لثلاثين سنة خلت كتبت هذه الدراسة عن ثورة الزنج الكبرى في العصر العباسي، وعن قائدها علي بن محمد. وسلطت الأضواء على العوامل السياسية والاجتماعية، وخصوصاً الاقتصادية، التي كانت وراء اندلاع هذه الثورة ذات المنحى الطبقي، كما عالجت الظروف العامة والذاتية التي أعانت الزنج على الصمود طويلاً أمام جيوش الخلافة العباسية. فلا يخفى أن الثورة استمرت حوالي خمس عشرة سنة (255-270هـ/869-883م)، وكانت حربة موجهة إلى قلب مركز السلطة، فمنطقة البصرة، حيث دارت الأحداث الجسام، ليست بمنأى عن بغداد، فهي ليست ولاية بعيدة من ولايات الإمبراطورية المترامية عند الأطراف. لكن الثورة أخفقت لأسباب موضوعية، ثم إن الزمن لم يكن معواناً لها، ولا لمثيلاتها، في التوطد والاستمرار كشكل من أشكال السلطة الشعبية، وكنمط من أنماط الإنتاج المتقدمة http://www.neelwafurat.com/itempage.a...
-- للثورات في تاريخ الإسلام عهد متقادم و طويل جدا ، و من يتصفح أسفار هذا التاريخ العريض سيجد سيوف الثائرين بارزة له في كل عصر و عهد ! . حيث كانت الثورات تترى دائما في كل أرض و إقليم من الدولة الإسلامية التي اتسعت آنذاك شرقا و غربا ، سواء كانت ذات دوافع دينية أو سياسية أو غير ذلك ، كثورات الخوارج و العلويين و ثورات القوميين كثورة المقنع الخرساني و غيرها مما كانت له أصداء واسعة أثرت في سير التاريخ بشكل عام . -- و من أهمها و أكبرها ثورة الزنج و التي تعتبر ثورة إجتماعية طبقية اشتعلت نيرانها في القرن الرابع الهجري ، و طالبت بالحرية و العدالة الإجتماعية و حاربت ضد الأرستقراطية و الإقطاع . و التي عصفت بالدولة العباسية و مهدت لثورات أخرى جاءت بعدها. و قد كنت قرأت سابقا عن هذه الثورة التي قادها شاعر ملأ نفوس خصومه رعبا و فزعا في كتاب الدكتور محمد عمارة الماتع ( مسلمون ثوار ) ثم قرأت عنها في كتب أخرى ، ثم لم يزل بي عنصرا التشويق و الفضول و هما يدفعانني لقراءة كتب و دراسات أخرى عنها ، حتى اقتنيت هذا الكتاب القيم و باشرت قراءته ، و كل هذا لأن هذه الثورة كانت إنفجارا إجتماعيا كبيرا ضد بؤس العبودية و قهر الظلم و ظروف الحرمان ، و من أجل نيل الحقوق العامة للعبيد في العدالة و الحريات الإنسانية و غير ذلك . و لقد عم الإضطهاد و الظلم هؤلاء العبيد الذين استجلبوا من بلدان إفريقية عديدة منها الحبشة و الصومال و السودان و غيرها للعمل في مستنقعات البصرة و حقولها الشاسعة و التي كانت مملوكة لكبار الأغنياء و التجار الذين اتجهوا في خلال ذلك القرن إلى الإستثمار في الزراعة بشكل واسع . و مما وسع الرتق على الراقع في الأحداث المواكبة لكل هذا ! هو تلك القبضة الإرهابية التي تسلط بها القادة الأتراك على مؤسسة الخلافة الإسلامية ، حتى صاروا ينصبون على عرش بغداد من يشاؤون و يقتلون من يشاؤون و يعزلون من لا يتفانون في خدمة أهدافهم ، فزادت مظالمهم و كثرت جرائرهم و اتسعت مجازرهم و الناس بين خائف أو ساكت أو عاجز أو مداهن !! . و في ظل كل تلك الظروف المزرية و الأحداث المتضاربة ، قامت ثورة الزنج بزعامة علي بن محمد ... !! و هو شخصية لا تزال غامضة نوعا ما بالنسبة للعديد من المؤرخين ! ، كون المصادر التاريخية القديمة لم تذكر عنه و عن حياته شيئا ذا بال ، سوى تلك العبارات النارية التي أطلقتها بحقه من كونه كان : خبيثا أو كافرا أو خارجيا أو ما شابه ذلك ، و هذه الشتائم المقذعة و التصورات المغرضة التي سالت بحبرها كتب التاريخ إنما هي في الحقيقة تمثل وجهة نظر المثقفين الرسميين الذين يتبنون نظرة الحكام الذين ينتمون إلى مؤسستهم الرسمية ، و نحن لا ننكر المجازر أو عمليات القتل التي نكل فيها الزنج بخصومهم و الفساد الذي انجر عن بعض تصرفاتهم ، و لكن الحكم الشمولي المنحاز على هذه الثورة من خلال الأحكام الجاهزة التي أطلقها هؤلاء المؤرخون الرسميون اتباعا منهم لمؤسسة الإستبداد السياسي التي كانوا يناصرونها هو حكم ظالم و غير شفاف ! . -- و شخصية علي بن محمد هي شخصية القائد الطموح و الجريئ الذي يريد اقتطاع دويلة لنفسه من أراضي تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف ، و لذلك فقد نظر بعطف كبير لمظالم العبيد الزنوج و تبنى قضيتهم و تولى أمر الإنتقام لهم ، فحررهم أولا من سيطرة مسترقيهم من الملاكين و الإقطاعيين البصريين ، ثم كون منهم جيشا قويا و جيد التسليح و التنظيم ، ثم قادهم في حرب توسعية شملت مجموعة من الأقاليم المحاذية للبصرة و ما جاورها ، لتبدأ ملحمته الكبرى و التي استمرت لأربعة عشر عاما من الحروب التي أنهكت الدولة العباسية و هزمت جيوشها و أعادت الحرية للعبيد الذين طالما اصطلوا بنار الظلم الإجتماعي من الأسياد الأرستقراطيين الذين كانوا يتمتعون بحماية الخليفة العباسي و حاشيته من القادة الأتراك و أمرائهم و غلمانهم . -- و من دلائل ذكاء علي بن محمد و معرفته بالتيارات السياسية و الأفكار الفلسفية التي كانت سائدة في عصره أنه استغل عقائد الطوائف و الفرق ( و خصوصا الدينية منها ) لخدمة أغراضه و لأجل توسيع نفوذه و اكتساب تعاطف الناس مع ثورته و لو كان ذلك عن طريق الأساطير و العقائد الخرافية ، فكان أن ادعى أن النبوة عرضت عليه فرفضها لخوفه من أن لا يتحمل القيام بأعبائها ، ثم زعم أنه المهدي الذي أرسلته العدالة الإلهية لرفع الظلم عن المضطهدين و إنقاذ المعذبين من أيدي ظالميهم ، وصولا إلى زعمه بأن الملائكة تقاتل مع أصحابه و تنصرهم على خصومهم في المعارك . و بمجرد أن تم لعلي بن محمد كسب تأييد العبيد و الأرقاء أسس مجلسا حربيا و قيادة عسكرية قوامها الشورى ، و تتألف من ستة قواد يجتمعون به دوريا للتخطيط و متابعة تطورات الأحداث ، كما قام ببث العيون و الجواسيس و شيد عاصمته المختارة و حصنها جيدا و بنى داخلها المخازن الخاصة بالمؤن ، و قد اعتبر بعض الدارسين أن ثورته هذه تطورت جذريا من حركة تحررية قامت لأجل تصفية الإقطاع و استرداد الحقوق إلى تمرد منظم ضد الدولة . -- و من عظيم ما قدمته هذه الثورة للناس في ذلك الوقت زيادة على أنها حررت العبيد و الأرقاء ، أنها كسرت شوكة القادة الأتراك المستبدين و أظهرتهم أمام الرعية عاجزين عن حل الصراعات الداخلية و المشاكل الأهلية للدولة ، فسقطت عنهم ثياب الفتوة العسكرية و جعلتهم يبدون للقاصي و الداني كأولئك المتشبعين بما لم يعطوا ! . حتى انبرى لدحر الثوار قائد من بيت الخلافة كان معروفا بالدهاء و الشجاعة و الفتك و هو أبو أحمد الموفق شقيق الخليفة العباسي المعتمد على الله ، و الذي خطط بإحكام و كيد شديدين للقضاء على هذا المد الثوري الهائج و الذي كاد يطيح بمؤسسة الخلافة بأسرها ! ، فكان أن قام بقطع الميرة و المؤن عن الثوار ليعزلهم عن باقي المقاطعات العباسية الأخرى ، ثم عمد لبذل الأمان لمن استسلم و ألقى سلاحه من الثوار ، إلى جانب إغداقه الأموال على قادة الزنج لينفضوا من حول زعيمهم ، و إحسانه إلى الأسرى الزنوج و إحكامه الحصار على مدينة المختارة ( و هي عاصمة الثوار و قائدهم علي بن محمد ) ، و بالنسبة للمؤلف فإن من أبرز أسباب فشل هذه الثورة هو عدم وجود برنامج ثوري محدد لها ، و انعدام التعاون بين هؤلاء الثوار و بين قادة ثورات آخرين كانوا معاصرين لهم كثورة يعقوب بن الليث الصفار و ثورة الأكراد و حركات ثورية أخرى ، إلى جانب نجاح حملات الدعاية التشويهية للثورة و أهدافها من طرف المؤسسة الإعلامية الرسمية آنذاك ممثلة في الشعراء الذين كانوا يلهجون بهجاء و لعن علي بن محمد و أنصاره في طول البلاد و عرضها ، كما أن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بعض الجند و القادة الثوريين كعمليات القتل الرهيبة التي ارتكبوها في البصرة و سبي النساء و إحراق العوامر و المدن ، كلها كانت أسبابا رئيسية ساعدت الموفق في القضاء عليهم و هزيمتهم . و في الأخير انتهت ملاحم هؤلاء الثوار و طوى التاريخ صفحتهم نهائيا ، و قتل قائدهم علي بن محمد و طاف القادة العباسيون برأسه في المدن و الأمصار و انتهى حلم تحرير الزنوج من رق العبودية إلى حين . غير أن التاريخ ينوه بفارق شاسع و مهم بين هذه الثورة و بين غيرها من الثورات الأخرى و التي كانت غالبا ما يتم القضاء عليها في المعارك الأولى بينها و بين جيوش الدولة ، إلا أن علي بن محمد و زنوجه هؤلاء فاجأوا جيوش الخلافة بالبأس الشديد و التنظيم المحكم و السيطرة القوية على الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم ، زيادة على وفرة المؤن و الإدخار الذي واجهوا به محنة الحصار الذي فرض عليهم ، و لقد بلغ الصراع بين الثوار و الجيش النظامي حدا من العنف و القسوة لم يحدث ما يشبهه في أية ثورة أخرى ، فكثرت الوقائع و المشاهد ، و سارت أخبارها في الناس و في البلاد طولا و عرضا . -- و قد كان نهاية هذه الثورة إيذانا بفتح صفحة جديدة لذلك العهد المضطرب بالفتن و القلاقل ، فاستراح الناس و تنفسوا الصعداء بعد كل هذه الوقائع ، إلا أن ذلك كان مؤقتا بسبب أن الروح التحررية كانت قد انبعثت في قلوب المظلومين بفعل تأثير ثورة الزنج التي أحيت في نفوسهم شعور الشجاعة و الجرأة في مقاومة المستبدين و الظالمين . -- و الأستاذ أحمد علبي هو أديب لبناني قدير و له العديد من المؤلفات التي تستوحي مواضيعها من الأحداث التاريخية الكبرى ككتابه : الإسلام و المنهج التاريخي و ثورة العبيد في الإسلام ( و هو كتاب آخر ! ) و العهد السري للدعوة العباسية و غيرها . و في هذا الكتاب يرسم لنا الخطوط العريضة لدراسته الخاصة بهذه الثورة ، فهو يعتمد منهجا علميا سديدا في استقراء النصوص التاريخية و التوقف لحظة بلحظة أمامها لاستيعاب مواطن الخلل و توجيه النقد المناسب للتأريخ الرسمي الذي قد يخرج بصاحبه عن روح الموضوعية التاريخية لخدمة أغراض أو اتجاهات أخرى . كما لم يفوت الكاتب الإشارة إلى عبثية بعض القراءات الخاطئة لثورة الزنج و التي اعتبرها بعض الباحثين أول ثورة شيوعية في التاريخ ! و قد تبين له بعد بحث موجز في الفوارق بين الفكر الثوري الشيوعي و بين ملامح ثورة الزنج خطأ تلك الأحكام التي بنيت على غير الإستقراء الصحيح الذي يجانب الأخطاء البدائية التي تعترضه أمام أي بحث علمي جاد . -- إن جزالة أسلوب المؤلف في هذا الكتاب تعطي انطباعا مثيرا في أنه مزج بين الكتابة الأدبية و المنهج العلمي في صياغة هذه الدراسة التاريخية الرائعة ، كما أن النقد الموضوعي الذي قام بإنزال إسقاطاته على روايات المصادر و نصوص المراجع التي اعتمدها لتدل على علو كعبه في الإستقراء و البحث ، هذا بالإضافة إلى تلك التحاليل و الإستنباطات التي خرج بها من خلال القراءة المعمقة للآثار و المرويات التاريخية المتعلقة ببعض الغوامض التي شابت أجزاءا معينة من ملامح هذه الثورة .
و الخلاصة أن هذه الدراسة تكتسي أهمية كبرى في كونها أماطت اللثام عن خفايا أكبر ثورة اجتماعية كانت قد اتخذت أبعادا مؤثرة في حياة الناس و علاقاتهم بأنظمة الحكم ، إلى جانب أنها ميزت بين الخطأ و الصواب في قراءات المثقفين الذين كتبوا سابقا عن هذه الثورة و صاحبها . فمزجت بين الأسلوب البديع و الإستقراء الرفيع ، و التناول النوعي و النقد الموضوعي ! .
ثورة الزنج هي ثورة قامت في في البصرة أثناء القرن الثالث الهجري قادها علي بن محمد باسم المستضعفين من العبيد (وكان أكثر من تبعه من الزنج) ضد الاقطاعيين إن صحت هذه التسمية، وقد دامت هذه الثورة خمسة عشر عاماً، وكانت عاصمتها "المختارة" وبرغم فقر المصادر عن هذه الثورة، إلا أن الكتاب نجح تماماً في الحصول على انتباهي كاملاً، حتى إنني كنت خلال الأيام الفائتة أنتظر موعد انتهاء عملي لأعود إلى منزلي وأكمل قراءته.
بالنسبة لكتاب تاريخي، فثورة الزنج من أمتع الكتب التاريخية المحضة، ولا أعرف حقاً كيف نجح الكاتب في الجمع بين الأسلوب المدرسي المرتب، وبين المتعة التي تجبر القاريء على الاستمتاع بها والشغف لقراءة المزيد.
هذا الكتاب الذي صدر منذ خمسين عاماً، وتم تنقيحه وطباعته منذ ما يقارب الثلاثين عاماً (إلا أن النسخة التي قرأتها هي الطبعة الثالثة من النسخة المنقّحة التي طُبعت في 2007).
ينقسم الكتاب إلى تمهيد، ثم ثلاثة أبواب رئيسية، تليها خاتمة، وملحقات بديعة.
في التمهيد يتحدث الكاتب باستفاضة عن المفاهيم السائدة والتي تساعدنا في فهم موضوع الكتاب.
أما الأبواب، فقد أفرد الدكتور أحمد عُلَبي الباب الأول لصاحب الزنج علي بن محمد وهو قائد هذه الثورة، وتناول شخصيته وتحدث عن انتماءاته، وحاول الكاتب (ولعله أجاد فعلاً) أن يكون محايداً من شخصية جدلية في التاريخ. في الباب الثاني تحدث الكاتب عن أسباب الثورة، وقد وجدت تفصيلها رائعاً ومثيراً في آن واحد. أما في الباب الثالث، المفترض أن يكون عن الثورة، ولكني وحدتُ أن الكاتب يتحدث باستفاضة عن صمود الثورة وأسباب اخفاقها. شعرتُ أن الثورة بدأت فجاة، وإن كانت متابعتي لقراءة الباب أوضحت لي ما ظننتُ أنه سقط سهواً.
الملحقات والفهارس ضمت انعكاس ثورة الزنج في الأدب العربي، والنقد العام للكتاب نفسه، والمراجع، والخرائط.
أعجبني الكتاب، فهو مرتب للغاية، وقبل بداية أي جزء هناك صفحة مفردة لرؤوس الأقلام المتضمّنة في هذا الجزء.
أعطيته أربعة نجوم عوضاً عن خمس، لأنني شعرتُ في بعض الأحيان أن الكاتب أفرط في التعاطف مع الثورة، ولا أتصور أن النظام السياسي للدولة العباسية في تلك الفترة كانت بالفظاعة التي يصفها الكاتب، وإن كنتُ أتفق معه تماماً على الطبقية الاجتماعية التي أوقدت نار هذه الثورة.
في المجمل أعجبني الكتاب، وشعرت أنه بحث موضوعي وممتع وخصيب.
أترككم مع بعض المقتطفات من الكتاب:
"وهناك أمر تجدر الإشارة إليه، وهو أن حياة محمد بن علي وما قبل الثورة بخاصة، قد تُشْكل على المؤرخ، لأنها قامت كما سنرى على المغامرة، وكتابة سيرة مغامر هي مغامرة، وخصوصاً وأن هذا المغامر لم يتخلّ عن هذه الروح حتى مماته"
"إن عليّاً قد أخذ بالتيارات السياسية السائدة في عصره، فادعي شيئاً من مبادئ الخوارج وزعم لنفسه شيئاً من معتقدات الشيعة، ولكن هذا لا يعني أن الرجل خارجي أو شيعي، ونحن نرى أن أي إنسان يطمح للسلطة شأن علي بن محمد كان لابد له من الاستعانة بالقاموس السياسي لزمنه"
"والسبب الجلل الذي قاد إلى اخفاق ثورة الزنج، وسائر حركات العبيد التي تقدّمتها في العالم القديم، يرجع في ما نعتقد إلى أنها كانت تفتقر كلها إلى برنامج ثوري بخاصة، والثورة، أي ثورة، تحتاج دائماً إلى نظرية ثورية وإلا فمآلها الخذلان والفوضى والتبعثر"
"أما الموفق، فكان الرجل الذي عقدت عليه الآمال، فهو يدير الدولة، بما كانت تتخبط فيه من مشكلات، وبما كان قد اصابها من وهن"
"إلا أن علياً انتقم لنفسه في معركة (يوم الشذا) وقد كانت انتقامه رهيباً وقصد منه القاء الرعب في قلوب أهل البصرة.. وقد كان"
"ولكن اخفاق ثورة علي بن محمد في أن تكسب أتباعاً من غير الزنج لا يعني في حال من الأحوال أنها كانت حرباً بين البيض والسود، فإن الدوافع الطبقية لثورة الزنج بيّنة ظاهرة. والأمر الباعث على الدهشة أن الذين سيساعدون الموفق في تعجيل القضاء على الثورة هم قوم من الزنج أنفسهم!"
"إن ثورة الزنج كانت صراعا دامياً، لا رحمة فيه ولا هوادة، بين زنج البصرة ومستغلّيهم"
هي قصة (علي بن محمد)، الذي كان يطمح للحرية والمساواة والعدالة لكن وللأمانة نالها وزاد فوقها بأن كانت له نتيجة عكسية أن جعل من السادة عبيد كردة فعل لماسبق من سنوات العبودية، ولم تستمر دولته غير (14) تقريبًآ ثم سقطت
يتحدث الكتاب عن ثورة الزَّنْج (255 – 270 ه) التي نشبت في العراق في عهد الخلافة العباسيّة, وتحديداً في عهد الخليفة المُعتضد وأخية الموفّق. هذه الثورة التي استمرت لخمسة عشر عاماً في وقتٍ هو الأحلك في سماء الخلافة الإسلامية.
قام المؤلف أحمد عُلَبي بتقسيم كتابه إلى ثلاثة أبواب, تتفرع إلى ثمانية فصول: يتحدث الباب الأول منها عن سيرة علي بن محمد وعقيدته وطبيعة ادعائه للعلويّة وتبنيه لفكرة "المهدي المُنتظر" وعلاقته بالخوارج, أما الباب الثاني فقد فصّل في أسباب ثورة الزنج السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وأخيراً جاء الباب الثالث ليتناول الثورة نفسها وأسباب صمودها وتأثيرها على الحياة الاقتصادية ومن ثمَّ أسباب إخفاق الثورة.
وبالرغم من أنَّ الكتاب هو كتابٌ تاريخيّ إلا أنَّ أسلوبه الأدبي كان مشوّقاً جداً. ويُحسب للكاتب أيضاً أمانته العلميّة الدقيقة وتوثيقه لكل سطرٍ أتى به. وتتنوع المصادر والمراجع التي استعملها عُلَبي بين كتب تاريخيّة وترجمات انجليزية واخرى فرنسيّة, وبين معاجم لغويّة ومقالات أدبيّة.
الكتاب بحثٌ علميّ فريد يُفصّل في مرحلةٍ تاريخية صعبة التفصيل لعدم دقّة كتابة التاريخ في ذلك الوقت, لكنّ الكاتب نجح في تمحيص كل الأمور التي نقلها! هذا كله يجعل من الكتاب كتاباً قيّماً ويستحق القراءة بالفعل.
أجاد علبي في دراسة حركة الزنج الثورية في الاسلام ومسبباتها على جميع الاصعدة- اقتصادية واجتماعية- بدأ الكتاب بذكر مقدمة عن الحركات الاجتماعية الثوريه في الاسلام وبعد ذلك اسهب في دراسة سيرة علي بن محمد قائد الثورة و ماهية عقيدته.. المفارقة في هذا الامر ان قائد الثورة ابيض البشرة على خلاف السواد من جيشه الزنج..الكتاب رائع لمن اراد الاستزادة عن هذه الحركه بالرغم من قلة المصادر التاريخية