يقول الكاتب بإنه إذا ما توافرت للعمل الإرادة الجازمة، والقدرة التامة مع استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، وجب وجود الفعل ضرورة، وتم حصول العمل بإذن الله. ويبادر إلى الإعلان بأن لدى المسلمين من الإرادة والقدرة المادية ما يمكنهم من الانطلاق نحو حل مشكلاتهم والمشاركة في التأثير في أحداث العالم ومواجهة الغزو الاستعماري والفكري، لكنه يضيف بأن عوزهم الحقيقي في القدرات الفهمية لسنن تغيير النفس والمجتمعات، إذ إنهم يسلكون -في سبيل التغيير- سبيل المطالبة بالحقوق، لا سبل أداء الواجبات، ويهتمون بتنظيم الدولة لا بإنشاء المجتمع، ويعتمدون أسلوب العنف والإكراه -في العمل الإسلامي- لا أسلوب الإقناع العلمي والتفهيم...
جودت بن سعيد بن محمد مفكر سوري شركسي ولد بقرية بئر عجم التابعة للجولان في سوريا عام 1931م. وهو مفكر إسلامي معاصر، يعتبر امتدادًا لمدرسة المفكرين الإسلاميين الكبيرين، الأستاذ مالك بن نبي ومن قبله محمد إقبال.
يعرف جودت سعيد بأنه داعية اللاعنف في العالم الإسلامي أو غاندي العالم العربي. وقد عبر عن سعادته بهذا الوصف في مناسبات عدة، وكان أول ما كتبه في مطلع الستينيات كتابه: "مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي"، وهو يناقش مبدأ اللاعنف وعلاقته الجذرية بالإسلام، لكن يمكن للبعض أن يرى أن القصد من وراء الامتناع عن استخدام العنف أو القوة هو في واقع الأمر اللجوء إلى العقل والتفكير. لذلك كانت دعوته إلى اللاعنف دعوة للعقل في أساسها.
كتاب مميّز دون شك، سواءاً وافقت الكتاب أم إختلفت معه فهو يستحق القراءة.
التعريفات:
1 - الإرادة ( الإخلاص ) : هي حب تحصيل أمر ما وإِرادته والإخلاص له . 2 - القدرة ( الصواب ) : هي معرفة كيفية تحصيل هذا الأمر المراد
إقتبست:
"إنني لست هاوياً أن أصدم الشباب المسلم في الفكر الإسلامي المعاصر ، ولكن لا أرضى أيضاً أن نصنع لهذا الفكر سدنة نحيطهم بهالة القداسة ."
"ولهذا يجب أن نعرف مبلغ جهلنا ، وألا نخفي هذا عن الجيل الذي يأتي بعدنا ، ليعلم أن واقعنا نتيجة لعملنا ؛ فإن كان لا يرضيه هذا الواقع فلينظر إلى علم أحسن ، فإن ما عندنا من علم لم يعط إلا ما رأى ."
"كان علماء السلف يقولون : (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري ، وخذ من حيث أخذوا) ومع ذلك فقد ذهبت هذه الوصايا أدراج الرياح ، لأن التيار المضاد كان أقوى . ولهذا ترك العالم الإسلامي اتباع مثل هذه الوصية ، وقلدوا مالكاً بل من هم دون مالك .
ولكن من المؤسف أن الذين يشغلون مكان رجال الفكر والعلم في هذا العصر ، لم يقدروا أن يتفوّهوا بهذه النصيحة التقليدية التي أطلقها السلف ، فكيف يكون حالنا في مثل هذا الجو العقيم ، غير القحط العام !؟"
"فعلى الأجيال اللاحقة أن تكشف هذه الأمراض . وأن تبرز كيف يوحي كتّاب جيلنا والذين سبقوهم لقرائهم بالخمول والكسل ويقتلون فيهم المواهب ويأسرون العقول، دون إستثناء"
"وبحسب فهمي وإدراكي لمشكلات المسلمين أرى أن عدم بذلهم ليس راجعاً لعدم الإرادة للبذل والعطاء ، ولكنهم لا يعرفون الطريقة التي لو بذلوا عليها نفعت وأنتجت .."
"وإِذا فهمنا هذا ينبغي أن نعلم أن النجاح ليس من الإرادة فقط ، بل من القدرة أيضاً على صنع النجاح ."
"ومن هنا يمكن أن نقول : إن الذي ينقص المسلم الآن القدرات الفهمية أكثر من الإيمان - الإرادة - ولكن المسلم ينظر إلى هذا الموضوع على غير هذا الوجه ، فيقول : إن الذي ينقص العالم الإسلامي هو الإيمان ، وبأسلوب آخر ، يقول إن المسلمين لا يبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل الله ."
"إن العلم المطلوب تحصيله هو الذي يغير ما بالنفوس ، ولكن جهود العلماء المسلمين في العصر الحديث اتجهت في الغالب إلى تصحيح العقيدة والدفاع عن الإسلام وتمجيده ."
" قال ابن تيمية في جواب سؤال عن الهمِّ والعزم والإرادة : (… الإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة ؛ فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم . ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل ، لم تكن الإرادة جازمة وهو إرادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال ولم يفعلوه ؛ وإن كانت هذه الارادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتاً كثيراً ، لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الإرادة جازمة جزماً تاماً . وهذه المسألة إنما كثر فيها النزاع لأنهم قدَّروا إرادة جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل ، وهذا لا يكون . وإنما يكون ذلك في العزم على أن يفعل ، فقد يعزم الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئاً في الحال . والعزم على أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل ، بل لا بد عند وجوده من حدوث تمام الإرادة المستلزمة للفعل ، وهذه هي الإرادة الجازمة . والإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه ، كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام ، وله ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام )
"وقال رحمه الله في مكان آخر : (… ومما يوضح هذا أن سبحانه وتعالى - في القرآن - رتَّب الثواب والعقاب : على مجرد الإرادة، مثالاً: . « من كان يريد العاجلة » الإسراء 17 ، ومثال آخر: « من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب » . "
"(والأسباب التي تعارف عليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها ، والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها . ذلك أنه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج ، وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنتج الآثار والنتائج كما تنشئ الأسباب والمقدمات سواء )"
فمن هاهنا تحدث الخسائر التي لا يمكن أن تعوض والتي يتابع مالك بن" نبي شرحه لها بقوله: "وهكذا يدفع الإنسان الجزية عن اندماجه الاجتماعي إلى الطبيعة وإلى المجتمع في الوقت نفسه. وكلما كان المجتمع متخلفاً في نمائه ارتفعت قيمة الجزية"
"فإن زيادة العلم زيادة في القدرة والإرادة ."
"الإرادة : أن تريد الشيء وترغب فيه ."
"أما إذا أدركت المكان الذي يكون فيه جهدي مؤثراً ، فعندها أكون قد حصلت على ما يخلب لبي ويثير اهتمامي . لهذا إذا أردت أن تثير إرادة إنسان فعليك أن تريه الجانب الذي يستطيع أن يؤثر فيه ويكون له دخل في حدوثه ، أما الجانب الذي لا دخل فيه ، ولا يمكن أن يكون جهده مؤثراً فيه ، فإنه لا يستطيع أن ينشط إليه ، ولا أن يوجه إرادته نحوه"
"ولكن الذي يهمني هو : هل أستطيع أن أوثر في هذا ، حتى أصنع هذا من هذا ؟ فالأمر المفيد هو أن يتدخل جهدي في إحداث التركيب المطلوب والمماثل له ."
"ومهما أفسدت الفطر ، تبقى إمكانية الإصلاح موجدة ؛"
"وهذا حدث جديد ودليل آخر على تطور مسألة النبوة إلى مستوى آخر . فالنبي محمد والذين اتبعوه أقاموا المجتمع الجديد بالجهود العادية للبشر العاديين ، وهذه ملحوظة هامة يزيل استحضارها كثيراً من العقبات"
"وإن اعتقاد المسلمين بأن النجاح ليس نتيجة حتمية للسعي الصالح ، هو من أشد المعوّقات التي تمنع المسلمين مراجعة أعمالهم ونقدها لأنهم لا يفرضون فيها الخطأ ، بل يفرضون أنها كانت صائبة ، ولكن لم تأت النتيجة المطلوبة لأمر أراده الله . إن مواجهة هذه النقطة أمر جوهري لتحويل نظر المسلم في رؤية سبب الإخفاق"
"مراجعة النفس : هي التوبة بالمعنى الشرعي ."
"ذلك أن نجاح الفكرة إنما يتم على مستوى المجتمع ،"
"يقول القرضاوي: فظهور القائد المنشود والحاكم المرتقب يحتاج إلى ارض حرة يرتكز عليها ، وإلى كتلة قوية تشد أزره ، وإلى تيار فكري ينادي به ويشعر الأمة بضرورة وجوده."
كتاب مهم ولكي يتم فهم الكتاب على القاريء ان يعمل على العمق والاتساع ليزيد في الادراك والتوضيح لمراد الكاتب ..سار المفكر جودت سعيد في طريق قل سالكوه وكثر ناقدوه ،،رحمه الله وجزاه خيرا لتسليط الضوء حول الطرق البديله للتغيير
من أوائل الكتب التي قرأتها، كان محفزاً لي على متابعة شغفي وأن ما أريده يمكن أن يحصل بالأرادة مع وجود القدرة معاً، لقد وجدته في مكتبتنا المتواضعة في المنزل صدفةً، لكنها صدفة جميلة بين أحضان المكتبة
.. والذين كتبوا عن حزيران ١٩٦٧ مثلاً ، نظروا إلى جانب الإرادات وأهملوا جانب القدرات . ورأوا أن فقدان الإيمان كان سبب الهزيمة ، لأن الإيمان وحده يميزون بين الملح والكافور .. ومثل هذا التحليل السطحي يترك في نفوس الجيل في رأيهم هو الذي نصر الصحابة الذين لم يكو أثراً سلبياً حين يوهمهم أن النصر لا يحتاج لغير الإيمان الصادق ، ولا يحتاج لفهم دقيق يفوق فهم الخصم . وعندما نرفع عن كاهل الجيل عبء الدرس والفكر نجعله يوقن أن ما يحتاجه المسلم ليس النظر الدقيق في فهم المشكلات البشرية والأحداث التي تجري ، ً وحماساً ، وان تحصيل الإيمان المتحمس لا يحتاج للسير في الأرض وإنما الامتلاء من الإيمان . والشاب المسلم يشعر أن ممتلئ إيما لنفس ، وأن أي محاولة للتأمل في فهم مشكلات البشر على مرِّ ولا للنظر إلى الذين خلوا من قبل ، ولا لفهم عملية تغيير ما التاريخ ، إِنما هي انصراف عن الواجب الأول وتضييع للوقت فيما لا طائل تحته
من أروع ما قرأت ... يعالج الكتاب قضية في غاية الأهمية و تمس جميع جوانب الحياة في المجتمع الإنساني عموما و الإسلامي خصوصا ، أنصح الجميع بقراءته و سوف يغير نظرتك تجاه كثير من الأمور التي كنت تعتقد في بادئ الأمر أنها مسلمات ...
ومن المؤسف أن يكون الموجهون الذين يمثلون حلقة الوصل بين المبدعين والسواد الأعظم لا يزالون يحملون كل عوامل التخلف التي قادت العالم الإسلامي إلى العصر الذي ي��ثل فيه المسلمون (( القصعة)) .