"الندم! يقظة العقل، صحوة الضمير، عيش الفعل ثانية، ليس هذا كلّه المطهر الذي يرتجى، ليس الخلاص الذي تنشد، ولا قشّة النجاة من الغرق، أو السبل الكفيل بغسلنا من خطايانا. إنه اليقظة من الغفلة، المرتقى من المنحدر، الاعتراف بعد النكران، تصحيح ما اعوجّ، وصولاً إلى الصراط المستقيم، كالخط المستوي بين نقطتين. إنه الندم، المرشد إلى الخطأ، وأنت نادم، وفي هذا رشد بعد غيّ، إنما عليك أن تعرف، ويحسن بك أن تعرف، أن التوبة حتى النصوح منها، لا تصحّ معها تلاوة فعل الندامة قط، بل الاتعاظ بما جرى، كي لا تقع في الخطأ، أو تكرره، في الذي جرى. لم يكن كامل البهاء خائفاً، كان وحيداً. وهذا في غربة الجسد والروح أقسى من الخوف. من ذا الذي قال: "الوحدة عبادة"؟ قد تكون كذلك ليوم، لعشرة، لشهر، لعام، وبعد العام يأتي الملل، يسيطر، يفرش ظلّه كجنح غراب، تفقد الليالي، حتى في الأصياف، بهجتها، تتعرى النهارات من أنور لبوسها، لا يعود حرير الضوء في الأصباح شفيفاً، ناعم الملمس، لا تغدو الشمس في الأصيل شلالاً ذهبياً بارقاً، والغروب تبهت أرجوانيته، تتبدل الأشياء في النفس، تكتئب بكآبتها، تنسرح الكآبة على الكائنات.. ينشرح همس الغابة، توحش السكنية، تجفو المدارك، تتلاشى تصوراتها عن مهابة المعابد، عن رنين النواقيس، يبرد القمر، يقشعر البدن... يغدو الرحيل نداء الزمن حتى في الآذان التي بها وقر. الآخر لم يعد، الأخرى برحت، الغابة أوحشت، وهذا المأفون باكير هرب، سرق وهرب، لماذا هرب؟ ليته بقي. وجوده حتى وهو اللص، كان وجوداً. ألعبانيته، حتى في مكرها، كانت مسلية. زيف إغرائه، بظهور جنيّة الغابة، كان ينطوي على أمل... كيف يعيش المرء بغير أمل؟ باكر كان يضحك عليّ، ليعد ثانية، وليضحك عليّ، إنني، في وحشتي، أرضى حتى بالضحك عليّ! لتكن المرأة، وفيّة أو غير وفيّة، لتكن، وحين تكون، لو كانت، سأعترف، سأقول لها: أخطأت! تقدمت صنوبرة، كان الظهر وتقدمت صنوبرة، انشق لحاؤها، من بين اللحاء المنشق، برزت امرأة، قالت وهي تبتسم: أنا، يا كامل، جنية الغابة التي تنتظرها". كما البحر هي الغابة، مُنْسَرحٌ واسع لخيالات حنّا مينا التي تقفز وتتشكل عبارات، وفي مشكلاتها إعلان عن ولادة فكرة رواية، ولكن مهلاً ربما كان مولد الفكرة مبكراً عن تهافت الخيالات المنبثقة من الغابة فهي الفكرة الأبدية: الرجل والمرأة وائتلافهما، سلباً وإيجاباً، لتشكيل نفحات الأمل وانجرافات اليأس لتتكون بمجملها الحياة باستمراريتها، إنه حنّا مينا الذي لم يدع القارئ بعيداً عن فكره وعن مساكن روحه. يأخذه من خلال تلك الفكرة إلى الغابة التي تشكل مسرح أحداث الرواية، تنطلق المعاني وتنطلق معها الكلمات والحروب وكأنها خطوط ترسم لوحات فنية رائعة، نقول ملونة ليس بالألوان المعهودة، وإنما بألوان غير مرئية، هي شفافة إلى حد ملامسة الروح والأحاسيس.
ينطلق خيال القارئ وتتحرك أحاسيسه ومشاعره وحتى فكره، جنباً إلى جنب للالتقاط ما تزخر به رواية حنّا منيا من معاني فلسفية، ومن مشاهد تتجاوز الواقع، يتلقطها القارئ بمتعة، وبإحساس بأن للعمل الروائي عند حنّا مينا مسارب جديدة تقرّ بإبداعه، وبعطاءاته المنبثقة من معين أدبي لا ينضب.
حنا مينه روائي سوري ولد في مدينة اللاذقية عام 1924. ساهم في تأسيس رابطة الكتاب السوريين واتحاد الكتاب العرب. يعد حنا مينه أحد كبار كتاب الرواية العربية, وتتميز رواياته بالواقعية. عاش حنا طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون علي الساحل السوري. وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم كبحار على السفن والمراكب. اشتغل في مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات، ومربّي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية إلى صحفي احيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للاذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، إلى روائي. البداية الادبية كانت متواضعة، تدرج في كتابة العرائض للحكومة ثم في كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة. أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في دمشق بعد استقلال سوريا اخذ يبحث عن عمل وفي عام 1947 استقر به الحال بالعاصمة دمشق وعمل في جريدة الانشاء الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها . بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية وللآسف ضاعت من مكتبته فتهيب من الكتابة للمسرح، كتب الروايات والقصص الكثيرة بعد ذلك والتي زادت على 30 رواية أدبية طويلة غير القصص القصيرة منها عدة روايات خصصها للبحر التي عشقة وأحبه، كتب القصص القصيرة في البداية في الاربعينات من القرن العشرين ونشرها في صحف دمشقية كان يراسلها، أولى رواياته الطويلة التي كتبتها كانت ( المصابيح الزرق ) في عام 1954 وتوالت إبداعاته وكتاباته بعد ذلك، ويذكر ان الكثير من روايات حنا مينه تحولت إلى أفلام سينمائية سورية ومسلسلات تلفزيونية
رواية صغيرة الحجم للروائي السوري حنا مينة يمزج فيها الخيال بالحقيقة و تدور أحداثها حول رجل كل له العديد من العلاقات الفاشلة مع النساء و قرر أن يهرب للغابة لكي يحاول أن يخرج المرأة من رأسه حيث وجد في عزلته فرصة للتأمل والتفكير...
"ما من إنسان عاقل بقادر أن يعيش بمفرده, إلاّ أن يكون ناسكاً ..والنسك, بدوره هرب..."
الرواية تعتبر رواية فلسفية و تلقي الضوء علي علاقة الرجل بالمرأة و نظرة المجتمع الذكورية لها و في نفس الوقت بتبين إحتياج الرجل للمرأة و إنه ميقدرش يستغني عنها..
"الهرب من المرأة هو الهرب من الحياة..و ما الحياة من غير المرأة؟"
كثيرا ما تلجأ الأنثى لهجر الزوج و هجر المنزل حين يصل بها الحال لاعتبار أن هذا ليس بيتها و لم يعد لها مكان فيه و لكن من النادر أن يغادر الرجل بيته و ليس هذا لأن الرجل عديم الإحساس أبدا و لكن لثقته الشديدة أن هذا هو عرينه و أن وجوده أمر حتمي لا يمكن تصور غيره. و لكن متى يغادر الرجل بيته بلا رجعة؟ يحدث ذلك كما هنا عند اليأس .. عند العجز عن تغيير الواقع .. عند الصدمة. على مدار سنوات كان كامل .. و الكمال لله وحده .. متعدد العلاقات النسائية و لكنه أبدا لم يستطع فهم حواء. و من ذا يستطيع أو يزعم ذلك؟! إلا أن كامل كان من الغباء لدرجة لا يمكن تحملها حيث تمركز حول ذاته كأغلب الرجال و لم يحاول فهمها أصلا و اعتبر أي تصرف غير مفهوم هو خيانة و خذلان و انتقل من امرأه لأخرى لا كفراشة تمتص الرحيق و انما كمصاص دماء و مشعل حرائق و كائن طفيلي منتفع و هو على العكس من ذلك يظن نفسه الممول و مصدر البهجة و السرور لكل امرأة. من هنا جاءت صدمته قبل الأخيرة التي دفعته لمغادرة لا بيته فحسب و لكن المدينة بأسرها ناويا على اخراج المرأة من رأسه و العيش في الغابة كما يتصور أن تكون بداية الإنسان الأول و كأن هذا الإنسان الأول عاش في الغابة بلا امرأة. لا يلبث كامل أن يدرك أنها مهمة مستحيلة و ان المرأة بداخلنا نحن الرجال ليست مستأجر يمكن طرده و لكنها صاحبة المكان و مالكته و يظل ينتقل من ذكرى امرأة إلى أخرى حتى يدرك مدى غبائه الذي كان و يقرر أن يصحح خطأه. قصة قصيرة فلسفية الطابع يغلب عليها المونولوج. ليست أفضل قصص حنا مينه بالطبع و لكنها جيدة ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ ⭐️⭐️⭐️ في النهاية اكتشفت لماذا احببت الرواية أكثر من غيري؟ ربما لأنه كتبها في مكان أحببته و لدي فيه ذكريات جيدة
الله الله الله يا مينا... كم أنت عظيم.. فضول هذيان خسة سذاجة دهاء حذق نباهة غفلة جنون متعة اثارة
بهذه المراحل تماماً ، تنقل مينا من خلال روايته بين عبرات و حكم داخل رأسي ، بمنتهى السلاسة والخفة... قرر اللعبة... هيأ لها... ولعبها حتى في أدق تفاصيلها كما الحلم ، او ربما الواقع ، بل كلاهما معاً... جنوناً من نوع آخر...
الجحود هي البداية و ماأروع البدايات و لأن الجحود هاهنا يتعلق بأصل الحياة فهو إلغاء للحياة ذاتها و يلي الجحود الندمو محاولة إصلاح الأمور لكن لا تستقيم الحياة بالأوهام فلابد من الحقيقة المجردة الأنثي كقيمة و وجود لا غني عنها و لا تستقيم الحياة بغيرها في أحداث تشبه الأحلام ينطلق بنا حنا مينا في رحلة عبقرية عن قبض الريح و عن العناد غير المجدي أمام أبسط الحقائق في دنيا البشر الغريبة و ستظل أول و آخر ما يبدأ به الإنسان هو الحمد لله علي نعمة الإنثي الحمد لله علي نعمة الإنثي الحمد لله علي نعمة الإنثي
الكاتب السوري حنّا مينه بعد القراءة الأولى له صار "شغفي الجديد" الصداقةُ، بعد المعرفة ، دَرَجةٌ في الارتفاع .. والصداقةُ، بعْدَ الحُبّ، درجةٌ في الانْخِفاضِ .
يبدو أنه خاب طنّي قليلاً ..وجدت الكتاب غير مفهوم و غير واضح في كثير من المقاطع ،لكن تبدو لي سرداً خيالياً عن تجربة تشرح نفس الرجل و شهواته،و عن نظرته للمرأة و تغيرها و تحركها . ربما رتابة المكان الذي فيه سارت القصة من الألف إلى الياء ،أي الغابة. يجعلك تُبقي خيالك ساكناً في نفس المحطة لا تبرحها ,ولا تتحرك مشاعرك بالتالي بالقوة المطلوبة منها . تتسلل بين الحوارات التي وجدتُها مركبة تركيباً غير مفهوم في بعض الأحيان ، مقاطع من فلسفة المينا هذه تجعل القلب يخفق عنوة ، كوصفه الوحدة و الندم ! كذلك أعجبني في النهاية عندما أنصف النساء اللاتي وردن في سرده ،كأنه يريد من المجتمع كلّه أن يقف معه و يترك عنه كل الاتهامات الباطلة لها و الذكورية التي كبلته طويلاً
السلام لروحك يا مينا و شكراَ لأنك تتركت لنا إرثاً ثمين
في رواية “حين مات النهد”، لا يكتب حنّا مينه عن الحبّ ولا عن النساء فقط، بل يكتب عن الحياة حين تُفلت من قبضتنا، عن الرغبة حين تتهدّم بهدوء، وعن الرجل حين يشيخ ولا تعود المرأة في حياته وعدًا، بل ذاكرة.
الرواية سيرة رجل يُدعى كامل البهاء، في خريف العمر، بعد سلسلة من العلاقات العاطفية والجسدية التي تُخلف في داخله مرارة لا تندمل. في محاولة للهرب من فتنة الجسد وسؤال المرأة، يلوذ بالغابة، معتقدًا أنه يستطيع التخلص من ذلك الجوع الدائم، من تلك الحاجة الغامضة التي تتركه معلقًا بين لذة ماضية وفراغ حالي.
لكن الطبيعة، بصمتها ورحمتها القاسية، لا تمنحه الصفاء الذي ظنه، بل تعيده إلى داخله. يمشي في الغابة كما لو أنه يمشي في ذاكرته، يستحضر ماضيه مع النساء، ويتأمل النهد — لا كجسد، بل كرمزٍ لفورة الحياة، للدهشة الأولى، للخصوبة التي كانت تسكنه وانطفأت.
“حين مات النهد” ليس موتًا للأنثى، بل موت لجزء من الرجل نفسه. موت القدرة على الاندهاش، على الانجذاب، على الاكتمال بالآخر. في لحظة مكاشفة شديدة الوضوح، يدرك كامل أن الهروب من المرأة هو الهروب من الحياة، وأن العزلة ليست نجاة، بل شكل من أشكال الاحتضار الهادئ.
بأسلوب يتراوح بين الاعتراف والتأمل الفلسفي، يكتب حنّا مينه هذه الرواية بلغة بسيطة لكنها مشحونة بحسّ وجودي عميق. تتلاشى الحدود بين الراوي والمؤلف، وتبدو الرواية كأنها مرثية ذاتية لحياة كانت حافلة، ثم انكسرت بهدوء، دون ضجيج.
“حين مات النهد” ليست رواية عن الحب، بل عن غيابه، عن ما يتبقى من الرجل حين تنطفئ فيه النار، وحين يكفّ الجسد عن المطالبة، ويبدأ الروح بالمحاسبة. هي اعتراف أخير من رجلٍ عاش كثيرًا، وأحب كثيرًا، ثم وجد نفسه وحيدًا مع الغابة، يتأمل المرأة… لا بشهوة، بل بندم.