المترجم : حشد بالنثيا بين دفتي كتابه مادة لو فصلت بعض الشئ لملأت مجلدات ولكنه ألزم نفسه من الإيجاز ما جاوز المألوف وجمع في نيف وثلاثمائة صفحة اهم ما كان الناس يعرفونه في أيامه عن الفكر الاندلسي ما بين نصارى ويهود وأضاف إلى ذلك خلاصة طيبه جدا لكل الدراسات التي تعرضت لآثار الفكر الأندلسي في الفكر الأوربي. وإن من يعرف الأمانة البالغة التى اتصف بها جنثالث يالنثيا ليتصور الجهد الذي احتمله حتى يضم ذلك كله في غير حيز! بيد ان الإيجاز الشديد لم يلبث ان أضر بالكتاب، فإن الاشارات القصيرة لا تقنع، والا كتفاء بالضرورى عن الأهم، وبالأعم عن المهم، كل ذلك انتهى بان جعل الكتاب خلاصة جافة عسيرة على القارئ، عسيرة على الباحث لهذا كله رأيت ألا أقتصر في نقل الكتاب على الترجمة سطرا بسطر- فالكتاب كالمروحة الطاوية،كلما فتحتها تبدت رسومها وزادت تفصيلا وحسنا- ولابد إذن من تفصيل وبيان.
من هنا لم يكن المر ترجمة فقط، بل هو ترجمة وتفسير. وقد رأيت ذلك حقا للقارئ العربي عندي والكتاب لا يقتصر على الدب بل يتناول التاريخ والرحلات والفلسفة والتصوف والطب والنبات والفلك والرياضيات أى نواحي الفكر كلها.
من ألذ وأطيب ما قرأت في تاريخ الأندلس. إذ كان غيره مهموما بتتبع الآثار، تاريخها وممالكها، منكبا على تأريخ الأحداث، ملوكها ومعاركها، أما هنا فإنك ترى الأندلس برجالاتها، الشاعر والأديب والعالم والطبيب، فكان له على النفس أوقع الأثر.
الكتاب بمثابة مسح كامل للفكر الأندلسي وتطوره، والمؤلف في أكثر كتابه منصفًا للمادة التاريخية وموضوعها، وذلك بسبب المنهج العلمي الرصين الذي استند إليه، وقد جمع المؤلف في كتابه بين الشمول والايجاز، فقدم بذلك دليل ارشادي لمن يريد أن يتوسع في دراسة التاريخ الفكري الأندلسي، وإن كان التزامه بالإيجاز قد أضعف من الكتاب من ناحية أخرى، ففي بعض الأحيان تجد مقاطع وربما صفحات مبهمة، إذ أفترض الكاتب أن قارئه ملم بالموضوع الذي يكتب عنه، وفي مواطن أخرى ندرت الاستشهادات أو عدمت كلية؛ ولكن هذا النقص عوضته الترجمة البارعة للدكتور حسن مؤنس، والذي في رأي بذل مجهود كبير في عملية الترجمة، حتى وكأن الكتاب قد اعيد بناءه من جديد، فلم يكتف بنقل الاستشهادات عن الأصل الإسباني، بل رجع إلى المصادر العربية، أثبت هذه الاستشهادات واسندها إلى هذه الأصول، وأوضح في الهوامش من استغلق على القارئ، كما وازن في الترجمة بين طبعة الكتاب الأولى والثانية، وربما نقل مقطع أو مقاطع أثبتها المؤلف في الطبعة الأولى وحذفها من الطبعة الثانية، إذ شعر المترجم أن ما حذف ضروري لاستقامة النص أو الفكرة.
عدد صفحاته: 718 ساهم التطور الفكري والعلمي الذي شهدته الأندلس طيلة ثمان قرون في بزوغ قامات علمية وأدبية في مختلف الميادين، كما وأثر ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الأندلسي، مما ترك لنا كتبا فكرية وعلمية وشواهد عمرانية ما زالت تشهد على الفترة الذهبية للإسلام بالأندلس، وهذا التطور العلمي لم يقف بتلك البقعة جنوب أوربا بل انتشر وأثر في الفكر الأوربي الغربي المعاصر في الفلسفة والأدب والشعر وفي العلوم الطب والنبات والبيطرة والفلك، وكان فله دور فعال في النهضة الأوربية وعلى فكر الأنوار بفرنسا وبريطانيا. هذا ما اطلعه علينا كتاب أنخيل بالنثيا بمسح شامل مرجعي هام للتطور الفكري والعلمي بالأندلس، مع أهم أعلامه ومؤلفاته، فهو دليل شمولي لكل مهتم ومطلع على تاريخ الفكر الأندلسي ولمن أراد التوسع، فالكتاب يمكن اعتباره اللبنة الأولى في ذلك رغم أنه قد كتب في ثلاثينيات القرن الماضي، مازال يعد موسوعة في مجاله إلى حدود ما توصلت إليه الأبحاث في زمانه، كما يستشف من الكتاب الموضوعية والإنصاف باعتماده على منهجية صارمة، وقد ساهمت ترجمة حسن مؤنس في إيصال الفكرة بأحسن صورة ممكنة، واعتمادها في نصوص المؤلفات من أصلها لا من تدوين المؤلف في كتابه. فوائد: -في عصر ملوك الطوائف وبعد سقوط الخلافة الأموية بالأندلس؛ ازدهرت الحضارة الأندلسية أدبيا وعلميا، وذلك لعدة أسباب نذكر بعضها كما جاء في الكتاب: 1-التنافس القائم بين دويلات ملوك الطوائف 2-أن عصري الإمارة والخلافة كانا بمثابة فترة إعداد طويلة تجمعت خلالها مواد وافرة غزيرة في كل فرع من فروع الدراسات واختمرت اختمارا طويلا. 3-علماء قرطبة غادروها أثناء الفتنة وانتشروا في نواحي الأندلس، كما تفرقت مجموعات الكتب التي كانت مخزنة في مكتبات قرطبة (عاصمة الخلافة الأموية بالأندلس). 4-الحرية الفكرية التي أباحها ملوك الطوائف في نواحي الحياة الاجتماعية والدينية. للزيادة انظر ص13/23 -"ومن هذا الطراز دانتي اللجييري الذي انتفع انتفاعا عظيما بالأساطير الإسلامية المتعلقة بقيام الساعة وأوصاف الدار الآخرة في إنشاء الكوميديا الإلهية الخالدة" ص 27/37
من بعد "معارك العرب في الأندلس" أردت مواصلة الإبحار مع تاريخ الأندلس و اخترت كتاب "تاريخ الفكر الأندلسي" من آخر مقتنياتي لمعرض الكتاب. الكتاب بسيط في بنائه، هو عبارة عن عرض جملة من أهم و أشهر أعلام الأندلس في مختلف المجالات و العلوم، حيث يتوقف عند تاريخ كل شخصية بالتفصيل. بالفعل الكتاب مقسم حسب المجالات من الأدب و الشعر، إلى التاريخ، إلى الفلسفة، إلى الرياضيات. قرأت عن تاربخ شخصيات سمعت عنها من قبل، أشهرهم الشاعر بن زيدون. عرفت تفاصيل حكايته مع الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي التي تعتبر حكاية روميو و جوليت الأندلس. لكنني عرفت أنه لم يكن مجرد شاعر محب بل كان علما من أعلام الفكر و الأدب في الأندلس. كما إكتشفت شخصيات لم يسبق أن سمعت عنها مثل أبو عبيد البكري الأندلسي عالم الجغرافيا الذي أطلقت الناسا إسمه على فوهة من فوهات القمر سنة 1949م إعترافا و تقديرا لما قدمه من إسهامات علمية. الكتاب يرسم بوضوح معالم المجتمع الأندلسي الذي يقدس البحث و العلم. العلماء كالشعراء يسعى الملوك إلى قربهم و مجالستهم. في الأندلس قد تناقش ملكا أو أميرا في أكثر المسائل الفلكية أو الفلسفية تعقيدا. هذا غير الحركة الفكرية الناشطة نتيجة وفرة الكتابات و المراسلات. مع ذلك إستغربت غياب شخصيات أندلسية شهيرة مثل ابن حزم و ابن رشد الذي لم أجد له تبريرا.