كتاب هرطقات للكاتب جورج طرابيشي هو مجموعة مقالات مميزة تفكك عدة مفاهيم وتبسطها للقارىء , وانا صراحة عاجز عن معرفة سبب عدم تدريس طلاب الجامعات في سوريا هكذا كتب و هكذا مقالات عوضاً مثلاً عن مادة القومية الاجبارية , الكتاب يجول حول عدة موضوعات محورية للمجتمع العربي و خاصة عن اشكالية المصطلحات الحداثية الكبيرة من مثل العلمانية و الديموقراطية , التي يرى الكاتب اننا ندور حولها دون الخوض بها , من اجمل المقالات التي قرأتها في هذا الكتاب كانت مقالة اساطير سياسية عربية و مقالة الذات العربية و جرحها النرجسي , اما أهمها فقد كانت مقالة العلمانية : مسألة سياسية لا دينية , فهي مقالة مهمة جداً لفهم العلاقة بين الدين والسياسة في العالم الثالث و توضح كيف تستولي السياسة على دور الدين لا كما يتبدى العكس , تقيمي للكتاب 5/5 و انصح بقراءته بشدة .
مقتطفات من كتاب هرطقات 1 للكاتب جورج طرابيشي
-----------
هل الديموقراطية هي المفتاح السحري الذي نفتح به جميع الابواب المغلقة ؟ أم أن الديموقراطية هي , على العكس من ذلك , التاج الذي يتوج التطور العضوي للمجتمع المعني و ينهض مقياساً على مستوى تطوره ؟
--------
الديموقراطية قد تكون هي نفسها حاملة لأمراض جديدة اذا ما طبقت بطريقة ميكانيكية وانزلت الى مسرح المجتمع المعني بمثل الآلية الخارجية و الفوقية التي كانت تنزل بها الالهة إلى خشبة المسرح اليوناني
-------
في مجتمع لم ينجز تحديثه المادي والفكري و لم يستكمل ثورته التعليمية فإن الموضع الاول لتظاهر الديموقراطية , ليس في صناديق الاقتراع وحدها , بل كذلك , وربما أولا , في الرؤوس , فالديموقراطية لا يمكن ان تكون نظاما فصاميا , فهي لا يمكن ان تكون نظاما للحكم بدون ان تكون نظاما للمجتمع
-------
الديمقراطية في الاساس ظاهرة مجتمعية , والمجتمع هو في المقام الاول نسيج من العقليات
-------
ان لم يتضامن صندوق الرأس مع صندوق الاقتراع , فان هذا الاخير لن يكون الا معبراً الى طغيان غالبية العدد
-------
مجتمع يريد الديموقراطية في السياسة و لا يريدها في الفكر ولا على الاخص في الدين , ولا بطعبية الحال في العلاقة الجنسية , هو مجتمع يستسهل الديموقراطية و يختزلها في آن معاً , و من الاستسهال كما من الاختزال ما قتل
-------
ليست بذرة العلمانية في المسيحية هي التي تطورت فأدت الغرب ذي الاصول المسيحية الى ظهور العلمانية , بل ان القطيعة المعرفية التي انجزتها الحداثة , وتمخض عنها ظهور العلمانية وانتصارها في الغرب المعاصر , هي التي اتاحت امكانية الارتداد الى الوراء لاكتشاف بذرتها في المسيحية الاولى وتاريخها الماضي
-------
لن يكون هناك اي مشروع للعلمنة في الاسلام المعاصر نتيجة تطور عضوي لبذرتها في الاسلام الاول و تاريخه الماضي , بل ان الثورة المعرفية التي لم تجترح بعد بسبب غياب مشروع حقيقي وفعال للحداثة في الاسلام المعاصر هي التي يمكن ان تستحث الوعي على اكتشاف بذور العلمانية في تاريخ الاسلام و في ممارسات المسلمين الماضية
-------
لم يترجم كتاب جديد واحد الى العربية , نقلا عن اي لغة حضارية متداولة على امتداد الحقبة الممتدة من القرن الخامس والقرن الثاني عشر للهجرة
-------
الحضارة الغربية قد باتت بحكم اسبقيتها الى الحداثة , تتحكم بالزمان الثقافي للحضارات الاخرى , وخلا الخروج من التاريخ او السقوط في الهمجية , فانه لم يعد للمتخلفين في هذا العالم من مستقبل اخر غير حاضر المتقدمين , وهذا الانحصار في زنقة التاريخ يصد حتى المخرج النقدي - و هو المخرج الذي تؤثر الفلسفة ان تعمل على مستواه , فكل ما يمكن ان ننقد عليه الحياة الغربية قد سبقتنا هي نفسها الى نقد نفسها عليه
-------
العلمانية لا تعني الغاء السلطة الدينية , بل تعني فقط فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية ومنع تعدي السلطة الدينية الى المجال السياسي , كما منع تعدي السلطة السياسية الى المجال الديني
-------
الثقافة العربية مازالت تعيش زمانيا كفضاء عقلي ما بين القرنين السابع عشر و التاسع عشر , اما من منظور المكان الحضاري فان المنطقة العربية تعاني منذ ظهور الحداثة الاوروبية من انزياح حقيقي في القارات
-------
مفهوم التراث , بل الوعي بوجود تراث بمعنى ثقافة الاسلاف قد رأى النور عقب صدمة اللقاء مع الغرب جراء الاحتكاك بثقافة الآخر
-------
نحن لا نجهل ان هناك من يضع التراث في مواجهة الحداثة كما الضد في مواجهة الضد , وهذا احد الاسباب العميقة لمظاهر الشلل و الصراع العقيم في الثقافة العربية الحديثة , والحال ان قلب هذه العلاقة الضدية بين التراث و الحداثة الى علاقة تضامنية من شأنه على العكس , ان يكون مصدرا كبير للإبداع و هذا بشرط واحد يتيم و هو : ان نرى في التراث مهمازا وليس كابحاً لارادة الحداثة
-------
على المثقف ان ينزع عن بصره و بصيرته غشاوة الايديولوجيا , وان يحرر نفسه من الصيغ الجاهزة والمفاهيم المتآكلة , وان يضع ذاته من جديد في مدرسة الواقع و الحقيقة , وكذلك و على الاخص في مدرسة المعرفة , فالمسافة المعرفية التي تفصل مثقف الهامش ممثلا بالمثقف العربي , باتت لا تقل شساعة عن المسافة الاقتصادية و التكنولوجية التي تفصل البلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة
-------
شرط تمخض الثقافة ان يتوافر المجتمع على فائض نتاج تمكن معه تلبية الحاجات الروحية فضلا عن المادية
------
لا يحق لاي شخص ولاي بلد ولاي شعب ولاية حضارة ان يدعي لنفسه احتكار الحكمة في ما يخص خقوق الانسان , واذا حكمنا على الافعال الماضية لليبراليين الغربيين وعلى نتائجها , فلا مناس من ان نحكم ايضا بانهم آخر من يحق لهم التصدي لتحديد حقوق الانسان و للتبسير بها , فليس لهم اي حق في الكلام على حقوق الانسان , وليس لهم على الاخص اي حق في الحكم على الآخرين بصدد هذه الحقوق
------
ان علينا , نحن الاسيويين , ان نكتشف الوجه الخفي القبيح لاوروبا وطلبها الجنوني للفاعلية والانتاجية والتجانس والاقتصاد والنجاح , بما يتأدى الى تنميط العالم و استئصال التقاليد و تدمير التنوع الثقافي وانتاج نسخة واحدة للأفراد بالملايين
------
البرتغال و حتى عام 1990 لم تصل الى المستوى التي كانت عليه السويد من محو الامية في مطلع القرن الثامن عشر
------
اذا كان الانسان الاوروبي كف عن ان يكون انسانا دينيا , فقد اخلى مكانه بالمقابل للانسان الايديولوجي .
------
في معظم بلدان العالم الثالث لا تزال الدولة بحاجة الى الدين كيما تؤكد مشروعيتها , فهي لا تزال تقف عند عتبة الحداثة السياسية من دون ان تجرؤ على تخطيها او من دون ان تريد ذلك اصلاً , فهي معدومة القدرة على الوجود من تلقاء ذاتها و من دون سند من الدين
------
قد يبدو للوهلة الاولى ان تجريد الاسلام من الطابع السياسي هو اختزال له و تقليص , ولكن العكس قد يكون هو الصحيح , فبقدر ما يكف الاسلام على ان يكون اداة في خدمة الغرض السياسي للدولة , فانه يستعيد ملء دعوته كدين , و عليه فان العلمانية قد لا يكون فيها اذى للاسلام كدين بقدر ما انها تهيىء له جوا للانعتاق من اسر السلطة السياسية و للتفتح و التقدم كدين
------