اندو – ماندو (هنا – هناك) مجموعة قصصية جديدة للكاتب المعروف يحيي مختار تضم عددا من أجمل القصص التي يتناول فيها المؤلف برهافة واقتدار جانبا من قصة النوبة مجسدة في قرية "الجنينة والشباك" الغارقة بحكاياتها وبيوتها تحت الماء وحياتها في الذكريات. سبق ليحيي مختار أن قدم للقارئ عام 1973 مجموعته القصصية "عروس النيل" التي عرفت بالرباعية النوبية، ثم "جبال الكحل" في 2001، وأيضا روايته البديعة "مرافئ الروح" عام 2004. في "إندو – ماندو" يعيد الكاتب خلق قريته داخل قلبين عاشقين تربطهما أمال وانفعالات وأسئلة حائرة عميقة: هل ثمة حب بلا وطن؟ هل ثمة وطن بلا حب؟ يكتب يحيي مختار قصة العطر الذي يفوح باحثا عن جذوره، عن زهرته التي بترت، عن حقيقة وجوده. ويظل السؤال معلقا في سماء: هل يتمكن العشق الجارف من إنقاذ الماضي والمستقبل؟
انتقل مع أسرته إلى القاهرة وهو في الثامنة من عمره ولم يكن يعرف كلمة واحدة باللغة العربية، ما شكل له تحدياً منذ نعومة أظافره كي يمتلك تلك اللغة ويستطيع التعبير بها على أفضل وجه، وهو ما يزال يشكل هماً كبيراً لديه، حيث يحرص على العمل المتأني وانتقاء تعبيراته وتراكيبه اللغوية بعناية كبيرة حتى يصل إلى الشكل الذي يشعره بالرضا، وهو ما جعله مقلاً في أعماله، لكنه لا يعنيه أن يكون غزير الإنتاج، كما لا يهتم أبداً بالأضواء وذيوع اسمه إعلامياً، ويعمل كراهب حقيقي داخل منزله في صمت وتصميم على الإبداع الأصيل الذي يصمد أمام السنين ويتم حفره في التاريخ.
تخرج في كلية الآداب من قسم الصحافة عام 1963 عمل في قسم التوزيع بمؤسة أخبار اليوم وفضل أن لا يعمل في الصحافة حتى لا تؤثر اللغة الصحفية السريعة والبسيطة على كتاباته الأدبية. حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1992 عن مجموعته القصصية عروس النيل.
لست أدرى عن المحتوى الأدبى للقصص، إنما قرأتها لأسبابى الشخصية، لأقرأ عن قريتى التى غرقت و لم يكتب لى الله رؤيتها... و ربما أيضاً أستخدمها لابتزاز أبى ليقص علىّ بعض من حكاياته أيام عاش هناك.
لا أدري تحديداً ما الذي يمكن قوله بخصوص مجموعة إندو ماندو. القصة الأولى والتي تحمل اسم المجموعة، هي القصة الوحيدة الجديدة في الكتاب، أما باقي القصص فقد سبق وأن تم نشرها في مجموعات سابقة للكاتب. إندو ماندو تفصح بقوة عن فلس الكاتب، فلقد شعرت أنني قرأت هذا المضمون سابقاً لدى نفس الكاتب. القصة لا تحتوي على مضمون حقيقي، وهي تحمل قدراً كبيراً من الافتعال. كأن الكاتب يقصد كتابة قصة، دون وجود باعث أو شرارة نابعة من داخلة، أو كما اعتدنا أن نقول، أنه لم ينزل عليه وحي الإبداع ليدفعه إلى الانطلاق في كتابة الفكرة. ربما يكون برود قصة إندو ماندو، راجعاً أيضاً، إلى أن الكاتب سجن نفسه منذ البداية في موضوع واحد، ألا وهو النوبة وخاصة قريته الجنينة والشباك. يجب أن نعترف أنه نجح في تخليد ذكرى قريته التي لولاه ما سمعنا عنها، لكن الأمر أخذ لديه بعداً مرضياً، أوصله لتلك المرحلة التي أحسستها مع إندو ماندو... الإفلاس.
اللغة في القصة تقريرية، حيث يعمد الكاتب إلى تقديم معلومات عن قريته بينما لا وجود حقيقي للشخصيات أو تفاصيلهم الإنسانية. لكنني لا يمكنني أن أنكر قوة التركيبات اللغوية عند يحيى مختار والتي تميز بها في كتاباته، فهو يهتم كثيراً بجمله، وإن كانت ليست بروعتها السابقة في روايته جبال الكحل ومرافئ الروح، اللتان في رأيي هما أهم ما كتب الكاتب النوبي يحيى مختار.
لم أحب قصة الكرج ومشن موليه منذ قرأتهما سابقاً له في مجموعات سابقة، فهما أشبه بالمحاضرات عن النوبة وتراثها.وتبقى شج فرن لتكون القصة الوحيدة التي تستحق القراءة فعلاً في المجموعة.
أعطيت الكتاب ثلاثة نجوم، لأنه كاتب محترف. رغم كل السلبيات في المجموعة تبقى أهم بكثير من كثير من الكتب عديمة القيمة التي تمتلئ بها رفوف المكتبات في القاهرة، وفقاً لما رأيته في آخر زيارة لي إليها.
في قصة إندو ماندو تحديدا كانت روح المكان حاضرة بقوة .. احساس التهجير .. بس في رأيي كان فيه حاجز ما ماخلاش التعبير عن الفكرة ييجي بقوة الفكرة نفسها و المشاعر المحيطة بيها