون (Les agélastes)
يستخدم شيترن كلمة العبوسيين (les agelastes)، وهي كلمة محدثة ابتكرها رابليه من اللغة اليونانية ليُعَرِّف أولئك الذين لا يعرفون الضحك. كان رابليه يكره العبوسيين الذين بسببهم على حد قوله كاد ألا يعود يكتب حرفاً». وحكاية يوريك هي تحية أخوية يوجهها شيترن إلى معلمه عبر قرنين من الزمان.
ثمة أناس يعجبني ذكاؤهم، وأحترم نزاهتهم لكنني أشعر معهم بالضيق : أراقب أحاديثي حتى لا يفهمونني خطأ وحتى لا أبدو كلبياً، وحتى لا أجرحهم بكلمة طائشة أكثر مما ينبغي. لا يعيشون بسلام مع الهزل. ولستُ ألومهم على ذلك، فعبوسيتهم مدفونة عميقاً فيهم ولا يسعهم شيء حيالها، لكن أنا أيضاً لا يسعني شيء حيالها ، لذلك أتجنبهم من بعيد دون أن أكرههم. فأنا لا أريد أن أنتهي كالقس يوريك.
**
- النزول إلى قاع المزحة المظلم
عندما روى فلوبير لتورغينيف مشروع رواية بوفار وبيكوتشيه، نصحه الأخير بإلحاح أن يعالجه باختصار شديد. رأي كامل من معلم لأنّ هذه الحكاية لا يمكن أن تحتفظ بفعاليتها الهزلية إلا بشكل قصة قصيرة ؛ سيجعلها الطول أو الإسهاب رتيبة ومملة، بل وسخيفة تماماً، لكن فلوبير يصرّ ؛ ويشرح لتورغينيف: «إذا عُولج [هذا الموضوع] باختصار، وعلى نحو موجز وخفيف، فإنه سيغدو تقريباً فنتازيا خفيفة الظلّ لكنها بلا أهمية وليست مشابهة للواقع، أما إذا رويتها بالتفصيل وعلى نحو موسع، فسأبدو مؤمناً بحكايتي، ويمكن كتابة موضوع جدي وحتى مرعب .
تأسست رواية المحاكمة لكافكا على رهان مشابه جداً. الفصل الأول ذاك الذي قرأه كافكا لأصدقائه وأضحكهم كثيراً) يمكن أن يُفهم (على نحو صائب من هذه الناحية كأقصوصة بسيطة مضحكة، كمزحة : يُفاجأ المدعو /ك/ ذات صباح وهو في سريره بسيدين أليفين للغاية يُخبرانه باعتقاله دون أي سبب، ويأكلان في هذه المناسبة فطوره ويتصرفان في غرفة نومه بغطرسة طبيعية إلى حد أن / ك وهو في منامته، يشعر بالخجل والرعونة ولا يدري ماذا يفعل . لو أن كافكا لم يتابع فيما بعد هذا الفصل بفصول أخرى أشدّ سواداً، لما اندهش أحد اليوم من أن أصدقاءه ضحكوا إلى هذا الحد، لكن كافكا لم يكن يريد أن يكتب (وهنا أستعيد عبارات فلوبير): «فنتازيا خفيفة الظلّ تقريباً»، كان يريد أن يعطي لهذا الموقف الفكاهي «أهمية قصوى، وأن يرويه بالتفصيل ويسهب فيه»، ويصر على مشابهته للواقع كي يستطيع أن يبدو بمظهر المُصَدِّقِ لهذه القصة ويصنع منها على هذا النحو شيئاً جدياً وحتى مرعباً. كان يريد النزول إلى القاع المظلم لمزحة.
**
ما هو الفن الحديث! تلك العاصفة المذهلة في الثلث الأول من القرن العشرين؟ إنه ثورة راديكالية ضد جمالية الماضي؛ وهذا بديهي بالتأكيد ما عدا أن الماضي لم يكن متشابهاً. ضد العقلانية وضد الكلاسيكية وضد الواقعية وضد الطبيعة كان الفن الحديث في فرنسا يطيل العصيان الغنائي العظيم لبودلير ورامبو. وقد وجد تعبيره المميز في الرسم، وقبل كل شيء في الشعر الذي كان فنه المختار . أما الرواية فكانت على العكس ملعونة (خصوصاً من قبل السرياليين)، وأنه جرى تجاوزها وأنها مُحْتَجَزَة أخيراً في شكلها الاصطلاحي. بينما في أوروبا الوسطى، كانت الحالة مختلفة؛ إذ قاد الاعتراض على التقليد الانخطافي الرومانتيكي، العاطفي، الموسيقي، الحداثة عند بعض العباقرة الأكثر أصالة، نحو الفن الذي هو الفضاء المفضل للتحليل والصفاء والتهكم : الرواية.
**
هل كان كافكا وموزيل وبروخ وغومبروفيتش... إلخ يشكلون مجموعة أو مدرسة أو حركة؟ لا ؛ كانوا منعزلين سميتهم عدة مرات كوكبة الروائيين العظام في أوروبا الوسطى» وفي الحقيقة، باعتبارهم نجوم كوكبة، كان كلّ واحد منهم محاطاً بالفراغ، وكل واحد بعيد عن الآخرين بدا لي جديراً بالملاحظة كلما عبر نتاجهم عن توجه جمالي متشابه : كانوا جميعاً شعراء الرواية، أي: مشغوفون بالشكل وحداثته؛ مهتمون بِجِدَّةِ كلّ كلمة وكل جملة؛ مفتونون بالمخيلة التي تسعى لتجاوز حدود الواقعية» ؛ لكنهم منغلقون في الوقت نفسه على كل إغراء غنائي: معادون لتحول الرواية إلى دين شخصي؛ مفرطو الحساسية لأي تزيين للنثر ؛ مركزون تماماً على العالم الواقعي.
أدركوا جميعاً الرواية كشعر عظيم مناوئ للغنائية.
**
عندما سينتهي تاريخ الرواية ذات يوم ما المصير الذي ينتظر الروايات العظيمة التي ستبقى بعده؟ بعضها لا يمكن أن تروى، وإذاً لا يمكن أن تتكيف مثل رواية بانتا غرويل رواية تريسترام شانداي مثل جاك القدري مثل عوليس ربما ستستمر في الحياة أو ستختفي كما هي. بعضها الآخر يبدو قابلاً لأن يروى بفضل «القصص المتضمنة فيها (مثل آنا كارنينا، مثل الأبله مثل المحاكمة) وإذاً، قابلة للتكيف مع السينما والتلفزيون والمسرح والقصص المصورة، لكن هذه الاستمرارية هي وهم لأنه كي نصنع من رواية مسرحية أو فيلماً، لا بد في البداية من تفكيك تركيبها ؛ واختزالها إلى قصتها البسيطة ؛ والتخلي عن شكلها، لكن ماذا يبقى من عمل فني إذا حرموه من شكله؟ يعتقدون أنهم يطيلون حياة رواية عظيمة بتكييفها، ولا يفتؤون يبنون ضريحاً يوجد على رخامه فقط نقش صغير يذكرون عليه اسم من لم يعد موجوداً فيه .
** للأسف، زمن المعجزات قصير ومن يحلّق، سيهبط يوماً. يعتريني القلق وأنا أتخيل يوم سيكفّ الفن عن السعي إلى قول المطلق وسيضع نفسه ثانية صاغراً، في خدمة الحياة الجماعية التي ستتطلب منه أن ينتج جمالية التكرار ويساعد الفرد على الاندماج، بسلام وفرح، في نسق الوجود.
لأن تاريخ الفن زائل. أما ثرثرته فأبدية. ( كتاب الستارة )
" إن اكتشاف ما لا يتسنى اكتشافه سوى للرواية هو العلة الوحيدة لوجود الرواية "
كتاب " فن الرواية " ، يقول باختصار أننا أيضا - من ندافع عن الرواية ضد الطرح السطحي الذي يظهرها كشيء من المتعة التي لا تعود بفائدة تذكر - ، لا نعرف الكثير بعد عن أبعاد الرواية وعمقها وتاريخها وارتباطها بالأحداث المفصلية التي عرفها الإنسان ومواكبتها له في تغيراته المجتمعية . بغض النظر عن حوارات ميلان كونديرا المليئة بتحليل عناوين أغلبها مجهول بالنسبة لي ، فإن للكتاب قِيمة بالغة ومهمة .
فى كتاب (ثلاثية حول الرواية) وهو عبارة عن 3 كتب مقالية لسيد العباقرة ميلان كونديرا ، يُعتبر أسس فن جديد للمقال ، المقال عنده -زى المزيكا - لازم يتكون من أكتر من خط ، وده شىء ضرورى فيه.. أكتر ضرورية من مضامين المقال نفسه . الخطوط الكتير شرط عشان يحقق صيغة ( يصل لما لم يقُلْه) و هى الصيغة المحببة لهيدجر لما مثلا يحلل أفلاطون . المهم ، إن الخطوط المتنوعة لما تتلاقى ، فيه فكرة بتخرج بقوة الحدس ..فكرة متقالتش أساسا ، بعدها ممكن نلاقى إن الخطوط فى ذاتها - كخطوط مستقلة - مجرد cover ، سلّمة ده بيتحقق فى مقال كونديرا رغم قصره فى أغلب الأحيان : بيتكلم فى موضوع فى فقرة من 15 سطر مثلا . بعدها فقرة قدها فى الحجم فى موضوع تانى خالص . بعدها بيبدأ (الاستعباط) : بيستطرد فى فكرة أحد الموضوعين ، و فى النص ،أو فى خاتمة ذروية للفقرة بينوّع بمتلازمة اتقالت فى فقرة الموضوع التانى . فى النهاية ، الإيقاعية و الموسيقية اللى فى مقاله المرسوم بتُحيل دايما لحجات هو مقالهاش . ميلان كونديرا لغز ، كهف ، عبقرى لدرجة لا يمكن تخيُّلها ، غامض و أ ُلعُبان رغم إنه ظاهريا يبان كأنه عقلانى رصين وواضح . و يبان متحفظ بينفر من الانفعالات و الهوس لكن اللى يركز فى كتابات كونديرا عن سترافنسكى اللى اُتّهَم دايما إنه بارد و إنه عامل المزيكا كأنها رياضة ، هيحس - بصورة حدسية لا دليل عليها ، بنفس نوعية الإحساس اللى بيخلينا نحدس إن تشايكوفسكى مخنث من موسيقاه العالية العنيفة ، و إن سترافنسكى بركان من الحنين من موسيقاه التجريدية الصماء - هيحس إن كونديرا حافظ على كل تُقل عواطفه - اللى فى الغالب متهتكة و متطرفة - بقناع من التقل العقلانى ..قناع من البرود ، ده لأنه كان (مهووس) بإنه يصل لعواطفه دون أن يقُلها .. دون أن يمسَّها مقالات كونديرا هى شىء مثالى ، عبقرى . ولو وصفتها بالعبقرية مليون مرة مش هقدر أوصف درجة إحساسى بيها ، من اعمق الحجات اللى حستها فى حياتى و اللى ربما أكون بحاول أقلدها
عليك أن تكون ملمّاً بكثير من الروايات الأجنبية حتى تفهم تحليل الكتاب للروايات و لأسلوب كتابها .. كتاب لطيف .. أظن أنه دراسة عميقة أكثر من كونه كتاباً عابراً
انتهيت من قراءة كتاب فن الرواية للكاتب ميلان كونديرا وفي نفس الوقت لم أنتهي لايمكن أن تعلن نهايتك من هذا الكتاب وكأنك انتصرت في معركتك المعرفية غارسا رايتك عند آخر صفحة على القارئ أن يعلم بأن لاحصيلة نهائية سوف تحصرها بعد قراءة يصعب حصي الفائدة المرجوة منها، كم كبير من المعلومات وكم كبير من المعرفة وعدد لانهائي من الأبواب التي يطرقها هذا الكتاب. مرورا بالتاريخ العريق للقارة العجوز يستنطق كونديرا الفلاسفة ويقارن بهم الروائيين ينسج من التاريخ مشجرة لتشكل للعقل بوصلة يتبعها المهتم لكي لايضيع ولايحيد عن الهدف المرجو من الرواية . الرواية المفهوم الذي في باطننا المتشكل من لحظة صدفة أو من معرفة ممزوجة بوهم الحقيقة لابد أن يطلع على ميلان كونديرا ليفهم هذا الفن العظيم الذي أبدعت أوروبا عبر كتابها في رسم خطوطه الأولى وسارت عبر تاريخها العظيم لتطور فيه وتقدمه للعالم عبر مفاهيم يبدع ميلان كونديرا من خلال تعمقه المادي والمعنوي في قارته متراكمة التجارب ليبرز لنا ويسحبنا نحو عالمه عالم الرواية. على كل من ينطق بحبه للرواية أن يوقف قراءاته ويضع فن الرواية على طاولته ويبدأ في نفض أفكاره وملاقحتها بأفكار ميلان كونديرا خمس نجوم وأكثر
هذه الدراسة مكتوبة بشكل رواية: على مدى تسعة أجزاء مستقلة، تتقدم الشخصيات ذاتها وتتلاقى: سترافينسكي وكافكا مع صديقهم المدهشين أنسيرميه وبرود، همنغواي مع كاتب سيرته، ياناسبك مع أمته الصغيرة، رابليه مع ورثته الروائيين العظام. فن الرواية هو البطل الرئيس في الكتاب: روح الفكاهة التي ولدت منها، علاقتها الخفية بالموسيقا، تاريخها الذي يجري (كتاريخ الموسيقا) في ثلاث أزمنة، جمالية زمنها الثالث (الرواية الحديثة)، حكمتها الوجودية. وعلى ضوء /حكمة الرواية/ يبحث الكتاب الحالات الهامة في عصرنا: الدعاوى الأخلاقية التي أقيمت ضد فن هذا القرن من سيلين إلى ماياكوفسكي، الزمن الذي يمضي ويشكك بتماثل /الأنا/ الراهنة مع هذه /الأنا/ ذاتها التي كانت بالأمس الذكر بوصفها شكلاً للنسيان، الحياء بوصفه مفهوماً جوهرياً لعصر مؤسس على الفرد، عدم التحفظ الذي ينبئ بزوال الفردانية بعد أن أصبح عادة وقاعدة، القوى الغامضة لإرادة الموت، الوصايا، الوصايا المغدورة... ولد ميلان كونديرا في تشيكوسلوفاكيا، استقر في فرنسا عام 1975 ويعد من أشهر الروائيين في هذا الفن، وكتب هذا الكتاب باللغة الفرنسية. الكتاب مكنشور عام 2015
لم أقرأ سوى فن الرواية لكنه كان ملهما بشكل رائع ...عجيب أن يبدو لي كونديرا في حكاياتهعن رواياته وروايات الآخرين أكثر إبداعا منه في رواياته ...أعجبني بشكل خاص حديثه عن كافكا فقد كنت أبحث عن مثل هذا التوضيح ولقد شرعت فورا في قراءةرواية القصر لكافكا :-) وهو ما يثبت تأثير كونديرا الخارق :-)