لنتحدث عن طبيعة المال كما أدركها الإمام علي ، و عن طبيعة صاحبه.
دلّ إلامام العقلُ ، كما دلّته التجربة الواسعة و الملاحظة الدقيقة ، على أن للمال شخصيةٌ قائمة بذاتها ، من شأنها أن تتسع و تمتدّ و تنتفخ ، و ألّا تشبع من التمدد و الانتفاخ مهما تباعدت أطرافها في الجهات الستّ و مهما تراكم في جوفها مما ابتلعتْ. بل إنها تطلب المزيد أبداً حتى إذا زاد اتساعُها و انتفاخها زادت حاجتها إلى غذاءٍ جديد.
و لما كانت طبيعة المال و طبيعة صاحب المال وحدةٌ متعاونة ، فإنّ علياً يتحدث عن شخصية المال متّحدة ، أكثر الأحيان ، بشخصية صاحبها بوصفه الآلة التي تُسيّرها أصابع المال عندما يسعى في الامتداد و الانتفاخ. يقول في معنى طبيعة المال المتحدة بطبيعة صاحبه:
" فإنّ الدنيا مَشغلةٌ عن غيرها. و لم يُصِبْ صاحبُها شيئاً إلا فتحتْ له حرصاً عليها ، و لَهجاً بها. و لن يستغني صاحبها بما نال فيها عمّا لم يبلغْه منها. " .
و يقول عليه السلام : إياك و مصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. و إياك و مصاحبة البخيل فإنه يبعد عنك أحوجَ ما تكون إليه. و إياك و مصادقة الكذاب فإنه كالسراب ، يقرّب عليك البعيد و يُبعد عنك القريب.
لا صديق لمتلوّنٍ و لا وفاء لكذوب ، و لا راحة لحسود ، و لا مروءة لدنيء.
إياكم و الخديعة فإنها من خُلق اللئام.
و اللهِ ما معاوية بأدهى منّي ، و لكنه يغدر و يفجر ؛ و لو لا كراهيةُ الغدر لكنتُ أدهى الناس.
إفعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا ، فإن صغيره كبير و قليله كثير.
عندما بدأت بقراءة هذا الكتاب المجزأ لستة مجلدات تحت عناوين مختلفة في شهر، كنت أعتقد أنني سأقضي وقتاً طويلاً للانتهاء منه، لا سيما أني لم أعتد قراءة هذا النوع من الكتب، ولكنني، ومنذ الصفحات الأولى، وجدت نفسي أمام سيرة تاريخية غير تقليدية، كنت أمام ملحمة فكرية صاغها أديب مسيحي مفتون بقيم الحق. فهذا الكتاب ليس مجرد رصد لحياة الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، بل هو مانيفستو إنساني يبحث عن العدالة المفقودة في عالم الصراعات.
ينطلق جورج جرداق في الكتاب من رؤية إنسانية شاملة، متجاوزاً الأطر الدينية والمذهبية الضيقة، فهذا الكتاب ليس مجرد تأريخ لحياة الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، بل هو محاكمة فكرية لعصر بأكمله، ومحاولة لاستنطاق القيم الكونية التي جسدها الإمام. يرى جرداق في الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) نموذجاً أعلى للإنسان الذي تتوحد فيه قوة الفكر مع استقامة السلوك، معتبراً أن عبقريته تنبع من كونه صوتاً أزلياً للحق لا يحده زمان أو مكان.
أكثر ما أعجبني أن الكاتب اعتمد منهجاً مختلفاً يقوم على المقارنة الحضارية، حيث عقد موازنات فكرية بين مبادئ الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وبين كبار فلاسفة الغرب ومنجزات الحداثة. في مجلد علي وسقراط، يحلل جرداق التشابه في البطولة الأخلاقية والتمسك بالحقيقة حتى الموت. وفي مقارنته مع الثورة الفرنسية، يثبت أن شعارات الحرية والإخاء والمساواة كانت دستوراً عملياً في نهج الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) قبل قرون من صياغتها في أوروبا، مما يعطي للفكر العربي والإسلامي صبغة السبق العالمي في ترسيخ حقوق الإنسان.
أجمل ما في الكتاب أن جرداق ابتعد عن السرد الزمني للأحداث واعتمد بدلاً من ذلك منهجاً موضوعياً مقارناً نقل به فكر الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) من إطاره المذهبي الضيق إلى فضاء القيم الكونية.
هذا الكتاب، من وجهة نظري، وثيقة إنسانية عابرة للأديان استطاع فيها الكاتب تقديم الإمام علي ابت أبي طالب (عليه السلام) كإرث للبشرية جمعاء، فهو ليس مجرد سيرة، بل دعوة لإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية ومذكراً بأن العدالة هي جوهر الوجود الإنساني وسر عظمته.