ديوان أبي ماضي يتألق بدراسة وتقديم إلى جانب قصائده. الدراسة للشاعر زهير ميرزا الذي كلف بإيليا أبي ماضي وأحبه، وسار في طريق صوره ومعانيه، وساقه هذا الحب إلى أن يعني بديوانه، وأن يقدم بين ذلك بدراسة واسعة تقارب التسعين من الصفحات، نشرت سنة 1954، وهي أوسع ما صدر عن أبي ماضي حتى ذلك الحين. وبهذه الدراسة وهذا الديوان طاف أبو ماضي على أقرانه وعشاقه بكأس قديمة جديدة. أضيفت إلى كأسه في الجداول أو الخمائل، ويستطيع القارئ أن يستمتع بهذه الدراسة وبهذا الشعر، وأن يجد عندهما ما يروي غليله، ويشفي ما يصدره من شوق إلى هذا الشعر المجنح والكلام العميق والصورة والبعيدة التي كان يرسلها الشاعر أبو ماضي. هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية فإن ما يميز هذا الديوان ذاك التقديم الذي خص به جبران خليل جبران ديوان أبو ماضي الأول "تذكار الماضي" والذي تمت إضافته في هذه الطبعة وهو ينشر لأول مرة والديوان هذا يمثل شباب الشاعر وخطاه الأولى ويصور نشأته، ومدرسته، وتأثره بشعر من قبله. فقد حاول المختصون أن يفهموا هذا، ولكنهم عادوا خائبين، فلم يقعوا على تذكار الماضي. إلى جانب ذلك زاد من أهمية هذا الديوان التصدير الذي كان بقلم الدكتور سامي الرهان. وبعد فإيليا أبي ماضي في ديوانه هذا سلالم بين المنظور وغير المنظور، وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها وكؤوس مملوءة بتلك الخمرة التي أن لم تشفها تظل ظمآناً
ولد إيليا ضاهر أبي ماضي في المحيدثة في المتن الشمالي في جبل لبنان ( جزء من سوريا الكبرى) عام 1889م وهاجر إلى مصر سنة 1900م وسكن الإسكندرية وأولع بالأدب والشعر حفظاً ومطالعة ونظماً. أجبره الفقر أن يترك دراسته بعيد الابتدائية، فغادر لبنان إلى مصر ليعمل في تجارة التبغ وكانت مصر مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين من قمع الأتراك نشر قصائد له في مجلات لبنانية صادرة في مصر أهمها "العلم" و"الاكسبرس" وهناك تعرف إلى الأديب أمين تقي الدين الذي تبنى المبدع الصغير ونشر أولى اعمال إيليا في مجلته "الزهور".
في مصر أصدر أبو ماضي أول دواوينه الشعرية عام 1911م بعنوان "تذكار الماضي" وكان يبلغ من العمر 22 عاماً شعره السياسي والوطني جعله عرضةً لمضايقات السلطة الرسمية فهاجر عام 1912م إلى أمريكا الشمالية وصل أولاً إلى مدينة سينسيناتي وهناك عمل مع أخيه مراد في التجارة وتنقل بعدها في الولايات المتحدة إلى ان استقر في مدينة نيويورك عام 1916م وهناك عمل نائباً لتحرير جريدة مرآة الغرب وتزوج من ابنة مالكها السيدة دورا نجيب دياب وأنجبت له اربعة أولاد.
تعرف إلى عظماء القلم في المهجر فأسس مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الرابطة القلمية التي كانت أبرز مقومات الأدب العربي الحديث وتعتبر هذه الرابطة أهم العوامل التي ساعدت أبي ماضي على نشر فلسفته الشعرية. في 15 أبريل 1919م قام إيليا أبو ماضي بإصدار أهم مجلة عربية في المهجر وهي"مجلة السمير" التي تبنت الأقلام المغتربة وقدمت الشعر الحديث على صفحاتها واشترك في إصدارها معظم شعراء المهجر لا سيما أدباء المهجر الأمريكي الشمالي وقام بتحويلها عام 1936م إلى جريدة يومية امتازت بنبضها العروبي. لم تتوقف "السمير" عن الصدور حتى وفاته بنوبة قلبية أسكتت قلبه المرهف بالشعر في 13 نوفمبر 1957.
أهم الأعمال تفرغ إيليا أبو ماضي للأدب والصحافة وأصدر عدة دواوين رسمت اتجاهه الفلسفي والفكري أهمها "تذكار الماضي" (الاسكندرية 1911): تناول موضوعات مختلفة أبرزها الظلم عرض فيها بالشعر الظلم الذي يمارسه الحاكم على المحكوم مهاجماً الطغيان العثماني ضد بلاده. "إيليا أبو ماضي" (نيويورك 1918): كتب مقدمته جبران خليل جبران جمع فيه إيليا الحب والتأمل والفلسفة وموضوعات اجتماعية وقضايا وطنية كل ذلك في إطار رومانسي حالم أحياناً وثائر عنيف أحياناً أخرى يكرر شاعرنا فيه تغنيه بجمال الطبيعة. "الجداول" (نيويورك 1927): كتب مقدمته ميخائيل نعيمة. "الخمائل" (نيويورك 1940): من أكثر دواوين أبي ماضي شهرةً ونجاحاً فيه اكتمال نضوج ايليا أدبياً.
لو أنه ما نظَم سوى الطلاسم لكفته، فكيف وقد نظَم المئات ! هو شاعر الجمال الذي يرى في كل ما حوله ❤️
أحسن وإن لم تُجزَ حتى بالثنا أيّ الجزاء الغيثُ يَبغي إن هَمى ؟ مَن ذا يكافئ وردةً فواحةً ؟ أو من يُثيب البلبل المُترنّما ؟ عُدّ الكرام المحسنين وقِسهمُ بهما تجدْ هذين منهم أكرما من قصيدة كن بلسمًا
قال: البشاشةُ ليس تُسعد كائنًا يأتي إلى الدنيا ويذهب مُرغما قلت: ابتسم ما دام بينك والردى شِبر، فإنك بعدُ لن تتبسّما من قصيدة ابتسم
احبك حب النازح الفرد أهله .. فهل منك حب الاهل من يتغرب , وهبتك قلبي واستعضت به الأسى .. وهبتك شيئاً في الورى ليس يوهب , فإن يك وصلٌ فهو ما أتطلبُ .. وان يك بعدٌ فالمنية أقرب اشقا البرية نفساً صاحب الهمم .. واتعس الخلق حظاً صاحب القلم , عاف الزمان بني الدنيا وقيده .. والطير يحبس منها جيد النغم , وحكمت يده الاقلام في دمه .. فلم تصنه ولم يعدل الى حكم , فيا له عاشقاً طاب الحمام له .. ان المحب لمجنون فلا تلم , لكل ذي همة في دهره املٌ .. وكل ذي امل في الدهر ذو ألم الا ان شعباً لا تعزُ نساؤه .. وان طار فوق الفرقدين ذليل , وكل نهار لا يكن شموسه .. فذلك ليل حالك طويل , وكل سرور غيرهن كآبة .. وكل نشاط غيرهن خمول ان الحوادث في تتابعها .. ابدلنني من ضلتي رشدا , ما خانني فكري ولا قلمي .. لكن رأيت الشعر قد كسدا, كان الشباب وكان لي امل .. كالبحر عمقاً كالزمان مدى , وصحابة مثل الرياض شذى .. وصواحب كورودها عددا , لكنني لما مددت يدي .. وادرت طرفي لم اجد أحدا ان النساء ان امرضن نفس فتى .. فليس غير تدانيهن يشفيها , فاحذر من الحب ان الريح ما خفيت .. لولا غرام عظيم مختف فيها , يمضي الصفاء ويبقى بعده اثرٌ .. في النفس يؤلمها طورا ويشجيها , مرت ليال بنا ما كان اجملها .. تمت في شانها الا تلاشيها ان كان ذنبي دفاعي عن حقوقكم .. فلست ادري وربي كيف اعتذر , اعيذكم ان يقول الناس قد مدحوا .. فما اثابوا على قول ولا شكروا انت للأرض اولا وأخيراً .. كنت ملكاً او كنت عبداً ذليلاً , لا خلود تحت السماء لحي .. فلماذا تراود المستحيلا , كل نجم الى الافول ولكن .. آفة النجم ان يخاف الأفولا أشفق علي ولا تنس وعودك لي .. فإن بي لو بالصخر لانفطرا , اطالتِ العتب ترجوا ان يرق لها .. فؤاده فأطال الصمت مختصرا , واحرجته لان الهم احرجها .. وكلما احرجته راغ معتذرا , وضاق ذرعاً بما يخفي فقال لها .. الى مَ ألزم فيك العي والحصرا ,أهواك صاحبة .. اما اقترانك بي .. فليس يخطر في بالي ولا خطرا ! جاءني بالماء أروي ظمأي .. صاحبٌ لي من صحابي الأوفياء , يا صديقي جنب الماء فمي ... عطش الارواح لا يروى بماء , انا لا اشتاق كاسات الطلالا .. ولا اطلب مجداً او ثراء , انما شوقي الى دنيا رضى .. والى عصر سلام واخاء , لا تعدني بالسماء يا صاحبي .. ألسما عندي قرب الاصدقاء , وأراني الآن في أكنافهم .. فأنا الآن كأني في السماء جار القضاء علي في احكامه .. ما حيلة الانسان ان جار القضا , فإبك معي فلربما نفع البكا .. ان الليالي لا تدوم على الصفا شكراً لاعدائي فلولا عيثهم .. لم أدر انهمو من الغوغاء , نهش الأسى لما ضحكت قلوبهم .. عرس المحبة مأتم البغضاء , ذنبي الى الحساد أني فتهم .. وتركتهم يتعثرون ورائي , وخطيئتي الكبرى إليهم انهم .. قعدوا ولم اقعد على الغبراء , عفو المروءة والرجولة انني .. اخطأت حين حسبتهم نظرائي شوق يروح مع الزمان ويغتدي .. والشوق ان جددته يتجدد , دع عنك نصحي بالتبلد ساعة .. ياصاح قد ذهب الاسى بتلبدي, مازاد في اسف الحزين وشجوه .. شيء كقولك للحزين تجلدِ , مازلت اعصيه الى ان هاجني .. ذكر الحمى فعصيت كل مفند عجباً لقومي والعدو ببابهم .. كيف استطاعوا اللهو الألعابا , وتخاذلت اسيافهم عن سحقه .. في حين كان النصر منهم قابا , تركوا الحسام الى الكلام تعللاً .. يا سيف ليتك ما وجدت قرابا , دنياك .. يا وطن العروبة غابةٌ .. حشدت عليك ارقماً وذئابا , فالبس لها ماء الحديد مطارفاً .. واجعل لسانك مخلباً او نابا , لا شرع في الغابات الا شرعها .. فدع الكلام شكاية وعتابا , هذي هي الدنيا التي احببتها .. وسقيت لغيرك حبها أكوابا عجبت من الضاحك اللاعب .. واهلوه بين القنا والسيوف , يبيتون في وجل ناصب .. فإن نصبوا ألجئوا للكهوف , وممن يصفق للضارب .. واحبابه يجرعون الحتوف فقلت اني محب لكل ما .. تحبين ان السم منك هو الشهد , فقال امن اجلي تحن الى الردى .. دع الهزل ان المرء حيلته الجد , فقلت لها لو كنت في الخلد راتعاً .. ولست معي والله ما سرني الخلد , فان لم يكن مهدٌ اليك يضمني .. فيا حبذا يا هندُ لو ضمنا لحد , فقالت لعمر الحق انك صادقٌ .. فدمت على ود ودام لك الود , فلو لم اكن من قبل اعشق حسنها .. لهمت بها والله حسبي من بعدُ قال : الليالي جرعتني علقما .. قلت ابتسم ولئن جرعت العلقما , فلعل غيرك ان رآك مرنما .. طرح الكآبة جانباً وترنما , اتراك تنغم بالتبرم درهما .. ام انت تخسر بالبشاشة مغنماً قالت : الشك آفة الحب فانبذه تسعد , ليس حبيبك للصبا لست فيه بأوحد , بل لما فيك من صفات ومن طيب متحد قل للألي يشكون دهرهم .. لا بد من حلو ومن مر , صبراً اذا جللٌ اصابكم .. فالعسر آخره الى اليسر قل للذي احصى السنين مفاخراً .. يا صاح ليس السر في السنوات , لكنه في المرء كيف يعيشها .. في يقظة ام في عميق سبات كان الزمان كنت تستأنسين .. بكل وهم خادع كالسراب , حتى اذا اسفر وجه اليقين .. رايته كالوهم شيئاً كذاب , دنيا الورى ليل وصبح مبين .. وليس في دنياك الا الضباب , ما لا حت الاشجار للناظرين .. الا رأيت شبح الفاس , ولا سمعت الكاس ذات الرنين .. الا سمعت حطمة الكاس كل نجمٍ لا اهتداء به .. لا ابالي لاح او غربا , كل نهر لا ارتواء به .. لا ابالي سال او نضبا , ماغدٌ يا من يصوره .. لي شيئاً رائعاً عجبا , ما له عين ولا اثر .. هو كالامس الذي ذهبا لا احب الانسان يرضخ للوهم .. ويرضى بتافهات الاماني , ان حيا يهاب ان يلمس النور .. كميت في ظلمة الاكفان , وحياة امد فيها التوقي .. لا توازي في المجد بضع ثوان , الشجاع الشجاع من امسى .. يغني والدمع في الاجفان لا تقل لي هكذا الله قضى .. أنت لا تعرف أسرار القضاء لعمرك ما حزني لمال فقدته .. ولا خان عهدي في الحياة حبيب , ولكني ابكي واندب .. زهرة جناها ولوع بالزهور لعوب , رآها يحل الفجر عقد جفونها .. ويلقي عليها تبربه فيذوب , وينفض عن اعطافها النور لؤلؤاً ... من الطل ما ضمت عليه جيوب , فعالجها حتى استوت في يمينه .. وعاد الى مغناه وهو طروب , وشاء فأمست في الاناء سجينة .. لتشبع منها اعين وقلوب , ثوت بين جدران كقلب مضيمها ... تلمس فيها منفداً فتخيب , فليست تحيي الشمس عند شروقها .. وليست تحيي الشمس حين تغيب , أنت عصبت عيناه فالوقت كله .. لديه وان لاح الصباح غروب لو كان لي غير قلبي عند مرآك .. لما اضاف الى بلواه بلواك , فيم ارتجاجك هل في الجو زلزلة .. ام انت هاربة من وجه فتاك , وكم تدورين حول البيت حائرة .. بنت الر��ى ليس مأوى الناس مأواك ما قيمة الانسان معتقداً .. ان لم يقل للناس ما اعتقدا , والجيش تحت البند محتشداً .. ان لم يكن للحرب محتشدا مرت الاعوام تتلو بعضها .. للورى ضحكي ولي وحدي اكتئابي , كلما استولدت نفس�� أملاً .. مدت الدنيا له كفِ اغتصاب , افلتت مني حلاوات الرؤى .. عندما افلت من كفي شبابي , بت لا الإلهام بابٌ مشرعٌ .. لي ولا الاحلام تمشي في ركابي هيهات ما يغني الملاح الحسن إن .. كانت خلائقهن لا تستعذب وإن تسكر لكي تنسى هموماً ذات أوقار , خسرت الدين والدنيا ولم تربح سوى العار وقائلةٍ ماذا لقيت من الحب .. فقلت الردى والخوف في البعد و القرب , فقالت عهدت الحب يكسب ربه .. شمائل غراً لا تنال بلا حب , فقلت لها قد كان حباً فزاده .. نفور المهى راء فأمسيت في حرب , وقد كان لي قلب وكنت بلا هوى ... فلما عرفت الحب صرت بلا قلب ولقد ذكرت بعد يأس قاتل .. في صحوة كثرت بها الانواء , فوددت أني غرسة أو زهرة .. وودت أنك عاصف أو ماء يا سائلي عن امس كيف انقضى .. دعه وسلني يا أخي عن غد , اروح للنفس وأهنا لها .. ان تحسب الماضي لم يولد يا صاح إن الكبر خلقٌ سيءٌ .. هيهات يوجد في سوى الجهلاء , والعجب داءٌ لا ينال دواؤه .. حتى ينال الخلد في الدنياء , فاخفض جناحك للأنام تفز بهم .. ان التواضع شيمة الحكماء , لو اعجب القمر المنير نفسه .. لرأيته يهوي الى الغبراء
أحمل لديوان إيليا أبو ماضي الكثير من الحب، اعتدت في أيام دراستي في الثانوية أن أقرأه أثناء سماعي ل "سنرجع يوما إلى حيّنا" كل يوم فور عودتي من المدرسة حتى أتممته تقريبا، كنت أنتظر الخروج من المدرسة بفارغ الصبر لأحمل كتبي وحقيبتي وأنطلق مسرعة لأقضي يومي بين قصائده، قد يكون تقييمي متحيزا، لكن إيليا أبو ماضي كان شاعر التفاؤل حقاً ومن غير تحيّز، امتلأت أشعاره بالفأل والجوانب الجميلة من كل شيء، وكأنها كتبت لتشعرك بالبهجه.