«مثل الباحث في تاريخ الحضارة المصرية القديمة كمثل السائح الذي يجتاز مفازة مترامية الأطْراف، يتخلّلها بعض ودْيان ذات عيون تتفجّر المياه من خلالها، وتلك الودْيان تقع على مسافات في أرجاء تلك المفازة الشاسعة، ومن عيونها المتفجّرة يطفئ ذلك السائح غلّته ويتفيّأ في ظلال واديها؛ فهو يقطع الميل تلو الميل عدّة أيام، ولا يصادف في طريقه إلا الرّمال القاحلة والصّحاري المالحة، على أنّه قد يعترضه الفينة بعد الفينة بعض الكلأ الذي تخلّف عن جود السّماء بمائها في فترات متباعدة؛ هكذا يسير هذا السّائح ولا زاد معه ولا ماء إلا ما حمله من آخر عين غادرها، إلى أنْ يستقرّ به المطاف في واد خصيب آخر، وهناك ينعم مرّة أخرى بالماء والزّاد، وهذه هي حالة المؤرّخ نفسه الذي يؤلّف تاريخ الحضارة المصر
مصر القديمة_ 14 سليم حسن الإسكندر الأكبر وبداية عهد البطالمة في مصر ......................................... لو تابعت القراءة في تاريخ مصر بالترتيب كما أفعل أنا الآن، لاشك أنك ستشعر بالحزن الشديد والتعاطف الكبير مع الذين عاشوا الفترة الأخيرة في حكم آخر ملوك مصر العظام. ستري المجد الكبير والسطوة الشديدة تنتهي إلي سقوط وتآمر دوليين علي مهد الحضارة حتي تنتهي الحالة بالبلاد إلي سقوطها علي مائدة قوي احتلال متعددة. ناوشت البلاد العديد من القوي من جهاتها المختلفة، ولم تسترح لفترات طويلة من المعارك التي حاول فيها حكامها الخروج بالبلاد بعيدا إلي منطقة حياد تحفظ لها استقلالها وتبعد عنها شبح الاحتلال من جديد، لكن للأسف كانت الظروف الدولية أشد قوة من قوة مصر التي خارت في سنواتها الأخيرة كأي أمة طال البقاء بها وظهرت بجوارها أمم فتية أقوي منها تطمع فيما لديها من خيرات. المنازعات المستمرة بين الفرس والإغريق كانت تنتهي في بعض أيامها إلي تحالف مصر مع الإغريق لمنع وصول الفرس لمصر، وإمداد مصر للإغريق بالمال والسلاح لإبعاد شبح الفرس عن مصر، لكن في بعض الأحيان كان الفرس والإغريق يدخلون في حالة سلام فتستدير تلك القوي لاحتلال مصر بالتعاون أحيانا وباستخدام المرتزقة في بعض الاحيان. استطاع الفرس غزو مصر أكثر من مرة، نجحوا أحيانا وفشلوا أحيانا، بعض هذه المرات كان بعض قادة جيشهم مرتزقة من الإغريق. كما أن الإغريق في أخر الأمر قاموا بطرد الفرس من مصر بدون قتال في عهد الاسكندر حيث دارت بينهم معارك عيدة في الكثير من البلاد فشل فيها الفرس في الاحتفاظ ببعض قوتهم للبقاء في مصر فتركوها بدون شروط كي تقع في يد الاسكندر الأكبر. آخر ملوك مصر كان الملك "نقطانب الثاني" هو آخر من قاوم الفرس من المصريين لكنه سقط ووقعت لبلاد في عهده في يد الفرس ورغم قيام الثورات ضد الفرس إلا أنهم بقوا حتي طردهم الإغريق، ولأجل أن يستتب له الأمر عرف الاسكندر عقائد المصريين واحترمها وجعل نفسه ابنا للإله "أمون" وجعله الكهنة فرعونا علي مصر رغم أنه أجنبي عنها. كان الحكم في بيت الاسكندر الأكبر لأبيه وكان هناك صراع واضح بين زوجتيه علي من يخلفه، وجرت بعض جرائم القتل المعتادة في مثل هذه الظروف تبعها هروب بعض أفراد البيت المالك، وعمليات انتقام بالتبعية، والكثير من التفاصيل التي سبقت تولي الاسكندر الأكبر الملك. استطاع الاسكندر بعبقرية عسكرية قيادية واضحة أن ينهي الصراع بين الفرس والإغريق بالضربات القاضية المتتالية في وسط أسيا حتي استطاع الحصول علي استسلام غير مشروط في مصر وأصبحت مصر ولاية تابعة لإمبراطورية مترامية الأطراف. كان الموت الفجائي للإسكندر الأكبر بعد مغادرته مصر ذو أثر كارثي علي الامبراطورية، حيث تداول كبار القادة أمر وراثة الحكم حتي انتهي الأمر باقتسام التركة بين القادة الكبار، ووقعت مصر في نصيب بطليموس الأول الذي سيحكم مصر وسيورث الحكم لأولاده من بعده وسيحكم مصر عائلة كاملة من البطالمة سيزيد عددهم عن عشرة، مما سيذكرنا بعصر الرعامسة الثلاثة عشر سنبدأ في قراءة أسماء غريبة عن الأسماء التي تعودنا عليها علي رأس السلطة في مصر، مما سيشعرنا بغربة حقيقية ونحن نقرأ، فما بالنا بمن عاش هذه الغربة علي أرض الحقيقة! لابد أن الحياة كانت غريبة غريبة جدا بالنسبة لهم، كانت البلاد تنعم في ظل ملوك كانوا كالآلهة علي الأرض، وإذا بهم فجأة تنهار الحضارة أمامهم وتضعف بلادهم وتسقط في يد حكام أجانب. أسماء غريبة من الحكام مثل: بطليموس بن لاجوس، برديكاس، أنتيجونس، فيليب أريداوس، وأمثال هذه الأسماء التي بدأت تقرع أذان المصريين أشعرتهم بغربة في بلادهم، فكانت هناك اضطرابات وثورات مكتومة، لكنها فشلت في النهاية ليبقي الشعب في ظل ذكريات عاشها لعشرات القرون. تغيرات كثيرة بدأت تصيب البلاد في أسلوب الحكم والإدارة، والنظم الاجتماعية، والقوانين، وتنظيم الجيش، وترتيب السلطة، وتداول الثروة، وأصابت التغيرات الكثير من نواحي الحياة حتي الدين، حاول الإغريق عمل تزاوج بين أديانهم وديانات المصريين بابتداع آلهة موحدة بين البلدين. أثناء القراءة في هذا الجزء من التاريخ ستشعر بالملل، ربما هو شعور نابع من شعور عام بحقيقة أن كل شيء في الواقع المعاش وقتها كان مملا، لم يكن هناك أمل في تغيير بعد أن انتهي كل أمل بسقوط الدرع الحامي للبلاد. جزء ممل وحزين جدا في الموسوعة العظيمة.