وهو عبد الله ابن المعتز بالله الخليفة العباسي وكنيته أبو العباس، ولد عام (247 هـ، 861م)، في بغداد، وكان أديبا وشاعرا ويسمى خليفة يوم وليلة، حيث آلت الخلافة العباسية إليه، ولقب بالمرتضي بالله، ولم يلبث يوما واحدا حتى هجم عليه غلمان المقتدر وقتلوه في عام (296 هـ،909م)، وأخذ الخلافة من بعده المقتدر بالله. رثاه الكثير من شعراء العرب.
كتاب جليل جدا ومهم لكل مهتم بالأدب لعدة أسباب أولا ابنا المعتز من بيت الخلافة ويؤرخ لتاريخ قريب له نسبيا ١٠٠ عام تقريبا، و كذلك ابن المعتز شاعر عظيم ورأيه النقدي مهم، وأجمل ما في الكتاب و بوجهة نظري إغفاله ذكر القصائد السائرة و الناس والمعروفة وبحثها عن كل نادر
كتاب (طبقات الشعراء) كتابُ تراجم وأخبار، روى فيه أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز ما ندر وملح وراق من أخبار الشعراء العباسيين وشعرهم، حاد ابن المعتز عن المشهور إلى ما لم يبلغ عامة الناس، فكان الكتاب بذلك متفردًا مستعليًا على غيره، فتجده يأتي لترجمة شاعر مغمور فيسهب فيها ويستخرج كنوزه، ثم يأتي لشاعر مشهور فيقتصر على خبر وإشارة لقصيدة أو ثنتين، وبذلك جاء الكتب قليلَ عدد الصفحات، كثير الفوائد، وأجلّ ما تقرأه فيه نوادر ألفاظ النقد من قول ابن المعتز ومن نقله. ٦ أكتوبر ٢٠٢٠
رأيت عائشة العثمانية على جمل أحمر نجيب تقاتل في بعض حروب الطالبيين أشد.ّ حرب ، وتحمل على الكتائب فتفرق جمعها ، وكانت من ساكني مكة ، وكانت تتشيع ، وكانت من أشعر الناس ، وأكثرهم بيانًا ، وافصحهم لهجة ولسانًا، وكانت من أشجع الناس ، وخرجت في غير جيش وحاربت في مواطن كثيرة ، وقتلت بشرا كثيرا ، ولها في كل وقعة شعر ، فمما يستحسن من شعرها قولها :
أرقت لبرق بدا ضوءُهُ ... بمكة يبدو ويخفى مِرارا فبتُ أململُ في مضجعي ... وأبكي جِهاراً وأبكي سِرارا لأمّ القرى خرِبت بالحريق ... ومات بها الناس سيفاً ونارا إلى الله أشكو مقام العدا ... بمكة قد حاصروها حصارا وأسرى تقطع أيديهمُ... فماتوا صفوفاً وماتوا حذارا فمن صابر نفسه في البلاء ... ومن خائفٍ فر منها فطارا ومن حاملٍ نفسه في السفين . يجوب الدجى ويخوض البحارا فيا قرية كنت مأوى الضعيف ... إذا لم يجد في سواها قرارا ومأوى الغريب ومأوى القريب .. وآمنة ليلها والنهارا سأبكي قريشاً لما نالها ... وبدلها الخوف داراً فدارا وأضحوا عبابيدَ قد شُردوا ... وحلو الجبال وحلو القِفارا بجيران بيتك حل النكال ... وقد عزَّ من كان لله جارا
ترجم الخليفة العبّاسي عبدالله بن المعتز، وترتيبه العشرون في الخلافة العباسية، في كتابه هذا لمن عاصرهم أو سمع عنهم من شعراء العصر العبّاسي. وجعل شرطه الاختصار في ذكر الشعراء المعروفين عند الناس والإسهاب في ذكر أشعار المغمورين المجاهيل.
الكتاب في جملته رفيع المستوى ذو لغة راقية، واختيارات عبدالله بن المعتز الشعرية باهرة تنم عن ذائقة رفيعة ونفس نبيلة. في مطلع كتابه يحكي كيف خطرت عليه فكرة جمع الكتاب فيقول:
«عَقَد الفِكرُ طرفيَ ليلةً بالنجوم، لِواردٍ ورَدَ علي من الهموم، نفض عن عينيَّ كُحل الرقاد، وألبس مُقلتي حُلل السُهاد، فتأمّلت فخطر على الخاطر في بعض الأفكار أن أذكر في نسخة ما وضعته الشعراء من الأشعار في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس»
ومما أثار انتباهي في الكتاب هو وصف ابن المعتز للأمين بـ «المخلوع» كلّما جاء ذكره رغم أن بينهما أزيد من 70 سنة، ثم دارت الأيام ولمّا تولى ابن المعتز الخلافة في النهار خلعه الغلمان الأتراك وقتلوه في ليلتها فكان خليفة اليوم والليلة الوحيد رحمه الله.
كتاب مُختصر أشد الاختصار وأظنه أنا أصلا مفقوداً فالذي بين أيدينا هو مختصارات ، فمن غير المعقول أن يترجم أبن المعتز لشاعر مثل أبو تمام الطائي في ثلاث صفحات ، هذا بالإضافة إلى صنيع المحقق فلم يعجبني تحقيقه خصوصاً أنه طمس نقاط حروف كلمتين في صفحة 331 رغم أنه جعل 30% من الكتاب للفهارس