النيل والفرات: إمتداد لحضارة إسلامية مزدهرة وفي احضان القارة الاوربية قامت حضارة الأندلس.. حضارة جمعت بين التقدم في شتى العلوم والمعارف والاصعدة حضارة جمعت بين الشطر الايماني والشطر الدينوي فقدمت للبشرية نموذجا ارضيا للحنة فكانت دوما على مر القرون التى تفصل بيننا وبنها "فردوسا مفقودا" يحن إليه الجميع، ويسكب العرب عبرات قلوبهم على مآذن عانقت السماءومدن مدحت فيها أعذب ألحان المدينة بمعناها الصحيح، وكان قدرها ان تداس تحت حوافر التعصب والبغضاء هذا الفرودس المفقود لا يعده الدكتور"حسين مؤنس" إلا "فردوسا موعودا" حاضرا بكل ما فيه وليس ما ضيا خلت منه السنين.. هذا الحاضر الذي عايشه في رحلاته إلى بلاد الاندلس وكتب هذه الصفات واصفا إياه. كتب عن غرناطة واشبيلية و قرطبة كتب عن أراض دخلها واشتم فيه رائحة اجداده وعظمتهم و على حد قوله عن الاندلس "ألقاه لقاء مشتاق وأودعه وداع مشتاق".
ولد حسين مؤنس في مدينة السويس، ونشأ في أسرة كريمة، وتعهده أبوه بالتربية والتعليم، فشب محبًا للعلم، مفطورًا على التفوق والصدارة، حتى إذا نال الشهادة الثانوية في التاسعة عشرة من عمره جذبته إليها كلية الآداب بمن كان فيها من أعلام النهضة الأدبية والفكرية، والتحق بقسم التاريخ، ولفت بجده ودأبه في البحث أساتذته، وتخرج سنة (1352هـ= 1934م) متفوقًا على أقرانه وزملائه، ولم يعين حسين مؤنس بعد تخرجه في الكلية؛ لأنها لم تكن قد أخذت بعد بنظام المعيدين، فعمل مترجمًا عن الفرنسية ببنك التسليف، واشترك في هذه الفترة مع جماعة من زملائه في تأليف لجنة أطلقوا عليها "لجنة الجامعيين لنشر العلم" وعزمت اللجنة على نشر بعض ذخائر الفكر الإنساني، فترجمت كتاب " تراث الإسلام" الذي وضعه مجموعة من المستشرقين، وكان نصيب حسين مؤنس ترجمة الفصل الخاص بإسبانيا والبرتغال، ونشر في هذه الفترة أول مؤلفاته التاريخية وهو كتاب "الشرق الإسلامي في العصر الحديث" عرض فيه لتاريخ العالم الإسلامي من القرن السابع عشر الميلادي إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، ثم حصل على درجة الماجستير برسالة عنوانها "فتح العرب للمغرب" سنة (1355هـ= 1937م).
عين حسين مؤنس بعد حصوله على الماجستير في الجامعة، ثم لم يلبث أن ابتعث إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، فالتحق بجامعة باريس، وحصل منها سنة (1356هـ= 1938م) على دبلوم دراسات العصور الوسطى، وفي السنة التالية، حصل على دبلوم في الدراسات التاريخية من مدرسة الدراسات العليا، ثم حيل بينه وبين إكمال دراسته نشوب الحرب العالمية الثانية، فغادر فرنسا إلى سويسرا، وأكمل دراسته في جامعة زيوريخ، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ سنة (1361هـ= 1943م) وعين مدرسًا بها في معهد الأبحاث الخارجية الذي كان يتبع الجامعة.
لما انتهت الحرب العالمية الثانية ووضعت أوزارها عاد إلى مصر سنة (1364هـ= 1945م) وعين مدرسًا بقسم التاريخ بكلية الآداب، وأخذ يرقى في وظائفه العلمية حتى عين أستاذًا للتاريخ الإسلامي في سنة (1373هـ= 1954م).
إلى جانب عمله بالجامعة انتدبته وزارة التربية والتعليم سنة (1374هـ= 1955م)؛ ليتولى إدارة الثقافة بها، وكانت إدارة كبيرة تتبعها إدارات مختلفة للنشر والترجمة والتعاون العربي، والعلاقات الثقافية الخارجية، فنهض بهذه الإدارة، وبث فيها حركة ونشاطًا، وشرع في إنشاء مشروع ثقافي، عرف بمشروع "الألف كتاب"، ليزود طلاب المعرفة بما ينفعهم ويجعلهم يواكبون الحضارة، وكانت الكتب التي تنشر بعضها مترجم عن لغات أجنبية، وبعضها الآخر مؤلف وتباع بأسعار زهيدة.
"والأندلس كله –من جبال البرت (البرانس) إلى الزقاق– كتاب مجد خالد، يقرأه من هو جدير بالمجد الخالد، ويستشعر الحياة فيه من يشعر بأنه ينتسب إلى شعب لا يموت.. موعود لا مفقود .. بهذه الفكرة نزور الأندلس معاً، ولا علينا ممن يحسبون أن الحسرات فلسفة، والعبرات حكمة، وتَذَكّرُ الآلام تكفير وتطهير. والرجال لا يبكون ولا يتوجعون، إنهم يتأملون ويعتبرون، وقد جرى الزمان علينا كما جرى على غيرنا. ولم ينشئ البشر على طول الأعصر شيئاً يبقى بقاء الجبال، إنما هى أجيال تقبل وتمضي، وتنشئ وتعلي، ثم تمضي وما بنت إلى حيث يمضى كل مخلوق". "وما قرطبة الخلفاء بشيء من أشياء الماضي، وإنما هي حاضر ومستقبل، ما دامت لنا قلوب تعي وتذكر.. ولا غرناطة بني نصر بذكرى غبرت ومضت، وإنما هي علم حي متجدد الرواء، يعرفه كل من على وجه الغبراء: يزورها الناس جميعاً للفرجة والإعجاب، ونزورها نحن للذكرى وإعادة الحساب" بهذه النفسية والرؤية يطرق المؤلف رحلته، ومن هذا المنطلق أحب لك أن تقرأ في تاريخ الأندلس أيضا. "الطريق إلى الأندلس طويل .. طويل فى حكم الزمان، لأن بيننا وبين عصره الأخير ما يزيد على خمسة قرون، وبيننا وبين عصره الزاهر نحو عشرة قرون... وطويل فى حكم المكان، لأن الأندلس قابع هناك خلف بحار وجبال" "ومع هذا فالأندلس، هذا البعيد العزيز، قريب منك .. يعيش معك وفيك فإن التاريخ خالد، وأهل التاريخ لا يموتون.. وما سطره الأندلسيون في سجل حضارة الدنيا يضمن لهم الخلود ويفرضهم على الأجيال .."
بما أنني قرأت الكتاب بمعية موسوعة الأستاذ محمد عنان، فسأتخذ من المقارنة أسلوبا للوصف. على أنني كنت أرى أن كتاب الأستاذ عنان الموسوعة الأجمع في الأندلس -وهي كذلك- إلا أنني وجدت في كتاب الأستاذ حسين مؤنس تحقيق المرام بأسلوب أخف وأجمل، ولئن كنت قاصدا تاريخ الأندلس فموسوعة الأستاذ عنان هي الأوفى بجدارة، أما إن كنت تود الانطلاق من الجغرافيا للتاريخ، وتبحث عن كتاب يتتبع جغرافية الأندلس لمعرفة تاريخها، طالباً المعرفة في أقصر زمن، وبأسلس أسلوب، فإن كتاب الأستاذ حسين مؤنس يفي بالقصد. اتسم بصدق الشعور، والعناية بالاختصار مع الإلمام، اختصار من قصد إرشادك إلى المواطن وأبرز أحداثها، والمدن وأبرز رجالاتها، مع معرفة شاملة، لم تحمل صاحبها على ذكر كل ما يعرف، بل الاقتصار على ما يجده جديرا بالذكر، مزيناً تلك الرحلة الأندلسية بالصور، التي أينما وجدت في كتاب خففت من وطأته، وزادت من حسنه. يتسم كذلك بالترتيب الواضح الجغرافي، حتى تخال نفسك ارتحلت معه بين جبال الأندلس وعلى سواحلها. ولو سئلت عن موقع بعض المعالم لأحسنت وصف الطريق لسهولة العرض ووضوحه. مما يكسبه ثقلا معرفيا، إلمام الأستاذ بتاريخ الأندلس، وعدم تسليمه بكل ما يذكر من معلومات، فهو يعلم ويصحح ويضيف ويعقب.
أختتم بمشاعر المؤلف أثناء ترحاله وهي المشاعر التي شعرت بها أيضا في تلك الجولة الافتراضية: "ولأمر ما، تحس دائماً أن العصور هناك لا تموت شيء من الخلود يتخلل كل شيء .. تقف في وسط الفضاء الهائل الذى يحيط بك معظم الطريق، وتصغي إلى الصمت الرهيب الذى يشمل كل شيء، فيخيل إليك أن صوتاً من وراء المجهول يناجيك، وأن أرواح الألوف من أجدادك الذين عبروا بهذا المكان تخاطبك عبر القرون، ولو قبضت قبضة من تراب الأرض لأحسست أنها تردد في روعك نداء أبي العلاء أن تخفف الوطء، فهذا الأديم ليس إلا أجساد الذاهبين، أعياهم السير وهم صادرون من قرطبة إلى أرض الجهاد، أو غالهم العدو الرابض وسط هذا السكون، فتوسدوا الأرض وأكلهم التراب، وظلت أرواحهم تحوم على أرض الشهداء.. وإذا أنت وقفت فى صحن المسجد الجامع في قرطبة ذات صباح باكر، أحسست وكأن المصلين قد أقاموا الصلاة وبارحوا الصحن لتوهم، وأن الشيوخ والأساتذة والطلاب لا يلبثون أن يجيئوا ليأخذوا أماكنهم إلى جانب الأعمدة حلقات حلقات .. وفى القاعة الأولى من قاعات قصر الحمراء، تتوقع وأنت تتأمل ما حولك أن الباب لا يلبث أن يفتح، وأن السلطان أبا الحجاج يوسف بن الأحمر سيقبل عليك بعد لحظات ومن خلفه حاشيته ورجاله، ليعقدوا مجلس المشاورة أو ندوة الشعراء.. وفي قرطبة، عندما وقفت في شارع ابن رشد، أحسست أني لو سألت أول عابر عن بيت أبي الوليد لدلني عليه.. وفى لوشة -تسمى اليوم لوخا-، وهي بلد صغير في الطريق من غرناطة إلى مالقة، وهي بلد لسان الدين بن الخطيب، وقفت ذات صباح أمام دار عربية الطابع فى وسطها نافورة ينساب منها الماء في رفق موسيقي خيل إلي أن لسان الدين هناك، مسنداً ظهره إلى الناحية الأخرى من النافورة مقبلا على تأليف كتاب جديد .. وعندما أغمض عيني قبل النوم يختلط الماضي والحاضر، وأحاديث الأمس واليوم بعضها ببعض، وأحس أني أعيش زمنا أبداً لا ينتهي، حتى ما أدرى إن كان الماضون ماضين حقاً أو الحاضرون حاضرين حقاً.. لأن الزمن هنا خالد لا يموت، ولأن الأندلس حي تنحدر عليه السنون كما تنحدر على شجرة الزيتون.. شجرة طيبة مباركة، لا شرقية ولا غربية، حملها العربي وزرعها في ثرى الأندلس، فأصبحت هناك اليوم عماداً من أعمدة الاقتصاد هدية من هدايانا الكثيرة إلى الفردوس الموعود".
كتااب جميييل وجدت فيه ما اشبع رغبتي فيما يخص الاندلس واثارها وماضاع وبقي ..اعجبني ان الكاتب وثق الآثار بصور من تصويره والأجمل ان الكاتب هو من قام بالرحلة بنفسه ووثقها. وصف الكاتب كل معبرا ووافيا ..الا انه في اخر الكتاب اجتاحني بعض الملل ،ولكن هذا لا شي بجانب المتعة والفائده التي خرجت بهامن قراءته.
تحمّست إليه كثِيرًا في البدَاية ، وشعرتُ برغبة جامحة لقراءته حتّى النّهاية ، فقط لأنه يتحدث عن الأندلس ذلك الفردوس المفقود/الموعود ، ولكن بعدما تجاوزت ال 200 صفحة ، شعرتُ بمَللْ ، رغم أنّه يحتوِي على سرد لبعض الوقائق التّاريخية وهذا ما يستهويني، ولكنّه جُغْرافِي أكْثَر .. ربّما يصلح للقراءة، إن قرّرتَ السّفر إلى تلك البلاد، أما أن تقرءه الآن، فمستحِيل تذكر كل تلك التّفاصِيل ..
على كلّ ، الكِتاب جمِيل ، لغته رائعة ، أنصحُ به ..
أشعر بأني زرت الأندلس فعلاً، مررت على قرطبة وجامعها، ثم إلى إشبيلية، ثم إلى المعقل الأخير، غرناطة، تجولت في حاراتها، شاهدت فنادقها، مررت بباب الرمان، شارة غرناطة القديمة، رأيت قصبتها وأبراجها. ومنها ذهبت إلى الحمراء ورأيت قصور بني الأحمر أحفاد الصحابي الجليل، سيد الخزرج، سعد بن عبادة رضي الله عنه، قرأت عباراتهم المنقوشة على الجدران، ورأيت قاعاتهم وغرفهم، بل حتى مخادعهم وحماماتهم! مررت على كل بلدة صغيرة، رأيت رندة بلد شاعرنا العظيم الذي ما فتاءنا نكرر قصيدته، أبي البقاء الرندي أعني، على رندة مررنا، وجيان ومالقة، وغيرها من المدن والبلاد. من هناك شرقنا إلى الجناح الكسير، شرق الأندلس العظيم، رأينا خيراته ومزارعه ورياضه وحقوله، رأينا الثغر الأعلى وما حوله، ثم رحنا نسير جنوباً، فمررنا على مدريد، فطليطلة ومسجدها الحزين، وختمت رحلتنا العظيمة بأرض الجبال والأشجار، رحنا شمالاً، ثم غربنا لنصل إلى البرتغال... عشنا رحلة كاملة مع فردوسنا الموعود لا المفقود كما أراد دليل رحلتنا وكاتبنا الأريب. رحلة رائعة، عشتها بكل معنى الكلمة، لم يبخل كاتبنا برسم الخرائط والمخططات التي سهلت التصور والتخيل، وكأننا سياح فعلاً ، كما أن الصور المرفقة بالرغم من أنها قديمة وبالأبيض والأسود إلا أنها معبرة وأخبرت عن مشاعر مصورها. قرأت الكتاب من طبعته الأولى، التي صدرت سنة 1963، ووصلت إلى مكتبة بلدية نابلس سنة 1965، للكتاب ملمس ورقي أخاذ. حسب سجل الإعارة فقد أستعير الكتاب لأول مرة عام 1992م، قبل أن أولد حتى. ولهذه العتاقة قيمة في قلبي. يوجد مع الكتاب خريطة كبيرة توضح ما ذكره المؤلف من مناطق وبلاد،
كتاب رائع جداا ، يأخذك في جوله الى الاندلس حيث الحضاره والعمارة وبأدق تفاصيلها وكأني اتحسس هذه الاثار ، يُطلعك على ما بقي منها وما نسف ، كما يتضمن الكثير من العبر . اسمتعت بقراءته انصح به .
كتاب رقيق رقة النسيم تتروح به النفس غب يوم حار، لطيف المعشر قد صيغ من ذوب عواطف الأستاذ حسين مؤنس ومشاعره وهو صورة لنفسه المرهفة الوادعة القوية الشعور قد استودعه خلاصة طيبة لسنوات طوال من العلم والترحال في تواريخ القدامى وأزمنتهم وأحوالهم ونفوسهم وكذلك في معاهدهم بعد رحيلهم عنها حيث لم يعدى سوى الإشارة الموجزة واللمحة الخاطفة في الأطلال والخرائب ومتناثر الآثار يخبر عن تلك الحكاية القديمة الرائعة في صعودها المثير وهبوطها الحاد المرهق الأليم ومختتمها الحزين الأسيان.
في رحلة فريدة من نوعها يحدونا رائدعليم محب لأهله وفي لهم وبر بذكراهم يصل الماضي بالحاضر ويعرج على كل ثنية وركن حل به أهلونا قديما يسائلها عما لديها من أخبار فيعي عندها ويحدثنا بأحاديثهم وذكراهم وأخبارهم، طاف بنا في أرجاء قرطبة وأشبيلية ومرسية وبلنسية ومالقة وألمرية وبلد الوليد وبسطة وجيان وشنتمرية وشلب وغيرها من المدن والقرى والقصبات والقلاع والقصور وشرع يقص علينا من أخبارهم وما خلف العرب من آثار وما لقوا من عنت وشقاء في قطع تلك البلاد ورد عدوان المعتدين، وراح يروي علينا من سير المساجد الشهيدة ما تهتز له النفوس وتتلوى على وقعه القلوب مما أصاب تلك البنى الشامخة من هوان وبلاء صمد له بعضها وظل باقيا على تشوه وتغير كمسجد قرطبة العظيم والذي كان أبرع وأعظم ما خلفت يد العمارة الأندلسية الجميلة في باب المساجد وكيف كان وحدة تاريخية تمثلت فيها روح بني أمية فراح كل خليفة منهم يضيف إليه شيئا كأنما هو مثال دولتهم يحرص عليه اللاحق حرص السابق وكلهم يجهد جهده كي يضم إليه خير ما يستطيع ..ويروي لنا كيف تعلق به أهل قرطبة وعكفت عليه قلوبهم فهم يتعهدونه بالرعاية والنظافة وحتى لما فارقوا تلك البلاد جعل الوافدون عليه يهشون إليه ويهش إليهم حبا وشوقا وحنانا.
وفي كل خطوة من تلك الرحلة قد هفت قلوبنا إثر غناء حادينا نستروح لحديثه عن أفانين العمارة البارعة في قصر أشبيلية والذي صاغته أيدي إخواننا من المدجنين ممن أقاموا في ظل الملوك الكاثوليك قبل أن تضيق بهم الأرض فتلفظهم ثم يلتفت إلينا في نبرة حزينة ليحدثنا عن جامع إشبيلية الضخم والذي قامت دونه كسائر إخوانه في سائر المدن كاتدرائيات ضخمة والدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور كما قال أندلسي قديم لو كان يجدي نصحه بل أجدى من ذلك ما قال أبو فراس ..إذ أوصى بالحزن ..أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد جلل المصاب عن التعنيف والفند ..
أي والله ثم نتابع الرحلة لنبصر مواطن المعارك والنزال من زلاقة وعقاب وأرك وفي كل قدم صدق وذكرى نابضة بل يشق بنا الطريق إلى غرناطة في قلب إقليم الأندلس ويقسم لنا أنا لا نكاد نجد موطئ قدم لم تروه دماء أجداد لنا في دفع ودفاع ومطاولة عدو كأمواج البحار طغيانا ومدا ونتقلب معه بين مدن جميعها عربية الاسم والوجه وأعجمية اللسان بعد طول لسن وبيان ..ثم يجد بنا السير إلى أن نبلغ أعالي شبه الجزيرة حيث انقطعت آثار أقدام الأجداد وانتهت فتوحهم إلى صخور ناتئة وجبال شامخة ومغاور ممعنة في الشقة والتراكب أوت إليها فلول المنكسرين وأقاموا في ثناياها كنائسهم ومذابحهم وقداساتهم ثم أورقت تلك الجبال الصلدة فأثمرت ثمرا مرا جعل يتخطف الأرض شبرا فشبرا حتى أجلى عنها أولئك الذين جلبوا إليها الزيتون والنخل والأعناب وعمروها ...وكانوا أشد منهم قوة وعمروها أكثر مما عمروها ثم بادوا وتبددت أعيانهم في الثرى فكأنما هم أحلام ولن تجد لسنة الله في خلقه وتدافعهم تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ..
ثم نقف هونا ما عند بلاط تروى بدم الشهداء في قلب فرنسا حيث هوى الغافقي عن فرسه وهوت معه آمال عراض في الإشراق على الأرض بنور ربها قبل يوم مجموع له الناس ويوم مشهود ..كسفها رهج وغبار اصاعد من جانب الغنائم في معسكر المسلمين فردوا على أعقابهم مولين الدبر ..قد أثبت عيون بعضهم على صخرة مرقوما "يا بني إسماعيل بلغتم نهاية قصدكم فارجعوا" فرجعوا وما كل بمحمود الإياب ..ثم يعلو بنا على شرف نرى منه شرق الأندلس فياضا بالخيرات زاهيا قد أينعت أشجاره وتنضرت أزهاره ثم نرجع معه البصر كرتين ينقلب إلينا خاسئا وهو حسير لم يكد يجد في تلك البقاع على رحبها إلا ما كان من القليل أقلا من أثار أهلينا كعهدنا في الغرب اتفقا في الإقفار منا وافترقا في السر والعلة فشرق تتابعت عليه غارات النهب والسلب ثم ختمت عليه يد التنصير والتهجير والتدمير وغرب عاثت فيه قوة عمياء لا تبقي ولا تذر يعز عليها أن تدع شاهدا لقوم عمروا قبلهم أحبوا بلادهم وأحبتهم وآتتهم من خير ما لديها وآتوها زهرة نفوسهم ...وعلى طغيانهم وعيثهم فإن الأرض لم تبخل على أهلها القدامى بذكرى جميلة تخلدهم وتحيي موات رفاتهم يقول حادينا "وما أغرب أمر التاريخ ! قرية خافية من قرى البرتغال تحمل اسم المباركة فاطمة الزهراء (فاتيما) عترة سلالة المصطفى صلوات الله عليه تتحول ببركة الاسم الشريف إلى محج ومشفى للناس ! ويصبح أبرك على البرتغال وأشهر في نواحي الدنيا من أي مكان في ذلك البلد الذي يزعم أهله أن المسلمين لم يخلفوا فيه أثرا " ولا يضن علينا الحادي كلما طال بنا المسير بلمحات كاشفة تضئ لنا ظلمات التاريخ فيقف طويلا عن طبيعة البلاد وتضاريسها المرهقة والتي قطعها العرب على ظهور إبلهم وخيولهم جيئة وذهوبا وطبيعة الشمال النصراني الغنية وأثر ذلك على ازدهار ممالكهم ثم أثر اتخاذ أجدادنا عاصمة بلادهم إلى الجنوب وما كان يرهقهم الغزو ويكلفهم من سفر غير قاصد تعظم فيه الشقة ويقل النفع إذ يعلم المغزو بموعد الغازي فيلم حاجاته ويأوي إلى الجبال ثم يشرع بمهاجمة الغزاة زرافات ووحدانا فيوقع بهم ويصيب مقاتلهم ... حديث عذب وروح رقيقة ..يضيق وسعي عن سرد بعض ما فيه فكيف به كله ..رحم الله عبده حسين مؤنس وأجزل أجره وغفر ذنبه
📕 رحلة الأندلس (حديث الفردوس الموعود) 🖋 د. حسين مؤنس 🗄 طبعة دار الرشاد / القاهرة ٢٠١٨
🔹 عنوان الكتاب واضح وهو رحلة قام بها المؤلف لبلاد الأندلس وصدرت طبعته الاولى سنة ١٩٦٣م
🔸 السبب الرئيسي لتأليف هذا الكتاب هو مابدأ به المؤلف وأكد عليه في خاتمة الكتاب: لقد قمنا بهذه الرحلة الطويلة (لنتأمل ونستذكر ونستبصر) مضيفاً بأن الأندلس مفقود (إذا لم يكن مجالاً للعبرة والموعظة) وموعود (لمن يذكر أن التاريخ كتاب اليوم والغد) و (له كل هذا الوجود) ص١١+٢٢٦
🔹 الكتاب فيه من اللوم الواضح الصريح على فقد الأندلس بسبب خلافات قادَتها مما طمّع العدو بهم وان مانزل بهم كان من صنعهم "ان الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس انفسهم يظلمون" ص١٠٥
🔸 يعود مؤكدًا في أكثر من موضع من الكتاب على سبب ضياع الاندلس (هذه المأساة التي نتجول بين فصولها إنما كتبها الحقد والحسد) ص١١١
🔹 بقاء اثار الاندلس اليوم انما حكمة إلهية للعبرة و(لنرى من خلالها ما أضعناه) ولنقول (هذه البقية فكيف كان الكل؟) ولنعيد ترتيب الصفوف وتوحيدها ص١١١+١١٢
🔸 تضحية رجال غرناطة بالدفاع عنها وبالمقابل ملوكهم يتعاون أحدهم مع العدو ليكون في صفه ضد أخوه والآخر يتفاوض لتسليم البلاد ص١٣٠+١٣٢+١٥١+٢٢٣
🔹 خط سير رحلة المؤلف قبل٥٧سنة أعتقد الكثير لم يسلكه اليوم بالرغم من وفرة المواصلات واماكن الاقامة ، ممكن يكون الكتاب دليل سياحي لذاك الزمان واليوم
❤️ رحلة شيّقة للأندلس تحتاج لوقت يليق بها ، يقول د.حسين مؤنس للزائر المتعجل: يستطيع أن يريح نفسه والأندلس من العناء ويأخذ كتاباً مصوراً يتصفحه ويقول لقد رأيت الأندلس 😁
🔸 احتوى الكتاب على الكثير من الأسماء والمناطق بتفاصيلها والاثار الاسلامية مابقي منها وما آل إليه وما أُزيل
🔹فضل مسلمين الأندلس على ماوصل له الاسبان والغرب من ادب وعلوم في مجالات كثيرة واستكشاف للبلدان ص٢١٩
🔻 لا حاجة لكتابة أسماء الأشخاص او المناطق ففي نهاية الكتاب فهارس تحتوي الاعلام والاماكن والجبال والانهار والقبائل والكتب والظواهر وكذلك بعض الصور ص٢٢٧
ختاماً ، عدت من زيارة الأندلس قبل ٦ شهور وأعود اليوم بعد قراءة هذا الكتاب وأقول كما قال د.حسين مؤنس: ألقاه لقاء مشتاق وأُودعه وداع مشتاق 🧡
كُتيب رحلة الأندلس مؤلف في منتهى الروعة أخاذ مميز جعلني أشد شوقاً لزيارت أندلسنا و غرطبتنا و غرناطة الحزينة ، آثار تلك الخلافة الممتد جذورها العربية الاسلامية في أراضيها ...
هو أشبه بكتيب سياحي أو خارطة تاريخية أنصح بها نفسي أو غيري عتد زيارة تلك الأراضي الأندلسية العريقة ، لابد أن تكون لي معه رحلة آخرى بإذن الله
أحداث ومواقف مسعدة ومفرحة وأخرى محزنة مؤلمة عالم مليء بالعبر والذكريات رحم الله اولىك الذين استمسكو بدينهم وجاهدو في رفع راية الإسلام رغم كل شيء حتى زالوا من الوجود وبعلمهم وجهادهم وفتوحاتهم رفعت الرايات وانكشفت جغرافية العالم الحديث كان عصرا مزدهرا وحزينا واجاد الكاتب حسين مؤنس فى وصفها وتتبع أثر وتاريخ فاتحيها وصدق حين أسماها الفردوس المفقود الموعود
لأول مرة أجد بحث للدكتور جسين مؤنس ينتمى للمدرسة الرومانتيكية اكثر من انتمائه للمدرسة العقلانية البحث تغلب عليه العاطفة والنزعة الرومانتيكية العربية اكثر من الاهتمام بجوانب التاريخ بالاضافة لذلك فقد تطرق الدكتور حسين للخوض فى المكان اكثر من الزمان فنجد البحث عبارة عن وصف تمثيلى للاماكن وكأنك مع مرشد سياحى اكثر من جيد قرر ان يلتفت الى المعالم السياحية ليحك لك قصتها الوحدة فى الموضوع تكون قد خلت تقريبا فالبحث قائم على توزيع المحاور من شرق وغرب وشمال وجنوب الجزيرة الاسبانية وتقديم وصف تفصيلي لها
الكتاب من أدب الرحلات حيث قام فيه المؤلف بزيارة اسبانيا/الأندلس وزار كل المدن تقريبا وفى كل مرة يعرض للأثار العربية التى لاتزال باقية إلى اليوم واسمها بالعريبة والإسبانية وكثير ما يصف تلك الأثار جزءا جزءا مما يدعوا للملل فى بعض الأحيان، لكن يتميز المؤلف بمعرفته بتاريخ اسبانيا العربية وغير العربية حتى العصر الحديث ولذلك كما يأتى فيه أسماء الأدباء والشعراء والجغرافيين العرب يأتى فيها أعلام اسباينا، كما يتميز الكتاب بمجموعة من الصور الملونة عقب كل مدينة وهى تغنى فى كثير من الأحيان عن جمال الوصف فهى صور متحدثة عن نفسها