انتصارات تشرين يحملها حنا مينة عابقة بشذى تنتشي له الأرواح... خيبة ويأس وقنوط وهزيمة وانكسار وها هو النقيب "م" يتطلع إلى السماء "كان الليل ساكناً والفجر لم يطلع... لكنه، من جهة الشروق، رأى خيطاً أبيض... كان خيطاً من نور وكان أبيض... قال في نفسه: أنا تعب، حزين، ولكني لست يائساً... لكن ليس مادة لليأس، أعود من المقولة وأنا أنزف، لقد قاتلت وهذا الجرح شاهدي ووسامي... أن يقاتل صاحب الحق، يعني أن ينتصر... فجدي قال لأبي: "ما ضاع حق وراءه مطالب"."
حنا مينه روائي سوري ولد في مدينة اللاذقية عام 1924. ساهم في تأسيس رابطة الكتاب السوريين واتحاد الكتاب العرب. يعد حنا مينه أحد كبار كتاب الرواية العربية, وتتميز رواياته بالواقعية. عاش حنا طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون علي الساحل السوري. وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم كبحار على السفن والمراكب. اشتغل في مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات، ومربّي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية إلى صحفي احيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للاذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، إلى روائي. البداية الادبية كانت متواضعة، تدرج في كتابة العرائض للحكومة ثم في كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة. أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في دمشق بعد استقلال سوريا اخذ يبحث عن عمل وفي عام 1947 استقر به الحال بالعاصمة دمشق وعمل في جريدة الانشاء الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها . بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية وللآسف ضاعت من مكتبته فتهيب من الكتابة للمسرح، كتب الروايات والقصص الكثيرة بعد ذلك والتي زادت على 30 رواية أدبية طويلة غير القصص القصيرة منها عدة روايات خصصها للبحر التي عشقة وأحبه، كتب القصص القصيرة في البداية في الاربعينات من القرن العشرين ونشرها في صحف دمشقية كان يراسلها، أولى رواياته الطويلة التي كتبتها كانت ( المصابيح الزرق ) في عام 1954 وتوالت إبداعاته وكتاباته بعد ذلك، ويذكر ان الكثير من روايات حنا مينه تحولت إلى أفلام سينمائية سورية ومسلسلات تلفزيونية
رواية "المرصد" هي رواية تاريخية تناولت أحداث حرب تشرين عام 1973، التي خاضها الجيش السوري بالتنسيق مع الجيش المصري ضد الاحتلال، بهدف تحرير الجولان وعبور قناة السويس. يسرد لنا حنا مينا كيف بدأت الحرب بعزيمة وإصرار كبيرين، إذ كانت تحمل في طياتها الأمل بإعادة الثقة للشعوب العربية في قدرتها على خوض المعارك والانتصار فيها، خاصة بعد هزيمة حزيران الكبرى.ولكن، ومع الأسف، تحولت الحرب من معركة تحريرية إلى حرب "تحريكية" وفقًا لتعبير حنا مينا، مشيرًا إلى التواطؤ السياسي بين القيادة وأمريكا.واحدة من التفاصيل الرائعة التي تميز أدب حنا مينا هي نظرته وإيمانه العميق بالإنسان العربي وبتمسكه بالارض . وعلى الرغم من أن هذه النظرة قد تبدو بعيدة عن الواقع، إلا أن هذا الإيمان الراسخ يمنحنا الأمل بأن تتحول يوماً إلى حقيقة مطلقة.
رواية عن حرب تشرين التحريرية كما عُرفت في سورية أو حرب العاشر من رمضان كما سُميت في مصر.. بدأت الرواية بلا تمهيد سرد فيها حنا الاستعدادات التي سبقت الحرب وتلهف الأنفس لها فبعد النكسة كان لسان حال الجميع يسأل متى الحرب القادمة ؟ حرب يمكنها أن تمسح وصمة العار التي رسمتها نكسة حزيران على الوجوه. لا يمكنني أن أنكر بأني من خلال قراءتي للرواية شعرت بأني أرى وجه آخر للحرب كان قد غاب عني فالرواية رصدت تأثير نبأ الحرب في الشارع السوري، وكيف كانت الحرب في عيون الناس كأنها عرس وطني كبير الكل يريد أن يكون له يد بتقديم المأدبة فيه، ولكن لم يطول ذلك العرس حتى انقلب إلى مأتم . تسلل لي ملل طيلة قراءة الرواية بسبب الاسهاب بحديثه عن العروبة والشهامة والخ ، وقلت ربما هي ضروريات المرحلة تلك. أعجبني كيف أنه لم يذكر أسماء القادة العسكريين واكتفى بالرمز إليهم بحرف مما أضفى للرواية جو فيه احتراس لسرية الحروب . حنا مينا مؤمن بالشعب العربي على أنه قادر على إثبات ذاته حالما يتوفر له قيادة حقيقية وأنا أُشركه في إيمانه هذا 🤍 أحببت حديثه عن المرأة، وعن كيف أن الرجل وهو يخوض حربه ما فتأ يذكرها ويشتاقها ويحبها ✨
بلغة حنا مينة وأدواته السردية المعهودة، يقدم جزءا من حرب أكتوبر 1973 من وجهة نظر سورية، مترعة بالتفاؤل والنضال ثم باليأس والخيانة والمرارات الأكيدة. لا ينصح بها في زمن الخذلان العربي، خاصة في هذا اليوم الأليم.
حنا يصف الشعب بالـ"واعي".. إذاً ما كل هذا الخدر؟ هذه المرة الأولى التي ٲقرٲ فيها عن حرب الجولان. كانت مذكورة في كتب القومية و الكثير من الأقوال مع التواريخ، صممناها كاسمنا، كشكلٍ من أشكال هدر القوى العقلية لا أكثر.. ٳنما هذه المرة، قرٲت التفاصيل ،من وجهة نظر احدهم. المحزن في الرواية هم الجنود، جنود قاتلوا و قتلوا و لم يعلموا الكذبة المحيطة بهم، لكنهم ينتظرون أن نكمل.. نكمل ما أرادوه، بعد أن اتتضح الكذب. "ٲنه شعبٌ حقيقي، حين تتوفر له القيادة الحقيقية "
في تمجيد الحرب النبيلة والموت الواعي، وفي عشق الأرض والوفاء لها .. رواية تذكرني بعمل حمزاتوف الخالد داغستان بلدي، لكن يعاب عليها ثبات الأسلوب السردي رغم تغير الساردين مما يعطي إنطباعا بأن هناك تعسفا في النص وحضورا مزعجا -رغم خفوته- لعنصر خارج عن القصة متمثلا في الكاتب.
"آه يا أخي العربي الذي صيّروك رقماً! متى تستعيد نفسك، ومتى تنتفض الحياة في ذاتك. ومتى تثبت للذين يحاولون إلغاءك، أنك حقيقة لا تُلغى، وأنك حقيقة الحقائق في هذا الكون؟"
📖 المرصد – حنا مينه
قد تكون الرواية مملة نوعاً ما في بعض صفحاتها لكثرة الإطناب، لكن أهميتها لا يمكن تجاهلها.
حنا مينه كتب عن نصر تشرين من زاوية سورية خالصة، عن معركة جبل الشيخ في الفترة الممتدة من ٦ تشرين الأول ١٩٧٣ حتى ٢١ تشرين الأول ١٩٧٣، وعن معنى الوطن في لحظات الخطر، وعن حماس الجنود للحرب لتغطية عار هزيمة النكسة، ولكنها في النهاية كانت حرب "تحريكية" وليست تحريرية كما عبّر عنها الكاتب عندما تُركت سوريا تقاتل وحدها.
أسلوب الكاتب كان ثقيلاً نوعاً ما في بعض المواضع بسبب الجمل الوصفية الطويلة والإطناب، لكن وراء هذا الثقل روح نضال حقيقية وشعور عميق بالعروبة والانتماء، وإيمان بالإنسان العربي وبمستقبله وبالوحدة العربية ومتابعة مسيرة تحرير الأرض، وهو إيمان غير واقعي ومضحك بالنظر إلى واقعنا الآن🥲 .
أعجبني أنّه تحدّث عن المعركة البحرية أيضاً التي دارت بين الزوارق الحربية المعادية وسلاح البحرية السورية، وأيضاً معركة سلاح الجو، وهذه تفاصيل قد يجهلها كثيرون عن حرب تشرين من الجانب السوري.
في ظل الأحداث المتسارعة، هذه الرواية مهمة جداً وأنصح بقراءتها بغض النظر عن الذائقة الشخصية، وهي أثبتت لي أنّ الأدب خير حارس للذاكرة والتاريخ..
حرب تشرين 1973 الحرب التي خاضها كل من الجيش السوري في الضفة الشمالية و الجيش المصري في الضفة الجنوبية و ذلك لتحرير المرصد داخل هضبة الجولان بجبل الشيخ. حنة مينة كتبها بكل تفاصيلها حتى اني ظننت أني داخلها، عشت معاها فرحة تحرير المرصد لكن سرعان ما أصبحت الفرحة نكبة أخرى بعد تهاون الجيش المصري. رواية ينقل فيها الكاتب مشاعر جيش و بلد بأسوب مشوق و جميل جدا. كان هذا أول كتاب لي أقرأه لحنة مينة و لن يكون أخره