"خائف. إني خائف من زيارتي هذه إلى بيروت. خائف من مدينة أتكلم لغة أهلها ولا أتكلمها حقاً، ولم أزرها منذ ثلاثة عشر عاماً وكنت صبياً على أبواب مراهقة تعمدت ولادتي بالحرب اللبنانية بعد عام من صرختي الأولى في هذا العالم المتوحش. لم أر بيروت على شاشة التلفزيون الفرنسي إلا مسرحاً للحرائق والمعارك والرهائن والموت وتمجيد الموت. خائف من نبوءة الذي يغطي مطار باريس ويعرقل إقلاع الطائرات؛ ربما لأن طائرة بيروت من الضباب... وقدرها من ضباب ورأسي كله من ضباب. ولعل الضباب يتدفق الآن من عيني وأذني وفتحتي أنفي وفمي وثيابي، ولعلي رجل من ضباب. حدّق فواز في وجه دانا. ابتسمت له بودّ أليف. اطمأنّ إذ أدرك أنها لا ترى الضباب الذي يسيل من روحه عبر شقوق جسده، ولا تعرف أنه يراها ضباباً كالمرئيات كلها في هذا اليوم والذكريات كلها وربما المستقبل كله. إذن لم يسقط قناعي التنكري الهادئ عن وجهي.. بالمقابل ربما كان من الأفضل لي فتح جرحي قطبة بعد أخرى والاعتراف بخوفي لنفسي".
هموم لبنان وشجونه ساكنة في قلب ذاق عذابات أحداثها، رحل عن أرضها خوفاً على حياتهن لكن قلبه ما زال مزروعاً فيها. وفي عوده بعد زمن برفقة آخرين، تنطلق الروائية في استحضار أحداث، مزدحمة بوتيرة الحياة الاجتماعية السياسية الاقتصادية اللبنانية، والتي تتشكل من خلالها صور الحياة بكل متناقضاتها. بكل مساوئها وبكل محاسنها، بفرحها وحزنها، بضيائها وظلامها، بإنسانيتها وبشيطانيتها. رواية وكاتبة وأسلوب سهل ممتنع يرتقي بالعمل الأدبي إلى مراتب الإبداع.
English: Ghadah Samman. غادة أحمد السمان (مواليد 1942) كاتبة وأديبة سورية. ولدت في دمشق لأسرة شامية عريقة، ولها صلة قربى بالشاعر السوري نزار قباني. والدها الدكتور أحمد السمان حاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في الاقتصاد السياسي وكان رئيسا للجامعة السورية ووزيرا للتعليم في سوريا لفترة من الوقت. تأثرت كثيرا به بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة. كان والدها محبا للعلم والأدب العالمي ومولعا بالتراث العربي في الوقت نفسه، وهذا كله منح شخصية غادة الأدبية والإنسانية أبعادا متعددة ومتنوعة. سرعان ما اصطدمت غادة بقلمها وشخصها بالمجتمع الشامي (الدمشقي) الذي كان "شديد المحافظة" إبان نشوئها فيه. أصدرت مجموعتها القصصية الأولى "عيناك قدري" في العام 1962 واعتبرت يومها واحدة من الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة، مثل كوليت خوري وليلى بعلبكي، لكن غادة استمرت واستطاعت ان تقدم أدبا مختلفا ومتميزا خرجت به من الاطار الضيق لمشاكل المرأة والحركات النسوية إلى افاق اجتماعية ونفسية وإنسانية.
:الدراسة والاعمال
تخرجت من الجامعة السورية في دمشق عام 1963 حاصلة على شهادة الليسانس في الأدب الإنجليزي، حصلت على شهادة الماجستير في مسرح اللامعقول من الجامعة الأمريكية في بيروت، عملت غادة في الصحافة وبرز اسمها أكثر وصارت واحدة من أهم نجمات الصحافة هناك يوم كانت بيروت مركزا للأشعاع الثقافي. ظهر إثر ذلك في مجموعتها القصصية الثانية " لا بحر في بيروت" عام 1965. ثم سافرت غادة إلى أوروبا وتنقلت بين معظم العواصم الاوربية وعملت كمراسلة صحفية لكنها عمدت أيضا إلى اكتشاف العالم وصقل شخصيتها الأدبية بالتعرف على مناهل الأدب والثقافة هناك، وظهر أثر ذلك في مجموعتها الثالثة "ليل الغرباء" عام 1966 التي أظهرت نضجا كبيرا في مسيرتها الأدبية وجعلت كبار النقاد آنذاك مثل محمود أمين العالم يعترفون بها وبتميزها. ورغم أن توجها الفكري اقرب إلى اللبرالية الغربية، إلا أنها ربما كانت حينها تبدي ميلا إلى التوجهات اليسارية السائدة آنذاك في بعض المدن العربية وقد زارت عدن في اليمن الجنوبي في عهدها الماركسي وافردت لعدن شيئا من كتاباتها. كانت هزيمة حزيران 1967 بمثابة صدمة كبيرة لغادة السمان وجيلها، يومها كتبت مقالها الشهير "أحمل عاري إلى لندن"، كانت من القلائل الذين حذروا من استخدام مصطلح "النكسة" وأثره التخديري على الشعب العربي. لم تصدر غادة بعد الهزيمة شيئا لفترة من الوقت لكن عملها في الصحافة زادها قربا من الواقع الاجتماعي وكتبت في تلك الفترة مقالات صحفية كونت سمادا دسما لمواد أدبية ستكتبها لاحقا. في عام 1973 أصدرت مجموعتها الرابعة "رحيل المرافئ القديمة" والتي اعتبرها البعض الأهم بين كل مجاميعها حيث قدمت بقالب أدبي بارع المأزق الذي يعيشه المثقف العربي والهوة السحيقة بين فكرة وسلوكه. في أواخر عام 1974 أصدرت روايتها "بيروت 75" والتي غاصت فيها بعيدا عن القناع الجميل لسويسرا الشرق إلى حيث القاع المشوه المحتقن، وقالت على لسان عرافة من شخصيات الرواية "أرى الدم.. أرى كثيرا من الدم" وما لبثت أن نشبت الحرب الأهلية بعد بضعة أشهر من صدور الرواية. مع روايتيها "كوابيس بيروت " 1977 و"ليلة المليار" 1986 تكرست غادة كواحدة من أهم الروائيين والرئيات العرب.
رواية سهرة تنكرية للموتى هي الجزء الأخير من "رباعية بيروت" وقد صدر منها بيروت 75, كوابيس بيروت, ليلة المليار الرواية عبارة عن 328 صفحة من القطع الكبير ...لا تشعر بأي نوع من الملل أثناء القراءة
الرواية بإختصار تتحدث عن سبعة من المغتربين من أصل لبناني حضرو لقضاء الاجازة ببيروت مع طبيبة فرنسية
تتحدث غادة السمان في هذه الرواية عن الجوع, الفقر, القمع, الحرية, الحرب الأهلية, الجشع, حلم الشباب العربي بالهجرة, والعديد من الصراعات الاجتماعية
ببساطة الرواية رائعة وتستحق القراءة مرة ومرتين وثلاثة :)
جسّدت غادة السمان في هذه الرواية كل فئات لبنان في حربهم الأهلية التي لم تعرف الانتهاء إلى يومنا هذا وخطت رواية من خيال وواقع من ألم ووجع وشوق لعودة لبنان للأيام الخوالي ، الرواية موجعة و تحمل كم كبير من البؤس وترثي لحال لبنان الذي انقلب خلال هذه الحرب إلى بلد الطائفية وبيع الأعضاء و تجارة السلاح بلد الجنون والموت فجعلت اللبناني يرحل من بلده أو يحلم بالرحيل وتبقى كوابيس لبنان تلاحقه في منفاه الكلام عن الرواية يطول فهي متعبة و تحمل في طياتها الكثير من الحزن وتمثل معاناة شعب جعلته السياسة والطائفية يقتتل لأعوام طوال ويدمر بلد كان أوروبا البلاد العربية رغم حجم الرواية الكبير إلا أنك تغرق فيها وبشخوصها الذين أعطوا للرواية جمالا آخر أثرت بي الكاتبة (ماريا)التي أتت إلى لبنان فغرقت في كوابيسها وهلوساتها الأدبية التي لا حدود فيها بين الواقع والخيال والطبيعة والجنون وبين علاقاتها بمجتمعها وبأبطال رواياتها وقصصها في الرواية كان لكل شخصية بعدا فنيا يمثل الواقع اللبناني و يُعرف بفئة معينة وتأثير هذه الحرب عليها غادة السمان أديبة عبقرية مبدعة تعرف كيف تستفز القارئ في كل عمل تكتبه ورباعية لبنان خير دليل على ذلك
رحلة شيقة مع رواية سهرة تنكرية للموتى أخر جزء من "رباعية بيروت" وكأنني أهربُ من نهايتها فبيروت تلك الحقبة من الجزء الأول إلى هذه الأخيرة تشبه واقعنا اليوم ، وكأنني خائفة من أن أضيع بين واقعي وأحداث تلك الروايات، أغلقتُ الرواية ونظرتُ طويلاً للأشجار وللأطفال الذين يلعبون مع مواشي أهاليهم وللأطفال الذين يلعبون على سيارات الجيش المتروكة على حواف الشوارع، إبتسامة صغيرة لطفل في الخامسة وتلويحه صغيرة مني جعله يبتسمُ ملئ وجهه، أطفال أبرياء لا يعرفون التنكر، دنيانا تعلمهم بمرور الأيام وجوهاً مختلفة للأقنعة. يسألونني " آلا تتعبين من القراءة في طريقٍ طويل كهذا بعد العمل مع الأطفال " " أبتسم بشحوب، لا العمل مع الأطفال يتعبني ولا القراءة ، ما يُتعبني واقعنا، واقعنا .! " يصيبني الشلل حين أكون عاجزة عن تقديم شيء أكبر من طاقتي ..
أعود لأبطال الرواية الذين يقضون إجازة غريبة في بيروت أضيعُ في أحداثها، وكأنني أكتبُ مع ماريا روايتها الجديدة وأفكر بنهايات الأبطال، وكأنني أشارك سعيد مرسمه وأبحثُ في مخيلتي عن خيال أشياء تُناسبُ شكل أيامنا هذه، وأتذكرُ كابوسي المرعب بأنني سأموت قتلاً برصاصة طائشة وأحاول أن أرسمها في مخيلتي وقد أرسمها يوماً ما على الورق !
وأشاركُ الجميع أحداثهم في بيروت الجديدة ما بعد الحرب ..
الأن وصلنا لمدينتي وفتحتُ عينيَّ على صوت صديقتي فقد كنتُ شاردة مع كل هذه الأفكار ..
صدّق أو لا تصدق.. هناك بالفعل "سهرة تنكرية للموتى" حدثت - وربما لا زالت تحدث للآن- في لبنان، وقد وصفتها الأديبة غادة السمان
" زمن السهرات التنكرية للأطفال الموتى الذين تم اغتيال طفولتهم بلا رحمة بالحرب أو بالغربة، أو بالسلم المزور.. والنتيجة واحدة" !
القصة:
قبل بداية عام 2000م بأسابيع قليلة، وفي مطار باريس، تجلس أربع نساءٍ مع شاب في انتظار موعد اقلاع طائرتهم المتجهة إلى بيروت:
"دانا" الشابة الجميلة اللبنانية الأصل الفرنسية الجنسية، التي عاشت معظم حياتها مع أسرتها في فرنسا، وتهدف من زيارتها الآن للبنان ايجادَ وكيل تجاري عربي للشركة التي تعمل بها
ووالدتها "سليمى" السيدة اللبنانية الأرملة الثرية التي تحب التباهي بمظاهر ثرائها.. وتريد الآن تفقد أملاك العائلة في لبنان
والكاتبة المشهورة: "ماريا" التي تعود للمرة الأولى من بعد غياب طال جداً عن لبنان الذي أحبته بجنون بعد أن لجأت إليه من بلدها الأصلي، ولكنها اضطرت للهرب منه أثناء الحرب الأهلية ولم تعد لغاية الآن أي حتى بعد 8 سنوات من انتهاء الحرب!
والطبيبة الشابة الفرنسية "ماري" المفتونة بحكايات ألف ليلة وليلة وسحر الشرق، وقد جاءت في ضيافة صديقتها "دانا" لترى لبنان
ثم الشاب "فواز" اللبناني الأصل الفرنسي الجنسية، والذي عاش معظم حياته في الغربة مع والدَيْه غير مهتمٍّ بلبنان أبداً ، لكنه الآن يهدف لبيع بيت العائلة القديم -ميراثه بعد وفاة أبيه- ليبدأ بثمنه مشروعَه الخاص في فرنسا ولتتمكن والدته من التقاعد والراحة..
ولكلٍّ منهم حنينه..
" حاجتنا لمعانقة أشيائنا المحببة وكتبنا وأوراقنا ولوحاتنا وأركاننا الصغيرة التي عشنا فيها لحظات حارة فتحولت من أماكن إلى أجزاء من روحنا متناثرة من أزمان القلب على جغرافيا البيت والشرفات، كأن العودة إلى بيروت عودة إلى الفردوس المفقود"
وفي نفس الوقت كلهم بلا استثناء ينويها إجازة قصيرة جداً، فلكلٍّ منهم مخاوفه العظيمة من هذه الإجازة! بسبب الصورة المرعبة المتشكلة في أذهانهم عن بيروت أثناء الحرب والمليشيات المسلحة وإختطاف الرهائن والقتل على الهوية و....!
ولأنهم يتصفحون جريدة لبنانية أثناء الانتظار في المطار يبدأ لبنانيون آخرون بالتقاطر على طاولتهم:
"ناجي نجيب" حامل الجنسية الفرنسية، والذي يعمل نادلاً في مطعم بيروتي شهير في فرنسا..
و"عبد الكريم الخوالقي" الذي يظنونه - من اسمه- ابن رئيس وزراء دولة (قهرستان) المتنفذ الثري جداً، فيستمرئ اللعبة مستغلاً أنهم لا يعرفون عبد الكريم الأصلي!
ثم "وليد الموالحي" الشاب الوسيم.. والذي تقع السيدة سليمى الثرية في حبه رغم أنه أصغر منها بعشرين سنة!
ولكلٍّ منهم حكايته الخاصة، والتي تتعلق جميعها بشكل أو بآخر بلبنان زمن الحرب وما بعد الحرب..
ومع مضيِّ الأيام في بيروت يكتشفون أن ما كان في أذهانهم من صور مرعبة من أيام الحرب قد تلاشى.. فلا خطف ولا قتل على الهوية ولا رهائن ولا تهجير قسري.. لكنهم يكتشفون ما هو أسوأ وأكثر رعباً.. !!
تحول زعماء مليشيات الحرب إلى حيتان اقتصاد تأكل الأخضر واليابس! كل منهم زعيم مافيا متكاملة!! تقاسموا سراً لبنانَ بأرضه وناسه وخيراته واغتنوا وتضخموا ! هناك طبقة ثرية ومرفهة بشكل لا يُصدّق.. وسُحقت الطبقة الوسطى بينما يملأ الفقراء الشوارع! مشاكل في الكهرباء والماء والنفايات، والشباب يقفون بالطوابير الطويلة أمام سفارات الدول للحصول على أي تأشيرة سفر يبدؤون بها حياتهم!!
بات الوضع في لبنان أسوأ بكثير من أيام الحرب.. ولا زال أمراؤها ذاتهم يقتسمون كعكته!!
"أهذه بيروت أم دمعة متحجرة جفنها البيوت؟ وصرخة مذبوحة الحنجرة تقمصت أجساداً تهرول بين الحواجز اللامرئية والمرئية"
(الرواية تصف حال لبنان ما قبل عام 2000م بقليل.. وها نحن في الـ 2020 ولا زال الوضع كما هو بل أسوأ !! )
وهكذا تتحول اجازة كل واحدٍ منهم لغير ما يريد
" إنها اجازة مع الظواهر الغرائبية في مدينة لا يعود أحدٌ منها كما كان، أو لا يعود أبداً.. مدينة الصراعات الإجتماعية والإقليمية والعالمية، حيث يكاد الإنسان الشريف عاشق الحرية يختنق فيهاجر أو يحلم بالهجرة.. إنها رواية الجوع والتخمة.. رواية القمع والحرية...."
تحليل رواية "سهرة تنكرية للموتى" لـ غادة السمان:
بالكاد يستغرق السرد 5% من الرواية، والحوار بين الشخصيات 15% أما معظم الرواية (80%) فللمونولوج الداخلي للشخصيات!
كل شخصية تُحدِّث نفسها كثيراً.. ومن خلال هذا الحديث الداخلي تتضح أبعاد كل شخصية ونواياها وذكرياتها وأحلامها وتحولاتها النفسية و هذيانها....!
أستطيع أن أقول أن الهذيان هو الخيط الذي يَنْظُم جميع شخصيات الرواية تقريباً!
فـ "غادة" تلعب على العامل النفسي والهذيان للشخصيات بشكل كبير،
فشخصية "الكاتبة" مثلاً (ويبدو لي أن غادة جعلتها معبرة عنها هي شخصياً) تتخيل شخصيات أبطال رواياتها أحياءً أمامها! بل وتتخيل احدى شخصيات رواياتها وقد كبرت وتغيرت مبادؤها وتلاحقها وترعبها وتخطفها وتهددها بالقتل..!! كما تدمج بين الواقع والذكريات كثيراً فتبقى في حيرة: هل ما رأته قبل ثوانٍ كان حقيقياً أم خيالاً ؟!
وتخاطب أبطال رواياتها:
"صباح الخير يا أحبائي، خذوني إلى قلوبكم فقد جرحتني الغربة ورشّت المطارات ملح الوحشة على جراحي وأنا صامتة ومتماسكة لا أنزف إلا على الورق! خذوني إلى قلوبكم ودللوني! "
أما "عبد الكريم الخوالقي" فيستغل تشابه الأسماء مع ابن رئيس وزراء دولة ( قهرستان) للاحتيال وكسب المال، ويعيش ذكريات حياته في باريس وزوجته الفرنسية التي يعشقها رغم أنها تسخر دوماً من فقره وتطالبه بالمال الكثير.. ثم في النهاية نكتشف أن كل ما عاشه من ذكريات كان وهماً والحقيقة عكس ذلك!
و"ناجي" نادل المطعم، والذي يعايره أهله كلما عاد لزيارتهم أن غيره من المغتربين عادوا بكنوز بينما هو لا زال مجرد نادل مطعم، يصل حاله أيضاً للهذيان، ب��خصيتين متناقضتَيْن: (ناجي) البريء الطيب المشتاق لأمه.. و (فهيم) ذو النابين الطويلَيْن كمصاص دماء!
ثم تُصدم -أيها القارئ- غاية الصدمة حين تكتشف أن شخصيّتان كاملتان من شخصيات الرواية ما هما إلا جزءٌ من هذيان إحدى الشخصيات الأخرى للرواية!!
الرسام "سعيد" أيضاً يهذي، فبعد قتله شخصاً بالخطأ، يرى نفسه في أحلامه مرتكباً لجرائم قتل أخرى ثم يجد في اليوم التالي في الصحف صورة القتيل وتفاصيل قتله بالضبط كما رأها في منامه!!
حتى "فواز" -وهي شخصية التي بها بدأت الرواية وبها انتهت- تصل به الأحداث أن يهذي أيضاً، ويرى أشباحاً وموتى، وحفلات تنكرية للموتى في بيته!!
لغة الرواية سَلِسَة وعميقة في ذات الآن.
الخَيال وافرٌ جداً، والصور الفنية مذهلة، وهذا من أهم ميزات الروائي الموهوب.
المونولوج الداخي للشخصيات قد يكون مربكاً للقارئ في البداية لكنه سرعان ما يأخذ بإعجابه.
نقد :
يزعجني هؤلاء القومجيين أو البعثيين أو المثقفين أو المتحررين أو التنويريين أو.. بنقطة أصيلة لديهم ومتكررة في غالب أعمالهم الأدبية، وهي في هذه الرواية واضحة جداً، وهي:
تصويرِ حياة أبطال رواياتهم ممتلئةً بالشربِ، والعلاقاتِ الجنسية الكثيرة جداً خارج الزواج، والتي يصفونها في كتاباتهم بكل تفاصيلها أحياناً بأسلوب مباشر فج، وأحياناً -كما في هذه الرواية- بأسلوب الكناية والتورية الأدبية الموحية بالتفاصيل!
والاهتمامِ المبالغ فيه بفنٍ مترفٍ مثل الرسم أو الرقص أو الموسيقى -غالباً على الطريقة الأوروبية أو الروسية-
ناهيك عن كمية هائلة من اللمز بالحجاب والرجال الملتحين والنساء الراضيات بالعيش بسلام في أُسَرٍ عادية
واتهامٍ خفي للأديان بأنها سبب الفُرقة ولا تحقق السلم المجتمعي - ولا يفرقون بين التعايش الإجتماعي السلمي بين أهل الأديان في البلد الواحد، وذوبان الشخص في الأديان الأخرى ومسح دينه!
وربما يضاف أحياناً كثيرة التلميح بفِرية "الإرهاب الإسلامي"!
ثم بعد هذا كله يجعلون أبطالهم هؤلاء محبين للوطن، ومناضلين ضد الفساد والطائفية، ويموتون حزناً على ما آل إليه حال الإنسان في الوطن من فقر وجهل وتعصب!!
وهذا التناقض يصيبني بالذهول!! كيف استطعتم فِعلها؟!!
كيف تقولون أن البطل الذي له هذه الحياة الماجنة وهذه المبادئ المتضادة في رواياتكم يحارب الفساد ويريد انقاذ الوطن ممن يعيث فيه إجراماً وفساداً؟!!
هل تحاربون الفساد المالي وتنسون الفساد الأخلاقي والفكري الذي تدعون إليه بشكل غير مباشر من خلال أبطالكم هؤلاء؟!!
هل تظنون أن القتل والسرقات والرشاوي هي وحدها من يفسد الأوطان ويؤهلها للطوفان القادم؟!! ماذا أيضاً عن الفساد الأخلاقي للناس؟؟ ماذا عن تمييع الأديان في أذهان القراء وأنتم تظنونها صوفية جميلة أو تعايشاً حامياً من العاصفة؟!! ماذا عن الدعوة المباشرة وغير المباشرة للشرب والجنس وازدراء مظاهر التدين ( ويشمل التدين المسيحي.. وإن كان أكثره موجهاً للإسلام) ؟؟
ثم أين الواقعية في أبطال هذه الشخصيات؟؟
مثلهم موجودٌ في مجتمعاتنا.. نعم.. لكن كم نسبتهم؟؟ كم يمثل هؤلاء المتحررين لهذه الدرجة من مجموع الناس؟!! هؤلاء الذين يجعلون أولويات حياتهم الشربَ والرقص والعلاقات غير الشرعية والسفر والتباهي بمعرفة الرموز الثقافية الأجنبية حتى صارت بالنسبة لهم كشرب الماء أو أسهل؟!!
لماذا تركزون عليهم في كتاباتكم وكأنهم هم المجتمع كله، أو نخبته، أو صالحوه وقدواته؟!!
ولماذا تقدمون شخصيات المتدينين في أعمالكم الأدبية والفنية بنمطٍ لا يخلو من أربعة نماذج سيئة:
وإما المتدين الذي له ماضٍ سيء ويريد الآن أن يستره بقماشة التدين!
وإما المتدين القاسي على زوجته وإناث أسرته!
وإما -إن ذكرتم المتدين بأسلوب حسن- المتدين الدرويش الأهبل المجذوب الذي يتحدث بعبارات هلامية مطاطاة -وربما مشوهة- عن معانٍ قلبية للدين وبضعة أذكار.. على طريقة راقصي الصوفية!
غالباً لا نجد في أعمالكم احتراماً للمتدين الواعي الذي يمارس دينه عبادةً وأخلاقاً ومنهج حياة! ولا نجد نقلاً موضوعياً منصفاً للمتدين من حيث هو بشر يخطئ ويصيب وله ايجابيات وله سلبيات، بل تعرضون أخطاء بعضهم وسلوكياتهم السيئة على أنها بسبب الدين نفسه لا بسببهم هم كأشخاص فهموا الدين بشكل خطأً!
ليتكم تعرضون كل نماذج المتدينين في مجتمعاتنا، حَسَنِها وسَيِّئِها، بتوازن وإنصاف!
ليتكم تكفون عن تصوير المثقف أو البطل الثوري المهتم بقضايا الوطن بصورة شَرِهِ التدخين، كثير العلاقات النسائية، مستسهل الشرب، المتيَّم بالفن الأوروبي أو الروسي، والساخر من المتدينين..... ليتكم تتوقفون عن هذه الصورة لأبطال رواياتكم التي باتت نمطية بشكل يثير الغثيان والضحك معاً!!
بغير هذه النقطة فغادة السمان أحسنت في وصفها لكل "سهرة تنكرية للموتى" تُقام الآن في لبنان ما بعد الحرب!
#إنعام_عبد_الفتاح قرأتها في شهر 2 / 2020 وكتبت هذه المقالة المراجعة لها في نفس اليوم... لكن نشرتها في موقع رقيم (قسم مكتبة ميم) بتاريخ 11 / 3 / 2020م ... واليوم أكتبها هنا في موقع الجودريدز ....
هي رواية تشهد اكبر عدد من الأبطال المغتربين في فرنسا،جميعهم اجتمعوا لغاية واحدة وهي العودة إلى لبنان بلد الأم ...ولكنهم اختلفوا في مخطاطاتهم فمنهم من أراد عودة أبدية ومنهم من أراد معرفة مدى شوقه وحنينه للبلد الذي تغير كثيراً منذ أيام الحرب....وفي بئر انغامسنا في سطور هذه الرواية نحسس بالأمل والإحباط والخير والشر والأحلام والكوابيس والعشق والكره كلها في آن واحد
this noval banges the exictment with the moment you start reading! u may fall in love with some characters and despise others to the core ! As known with novals, it's ups and downs! you never know when it will take you ! and how it will end !!
رواية : " سهرة تنكرية للموتى " للكاتبة والأديبة السورية غادة السمان ، تقع الرواية في 336 صفحة من القطع الكبير الطبعة الثانية 2005 م من منشورات غادة السمان هذه الرواية طويلة لكنها ممتعة جداً ، كشفت لي مدى الثقافة والخيال وجودة الحبكة ودقة التفاصيل وروعة الوصف . إنها تتحدث عن سبعة من المغتربين والمغتربات من أصل لبناني حضروا لقضاء إجازة في لبنان برفقة طبيبة فرنسية . هذه الرواية تحكي عن قصة لبنان قبل وبعد الحرب الأهلية، وحال الناس وكيف تبدلت بيروت ! لكل شخص من هؤلاء السبعة قصة وتناولتها المؤلفة بشيء من التفصيل .
"سهرة تنكّريّة للموتى" رواية للأديبة السّوريّة غادة السّـمّان. تتألّف الرّواية من 335 صفحة، وتحكي فيها سيرة مجموعةٍ من المغتربين اللّبنانيّين، والذين يلتقون مصادفةً في المطار الفرنسي قبل إقلاع طائرتهم التي ستوصلهم إلى بيروت ليقضي بعضُهم إجازةً، وليقومَ بعضُهم الآخر بمهامّ مختلفة. يصلُ الجميعُ إلى بيروتَ، وتبدأ السّهرةُ التّنكّريّةُ. شخصيّاتُ الرّوايةِ الأهمّ: - فوّاز: عاد إلى بيروت ليبيعَ منزلَ عائلته، ويعودَ بالمالِ، لكنّهُ يقعُ في حبّ الفتاة البيروتيّة سميرة. - ماريا: كاتبةُ الرّوايات الشّهيرة، والتي تتماهى مع أبطالِ رواياتها فتعيشُ معهم، وتحادثُهم. - ناجي: يعملُ نادلاً في مطعمٍ لبنانيٍّ بباريس، ولم يستطعْ جمعَ المالِ من غربته، فعادَ فقيراً بائساً. - عبد الكريم الخوالقي: يتطابق اسمهُ مع اسمِ نجلِ رئيس وزراء دولة قهرستان، فينتحلُ شخصيّته لكسبِ المالِ، وسرقةِ النّاس. لو أردنا تحليلَ اسم الرّواية لوجدنا أنّ المقصودَ بكلمةِ (سهرة) هو فترة الإجازة القصيرة التي سيقضيها هؤلاء المغتربون في لبنان. والمقصودُ بكلمةِ (تنكّريّة) هو حالةُ ارتداءِ الوجوهِ الكثيرةِ لكلِّ شخصيّة، فالبعضُ سينتحلُ شخصيّةً أخرى، والبعضُ الآخر سينزعُ الوجهَ اللّائقَ به، ويرتدي وجهاً يراهُ أجملَ. وأمّا كلمةُ (للموتى) فالكثيرُ من الأبطالِ سيموتون ضمنَ أحداثِ الرّواية. تحكي الرّوايةُ حالةَ لبنان بعد سنواتِ الحرب الأهليّة التي جعلَتْ لبنانَ مرتعاً للقتلةِ، ورجال المافيا، والفاسدين. وتبحثُ الرّوايةُ في علاقة المغتربِ بوطنه، وكيف يرتبطُ به بوشائجَ لا يُفَكُّ عُراها في حياته أو بعد مماته. تقييم الكتاب: 5/4
"خائف. إني خائف من زيارتي هذه إلى بيروت. خائف من مدينة أتكلم لغة أهلها ولا أتكلمها حقاً، ولم أزر��ا منذ ثلاثة عشر عاماً وكنت صبياً على أبواب مراهقة تعمدت ولادتي بالحرب اللبنانية بعد عام من صرختي الأولى في هذا العالم المتوحش. لم أر بيروت على شاشة التلفزيون الفرنسي إلا مسرحاً للحرائق والمعارك والرهائن والموت وتمجيد الموت. خائف من نبوءة الذي يغطي مطار باريس ويعرقل إقلاع الطائرات؛ ربما لأن طائرة بيروت من الضباب... وقدرها من ضباب ورأسي كله من ضباب. ولعل الضباب يتدفق الآن من عيني وأذني وفتحتي أنفي وفمي وثيابي، ولعلي رجل من ضباب. حدّق فواز في وجه دانا. ابتسمت له بودّ أليف. اطمأنّ إذ أدرك أنها لا ترى الضباب الذي يسيل من روحه عبر شقوق جسده، ولا تعرف أنه يراها ضباباً كالمرئيات كلها في هذا اليوم والذكريات كلها وربما المستقبل كله. إذن لم يسقط قناعي التنكري الهادئ عن وجهي.. بالمقابل ربما كان من الأفضل لي فتح جرحي قطبة بعد أخرى والاعتراف بخوفي لنفسي".
هموم لبنان وشجونه ساكنة في قلب ذاق عذابات أحداثها، رحل عن أرضها خوفاً على حياتهن لكن قلبه ما زال مزروعاً فيها. وفي عوده بعد زمن برفقة آخرين، تنطلق الروائية في استحضار أحداث، مزدحمة بوتيرة الحياة الاجتماعية السياسية الاقتصادية اللبنانية، والتي تتشكل من خلالها صور الحياة بكل متناقضاتها. بكل مساوئها وبكل محاسنها، بفرحها وحزنها، بضيائها وظلامها، بإنسانيتها وبشيطانيتها. رواية وكاتبة وأسلوب سهل ممتنع يرتقي بالعمل الأدبي إلى مراتب الإبداع.
من باريس إلى بيروت ، هل للحرب عقل ؟ هل نستطيع النسيان ؟ هل نتغير بعد كل هذا ؟
واسئلة اكثر وجنون اكثر واكثر ، يجعلك معلقًا بين حب وكره مدينة عصية على الفهم ، كيف يؤذيك الحب ويعذبك فتكون قويًا او ضعيفًا او غبيًا ، أنت وحدك تتخذ قرار الجنون / الموت الخاص بك
شخوص كثيرة ، مختلفة ومتداخلة ومتشابهة احيانًا فعليك أن تقرأ بمهل لتعيش معها ولا يضيعك طول السرد ، قدرة "غادة" على السرد مدهشة تنتقل بك من عالم الجنون إلى العقل بسلاسة ، تركض حينًا وتجلس امام البحر فوق غيمة حينًا اخر عندما تقرأ "غادة" أنت لا تستطيع إلا ان تعيش معها..
تبدأ الأحداث بطائرة تحط من باريس في مطار بيروت، تحمل من بين ركابها: سبع مهاجرين لبنانيين، وطبيبة فرنسية، خلال الفترة ما بعد الحرب الاهلية، تتناوشهم مشاعر، وذكريات، ومخاوف مختلطة، بل وأحلام، وكوابيس تبرز خلالها. كما تقول الكاتبة في تعبيرها موزاييك الجنون البيروتي "فوران الحياة والموت، أشباح تمسك بالمارة في وضح النهار، مصاصي الدماء، والأحياء الأموات الزومبي" تتحدث الكاتبة غادة السمان ضمن الرواية عن زمن ما بعد الحرب، وظهور مافيات السلم، ونجوم الاحتيال، كما تتحدث بالطبع عن الحب
الرواية جديرة بالقراءة لا سيما وأنها تتناول المشاعر التي يشعر بها المهجر عند عودته لبلاده الأم.
أولاً اندهشت كون السمان سورية .. الكتاب عن الوجع بين المهجر والوطن لبنان .. الرواية تحكي عن لبنان قبل الحرب الأهلية وبعده .. سبعة أشخاص مغتربين .. يعودون للبنان في إجازة .. فتسرد الكاتبة تفاصيل حياة كل فرد بشيء من الإسهاب .. كنت قد بدأت بالكتاب قبل سنوات ولم أتمكن من إكماله .. لقد نفرت نفسي منه .. أعود اليوم وأنا أكثر تقبلاً للكتاب .. لمؤلفة أعشق حروفها .. الرواية جيدة وفي من الإمتاع الشيء الجيد .. ما أنكرته في الكتاب الجنس في كثرتها ولكل الأبطال .. كرهها للمتدين .. أو عقدة المتشبث بدينه ..
كل ما في هذه الرواية مُذهل، بدءاً بصورة الغلاف (ولا أدري أي عبقري اقترح أن تكون صورة كهذه غلافاً للرواية لكنه عبقري بالتأكيد)، وانتهاءاً بالمشهد الأخير الذي تتمزق فيه لبنان على موائد السياسيين والطائفيين وخبراء النصب والاحتيال وغسيل الأموال وتجارة الأعضاء!
تدور أحداث الرواية حول مجموعة من المغتربين في فرنسا والذين جاؤوا لأسباب مختلفة في إجازة الى بيروت، ثم تحولت تلك الإجازات جميعها إلى مغامرات محفوفة بالخطر، محاولات الخطف والقتل، كوابيس وهلوسات، قصص حب غير عادية وفي معظمها خارجة عن المألوف.. لقاء الأحياء بالأموات وتداخل العالم الحقيقي بالعالم الوهمي..
لم أشعر انني أقرأ رواية، بل انني غرقت في مجموعة من الجروح المفتوحة، كنت انزف بالفعل مع كل حدث.. أعيد قراءة بعض الأجزاء للتأكد من كوني لم ألحق بماريا في عالمها الخيالي، ولم أتأثر بجنون فايز او ناجي.. لقد قدّمت غادة السمان روايتها كما أرادتها تماماً.. جنون وهذيان وخيال يتشابك بالواقع في كل مرة.. ودراما نفسيّة تأخذك إلى أبعد نقطة على هذا الكوكب ثم تعيدك من جديد..
المذهل في الرواية هو قدرتها على تقديم اللامنطق بشكله الحقيقي..ليس بإمكانك أن تقرأ هذه النصوص وتحتفظ بتحليلك المنطقي للأمور.. بيروت التي أصابها جنون الحرب والطائفية والدم.. وانتشرت فيها الجرذان والأفاعي غير مبالية بشيء.. بيروت التي شهدت الموت مرّات ومرّات... لم تمتنع عن الرقص والغناء، حتى على أنقاض القبور.
ماريا، الكاتبة المجنونة التي لم أفهم معها متى ينتهي الواقع ومتى يبدأ الخيال، ظلّت طوال أجزاء الرواية تهرب الى خيالاتها المجنونة.. وتهرب من أبطال رواياتها الذين يلاحقونها ويهددونها بالقتل في كل مرّة..
فايز، الشاب الباريسي المتّزن، وصل إلى لبنان عاقدا نيته على بيع بيت والده القديم والعودة بالمال إلى باريس، فوجد نفسه يغرق في بيروت وبحرها وشواطئها ويلتحم بها .. لم تكن بيروت إلا "سميرة" التي أحبها وأحبته، ووجد فيها ذاته الحقيقية، ولكنها رفضت أن تهاجر معه، وبقيت في لبنان حيث حياتها ووجودها.
عبد الكريم الخوالقي، الذي أصبح بمحض الصدفة متقمصاً لشخصية رجل سياسي كبير، لم يجني ما يجنيه السياسيون من مال ونفوذ، لكنّه حصل على رصاصة في رأسه ليموت هو ويحيا عبد الكريم الأصلي ويكمل فساده وحياته، عبد الكريم كان أول ضحايا قناعه التنكري، ولكن ليس آخرهم.
لقد أخذتنا غادة السمان الى عالم غريب، حيث الموتى الأحياء -الزومبي- يعيشون بيننا ويمتصون دمائنا..وتُجار الأحلام يبيعون الناس الوهم على أبواب السفارات .. ولكن حين تمعن النظر، فهذا العالم ليس غريباً أبداً.. بل هو الواقع بصورته التي نرفض أن نراها.. ولكن غادة السمان تراها ولا ترى مشكلة في عرض هذه الصورة بكل بشاعتها ..غريبة هذه السيدة، غريبة وقوية ويائسة ومشعة بالحياة.. وتسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية التي نسينا معظمها..ترى الأمور بعين ثاقبة، لا تجامل ولا تجمّل.. انها كبيروت تماماً
بيروت الحب.. والرقص.. والجمال .. بيروت الخوف والقمع ومراقبة الرسائل الهاربة.. بيروت الصراع المحموم على السلطة! بيروت التي تموت وتحيا على انغام التانغو..بيروت كما أسمتها غادة السمان .."موزاييك الجنون المستمر"!
ليست سيئة مقارنة مع أول عمل رروائي أقرأه لغادة ، في البدء كان يبدو أنها متوثرة و كأن الحوارات بدأت تهربُ منها دون مقاومة ، بل و تتحول إلى ركاكة لغوية ، لكن حين تجاوزت الفصول الأولى بدأت تُمسك الخيط بوضوح فتمكنت من الوصف و أجادت الحبكة ، عتبي عليها أنها أرادت أن تمنح القارئ رواية ميتافيزيقية / دراماتيكية / إلا أنها سكبت على كل شخصياتها نفسه الطابع التخيلي ، فلو أنها حصرت جنون المخيلة / الواقع في الكاتبة ماريا لكان الأمر جيدا و قابلا لأن يكون وصمة مدهشة
على كل : فالكتاب تناول وجهات نظر مختلفة لكنها تصب في مصب واحد هو لبنان الشريدة / المتغيرة و الآكلة للقلوب و العقل ، نوستالجيا يُمكن لها أن تمنح القارئ بعضا من العزيمة لقراءة التاريخ بعوراته و أزماته و خيباته و حتى هزائمهِ المدوية
كتاب هادف يستحق القراءة و يلهم الشخص بالكتابة ، يدمج القارئ بانسجام في الكتاب كأنه جزء من موزاييك لبنان ، لا يخلو من الواقعية رغم كثرة الخيالات المستعملة ،و لكنه يعتمد على المونولوج كاملا . اعتراضي على حجم الصفحة و الغلاف !
غادة السمان حالة لن تتكرر كثيرا لغز لم ولن يتكرر فقد استطاعت في هذه الرواية أن تحملنا إلى لبنان التى لا نعرفها نقلت إلينا نبضها والمها معاناة من عاشوا فيها ومن هربوا منها فالرواية بالنسبة لى رحلة إلى أعماق لبنان لم ولن تتكرر
لا يرحل عن بيروت الا من احبها بصدق، الا من يتوق الى العودة اليها كل يوم، الا من تبقى صورة بيروت الجميلة في قلبه... ويبقى في بيروت.. من لا يستطيع مغادرتها ومن يبقى ليفسد فيها ويستغلها حتى الرمق الاخير ومن احبها واحب اهلها وتغاضى عن مساوئها وسلبياتها وتحملها في سبيل حبه الكبير....