What do you think?
Rate this book


284 pages, Paperback
First published January 1, 1960
يا أيها القراء! إني ما جئت أصبُّ في أعصابكم قوة ليست فيها، ولكن جئت أثير القوة التي نامت في أعصابكم.
وما جئت لأجعلكم خيراً مما أنتم عليه، ولكن جئت لأفهمكم أنكم خير مما أنتم عليه، جئت أضْرم جمرة الحماسة التي غطَّاها في نفوسکم رَمادُ الكسل. فأعينوني على نفوسكم باستعادة الثقة بها، وبسلائق العروبة التي ورثتها، وبعزَّة الإسلام التي كانت لها، واعلموا أنكم إن فقدتم عزتكم، وأضعتم سلائقکم، لم تكونوا جديرين بمحمد ﷺ، ولم يكن لكم الحق في الاحتفال بمولد محمد ﷺ!
العجب أن يظفر اليهود الذين ضربت عليهم الذلَّة والمسكنة، لا أن يظفر أبناء من فتحوا الشرق والغرب، وكانوا سادة الدنيا وأساتيذها، على أننا ما غلبنا نحن في الحربين: ٤۸ و ٦٩، ولا اليهود ظفروا، إنما غلبت فينا خلائق اليهود التي دخلت علينا في غفلة منا، خلائق الانقسام والتردد، وفقد الكتمان، وارتجال الخطط، والإصغاء لمشورة الأعداء.
ونحن ما غُلبنا في فلسطين، هذه حقيقة أكررها وأعيدها دائماً، ما غلبنا، أتدرون لماذا؟ لأننا ما حاربنا، ما تركونا نحارب . . .
خسأتم یا حلفاء الشيطان.. والله ما فلسطين بالشاة ولكنها القنفذ، على ظهرها الشوك، إنها السكين المشحوذة ذات الأربع شُعَب، إنها زجاجة السمِّ الناقع، فَلْيتقدَّم لابتلاعها من شاء أن ينتحر.
ولن تدوم للصهيونيين دولة في فلسطين، ما دام المسلمون في الأرض والله في السماء.
أو ليس من العجيب أنك تدخل في القاهرة السينما التي تعرض الفيلم الإفرنجي فترى له فكرة وموضوعاً وهدفاً، وربما رأيت فيها الفيلم العلمي أو التاريخي الذي يمرّ كلّه فلا تسمع فيه كلمة غرام، ولا ترى فيه قبلة. وتدخل لترى الأفلام العربية فتجدها كلها إلاَّ النادر منها. سخيفة النسج، مضطربة الموضوع، عمادها العري والخلاعة والتخنُث ورقص البطن؟
ورأيت كثيرين من الشباب تجيئهم الحكمة أو النظرية، فتعزوها إلى صاحبها الشرقي المسلم، فَيَلْوون وجوههم عنها، ولا يحفلونها، فإذا نسبتها إلى الفيلسوف الألماني أو الأديب الإنكليزي هشُّوا لها وبشُّوا، وتلقوها بالتجَّلة والإكبار.
وإن الملْك لا يكون ليستمتع المَلكُ ويلهو، ويعدو هو وحاشيته على العِرضِ وعلى الأرض. ويرفع نفسه عن النقد، بكل ليكون أطول الناس سهراً على مصالحهم، وأكثرهم شغلاً وأعظمهم تبعة، وأشدهم من الله خوفاً، كذلك كان الرسول صلوات الله عليه ، وكان أبو بكر وعمر، وكان الصالحون من الملوك.
ووقف مكتب عنبر موقفاً لا يُنسى، لما جاء المفوض السامي جوفنيل، يزور المدرسة فاتفق الطلاب سرَّاً على عدم استقباله. فدخل من الباب ومعه أركان الحكومة، فدعونا إلى الصف فما تحرك أحد، ولذنا بالجدران، فدخل مرتجفاً، فخطب أحد الطلاب بالفرنسية خطبة زلزلت أركانه، فقطع الزيارة، ورجع من فوره، وكان التحقيق فكانت الإدارة والطلاَّب جميعاً على قلب رجل واحد، ما استطاعوا أن يعرفوا من دبر الأمر، ومن كان السبب فيه.
إن أقوى أسلحة النصر، الإيمان، حتى الإيمان بالجبت والطاغوت إنه يكسب صاحبه النصر العاجل كقصة أهل فيتنام مع أقوى دولة في الأرض الأميركان، فإن كان إيماناً حقاً إيماناً بالله وملائكته وكتبه ورسله، ضمن النصر الكامل والدليل روسيا والأفغان، إن في داخل النفوس شيئاً اسمه (القوة المدخرة) طالما تكلمت عنها، تظهر في الشدائد، وعند الاضطرار، وساعة اليأس، إن الهرة إن استيأست تهجم على الذئب، بل إن الدجاجة لتحمي أفراخها تجرؤ على الكلب العقور، إن الرجل الذي يروح إلى داره تعبان، جوعان لا يبتغي إلا كرسياً يلقي بجسده عليه إذا رأى الدار قد شبت فيها النار، أو رأى الصغار تَحفُّ بهم الأخطار، نسي تعبه وجوعه وصبَّت القوة في أضلاعه صبَّاً، فمن أين جاءت تلك القوة، إنها (القوة المدخرة)، إن الذي لا يستطيع أن يَعْدُو مئة متر، إذا لحقه سبع ضار أو مجرم مسلح ولم يجد مخلصاً إلا الهرب يركض نصف ساعة، إن الإيمان يثير هذه القوة المدخرة، لذلك كانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
إنه ليس على ظهر الأرض شعب كهذا الشعب الذي صبَّ محمد ﷺ البطولة في أعصابه، حتى لا يكون المرء عربياً ولا يكون مسلماً حتى يكون بطلاً.
أما ترون العربي إذا دعي باسم العِرْض، أو دعي باسم الأرض، أو دعي باسم الدين، كيف تغلي دماؤه في عروقه فيحسّ حرّها في قحف رأسه؟ وكيف تشتد أعصابه، وتفور عزيمته، حتى ليقحم النار، ويركب الأخطار؟
أما ضرب هذا الشعب، على بطولته ونخوته آلاف الأمثلة في الماضي وفي هذه الأيام؟