"معنى الشيء الثابت ادعاء باطل!! فنحن نستقبل الحدث نفسه مشظى إلى ألف قطعة، ونحن أنفسنا نتشظى معه لحظة استقباله.."، خزّانات من الحكايا والقصص والأحداث تنسّل خارجة من بين أسطر هذه الرواية المفعمة بالحركة، المتعددة الشخصيات المتقاطعة السِير فيما بينها، لتعود وتصبّ في سياق متكامل واحد يجمعها، في سرد استثنائي التشويق حققّه الروائي السوري بحنكة ودهاء، وبحبكة روائية متقنة التركيب، مشدودة الحلقات والمفاصل، متناغمة المعنى، لمشاهد تُرى من منظار حاد ودقيق وشديد الواقعية، يجرّد في تنقل حقل رؤيته ومجاله كل الحقائق الخفية. "كل حادثة تقع على مرأى منا تتشظى إلى ألف حادثة صغيرة، كل منها تسكن مسكناً خاصاً منا، بعضها يكاد لا يغفو حتى يستفيق، وبعضها الآخر قد يستفيق من غفوته الأولى مرة واحدة في الحياة وقد لا يفعل..".
سخّر الكاتب كل أشكال التعبير الكتابية في خدمة سرد قصصه والتلميح بمعانيها. يحضر الصورة ويشكّل الرمز: قال الشيخ بوعلي لابنه "علي جاد" الراعي، بعد أن عاين حال ابنه وحال القطيع": أرى القطيع يذبح يا بني، وليس لبهلول مثلك وعاجز مثلي أن يحميه، وأما الله فلست واثقاً من أنه يريد"، و"ستجد من يرى في طريقة علي جاد في الإحصاء فرصة للهزء منّا نحن أهالي "عين الغار" جميعاً على أساس أن القطيع يقع في جذر إدراكنا للحساب، بل وللرياضيات العالية..". لا يبخل بالتحليل محملاً طرفه بعضاً من السخرية الماكرة: "كان يكفي في ضيعتنا أن تتلثم بالكوفية الفلسطينية كي تشعر بنفسك فدائياً وتنطلق بحثاً عن يهودي احتل أرضك في مكان ما قريب".
و"حين يكون العدو هو نفسه الأخ والقريب والصديق، عليك أن تفتش عن واش في كل من يلقي عليك السلام".، و"طعم الموت كما طعم الحياة يختلف من مكان إلى مكان"، "هنا يتكثف القهر، هنا تتكثف البشرية بوصفها مصدر القهر أو متواطئة معه أو مشاركة فيه، هنا يصبح للموت الفردي معنى القهر الإضافي والخنوع الإضافي..".
لكن يبقى أسلوب السرد تاج الحكاية ومفتاح لغزها. شخصيات كثيرة تظهر تركيبتها في ميدان الحدث، يعبّر عن خصائصها النص الذي يبدو منفتحاً على آفاق لا حدود لها. من هذه الشخصيات: ابن عم علي جاد ويدعى "علي بن مسعود" الحائز من معهد الفيزياء العالية في موسكو على دكتوراة في فيزياء الذرّة، وشخصية ابن العم الآخر الذي لقب "تاريخو" لأنه "أطلق النار من بارودة صيد على كتاب التاريخ المدرسي"، تجسيداً لرغبة المعلم الذي أمضى بعد ذلك "قرابة خُمس قرن" في المعتقل.
تاريخو الذي جاء وأخوه الشيخ ونوس وعلي خضيرة "للتشاور في أمر العسكر الذين احتلوا المقبرة" ، يقابلهم أزلام السلطة: بو علي مروان المساعد السابق في المخابرات العسكرية، والمختار علي بو العبد والد المساعد الحالي في المخابرات إياها". "شمعون"، مدّرب فريق كرة القدم الذي كانت "نسيبة" في عينيه "كمثل عجلة صغيرة على وشك أن تبلغ في عيني ثور خبير"، وشخصية نسيبة التي أُوكلت بمهمة استطلاع تحركات العسكر، ستقوم بعملية ارتجالية أكبر وأهم في دار بو علي مروان، ستقض مضجعها فيما بعد، لأنها ستقع فريسة غرام ابن الدار.
قصص وروايات العديد من أهل الضيعة تُشاهد تفاصيلها من خلال انعكاس رؤيا علي جاد في المرايا التي كان يصنعها. قصص عن الانتحار والاغتيالات، وحكايات نساء الضيعة والإغواء والرغبات الجسدية المكبوتة، وثمن إطفاء الشهوة الجنسية المحرّمة والذي قد يبدأ "بوضع مهين"، ويصل بصاحبه حد القتل كما حدث لـ "حميروش".
رواية تستحق القراءة والاهتمام في هذا الكتاب الذي يروي في سلاسة ملفتة، وفي غزارة متدفقة حكايا الناس من مواقعهم الفعلية المظلمة، يبحث عن دوافعهم ويكشف عن مصائرهم، كي ينقل واقعاً مأساوياً مؤثراً يدعو إلى التفكير.
د. منذر بدر حلّوم دكتوراه في علوم الحياة: بطرسبورغ , روسيا , 1990؛ أستاذ مساعد في كلية الزراعة بجامعة تشرين باللاذقية – سوريا ؛ الكتب المترجمة: - يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش , الكسندر سولجينيتسن , سلسلة نوبل , دار المدى , دمشق , 1999 ؛ - فلسفة الأسطورة , أليكسي لوسيف , دار الحوار , اللاذقية , 2000؛ - القادم من الجحيم , فارلام شالاموف , من أدب المعتقلات , دار الحصاد , دمشق , 2001 . وجميعها مترجمة عن اللغة الروسية. - مساهمة في ترجمة مختارات من شعر الهجاء العربي إلى الروسية لـ (موسوعة الهجاء العالمي) التي يعدّها فلاديمير فاسيليف وقد صدر منها إلى الآن , في بطرسبورغ , أربعة مجلدات , تضمّن الثالث منها المختارات العربية. التأليف: - ضرورة الشر (الشيطان في الميثولوجيات والأديان) , عمل منجز مؤجل النشر ؛ - قيد الإنجاز: كتاب في ثلاثة أجزاء عن السجون والمعتقلات: (الجزء الأول : حاضنة السجن الاجتماعية ؛ الثاني : حيوات وراء القضبان ؛ الثالث: عائدون ! إلى أين ؟).
"أولاد سكيبة" وليس "أولاد سكينة" كما يدّعي goodreads . "الجديّة في كلّ شيء هي أسوأ أشكال التعاطي مع الحياة" أكاد أجزم أن الكاتب استخدم تعبير"التعاطي مع الحياة" عن قصد، فالبعض يعيشها والبعض يتعاطاها، والفرق شاسع بين الحالتين. ولكن من المؤكد أنّ الكاتب هو من الفئة الثانية وإن كان يتعاطى الحياة من وراء الكتابة فقط -أقول ذلك لجهلي بشخصيته الحقيقية- فذاك يكفيني كقارئ لامتداح ماكُتب على أنّه جدير جداً بالقراءة. شُيّدت الرواية لتمتد يوماً واحداً، في صبيحته شرع العسكر بالزحف نحو إحدى القرى "لتعميدها"، كإجراء احترازي لتوجيه سلوك سكانها نظراً لقرب ذاك القرية من مبنى أمني قيد الإنشاء، من خلال تلك الواقعة يسرد الكاتب الخلفيات المتباينة لشخوص القصّة ، رغم أنّه صبغها بالاسم ذاته في معظم أركان الرواية، وعلى سبيل الذكر نجد: بوعلي مروان، علي الأستاذ ، علي العسكري ، علي جاد الراعي، أم علي، بوعلي سلمى، علي خضيرة، زوجة علي الشرطي...، تلك الصبغة ضافت على حرفية الأسلوب تعقيداً مُحبباً، فضلاً عن حنكة الترميز، فالضيع تورث أبناءها عباءة موحّدة تطمس بها فرديّة الفرد، ولكن حالما تُرفع تلك العباءة تكشف بين تلابيبها ألف اختلاف. ذاك التقصي هو مراد الكاتب ودونه يُحال بين القارئ والسطور الارتواء بالرواية. اقتباس جميل من متن الرواية: "أليس يحلو لنا أن نخسر أحياناً، أليس يمتعنا ذلك أحياناً؟ متلبسين روح الضحية، متوسلين العطف، أم منتصرين للثقافة التي لتأكيد اختلافها عن الدم تنهزم أمامه، نفعل ذلك؟ لتأكيد أنّك وحش سنتركك تأكلنا! نقول للوحش. وفي مرحلة قادمة، سنجعلك تأكلنا، سندعوك لأن تأكلنا، سنرجوك أن تفعل، سنتوسّل إليك. هذا طريقنا الذي لامفرّ منه مادمنا نستمدّ قيمتنا من الوحش."
تعرف من الصفحات الأولى أن هذا الكتاب ليس للقراءة.. لكنك تمنح الكاتب فرصة .. لم أستطع أن أعرف محاور الرواية ولا شخوصها ..ولا الحبكة الرواية عبارة عن جمل ركيكة غير مرتبط بعضها البعض. . لكن الكاتب جعلها فرصة للتعبير عن كرهه للمجتمع والناس والدين .. اممم .. لم أتم الرواية صراحة .. ربما أعود إليها فيما بعد لكن الآن .. لا أستطيع الفهم ولا المضي فيها ؛ $
قد يختلف معي الكثيرون في تقييمي لهذا الكتاب فالكثير يرى انه لا يستحق القرائه لكني أرى فيه جزء من المعاناه التي لقيها السوريين من النظام حتى ضمن البيئة الحاضنة لهدا النظام مع نظرة لعشوائية الحياة التي يعيشها الناس في المناطق المهمشة