لقد تعودنا على حفظ الكليشيهات المدرسية المقولبة عن عظمة علماء المسلمين وغير المسلمين الذين نبغوا في فضاء الحضارة العربية ، فمن البديهيات ان نقول جابر بن حيان نابغ الكيمياء ونقرن ابن سينا بالطب وابن النفيس بالدورة الدموية ، ولكننا قلما نتوقف عند تراثهم المخطوط توقفاً يليق بمهابته وعظمته ، فتراثنا لا تكمن أهميته فقط في كونه مرآة تنعكس عليها صورة ذاتنا الفكرية والثقافية تعين الراغب في الانجاز أن يستند على قاعدة هويته الحضارية ، بل إن هذا التراث المعرفي العلمي كان أم الفلسفي يرينا أن عظمة هؤلاء العلماء تكمن في نظام التفكير الذي اتبعوه في عصر كان من العسير فيه ازاحة الخرافات والاساطير . وهذا يبدو جلياً في هذا الكتاب الرصين الذي انتهج فيه ابن الهيثم أصرم مناهج البحث العلمي في تحليل الضوء واللون والابصار والادراك والمبصرات مفنداً نظريات الاسبقين ضاحداً بعضها ومستنداً على بعضها الاخر ، ولم يتوقف عند ذلك بل دق باب الكحل ومشاكل العيون واغلاط البصر في الظروف المختلفة فهو كتاب موسوعي رصين المنهج علمي البحث من الطراز الرفيع يستوجب على من يجيد لغته التي كتب بها أن يقرأه لا ليفخر فحسب بل ليتعلم أنه بالامكان في أزمنة الجنون والتخلف أن ينبت غصن معرفة قد يكبر وينمو ويصبح شجرة طيبة فرعها في السماء إن خُطّٓتْ تلك المعرفة ودوِّنت وأصبحت موروثاً للعالمين .