ذكر ابن القيم الآفات التي تكون في النفس وكيفية التعامل معها، ثم قال: «وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه المسألة، وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطرق وبتنظيفها؟ فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس ــ وهو جب القذر ــ كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيرُه.
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السفر قط، ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا، وأثنى على قائله»
--- الباطوس يطلق الآن على شيء يشبه المعصرة التي تدور بها الدواب ولكن بحجر، لكن المعنى القديم الذي جاء في نص ابن تيمية هو جب القذر، أي البئر أو الحفرة التي يراكمون فيها القذر والزبالات ويضغطونه مرة بعد مرة، فحين تريد تنظيفه ونبشه؛ يعود ليتوسع كما كان قبل الضغط، هكذا تكون محاولة التنظيف محبطة وعبثية.
يعطي هذا الكتاب صورة السلوك من الجانب العملي للأمور التعبدية والأخلاقية على الهدي النبوي وعلى السمت الشرعي مستدلاً بهذا بنهج السلف الصالح. ينقسم هذا الكتاب إلى قسمي رئيسين: الأول: يعد تنظير ودراسة لمعالم السلوك وتزكية النفوس عن طريق عرض لمحات في منهج السلف. الثاني: يسرد فيه بعض المواضيع السلوكية مع إيراد بعض الأمثلة الواقعية والأحداث العملية. أنصح جداً, ستجد فيه العجب من أخبار السلف الصالح.