"لكأني لا أعرف القصة. اسكت! بدأت أتطير من الأخبار والذكريات، حتى أنني محوت، نهائياً، صورة "انتحار أسعد" من رأسي، وكذلك صورة الهزال الجنوني الذي يعانيه "أنور" المخبول. ولأنه كان مشغولاً بأحاسيس أخرى، أكد رشاد آمراً، بعد لحظات من نهاية الكلام. وكأنه سمع للتو: ضع انتحار بين قوسين، فهم الذين قتلوه بطريقة ما. وضعتها في رأسي عندما لفظتها. قلت لكي يهدأ انفعاله الذي أخشى أن يجيء فيفسد العشاء ويخرب اللقاء وتضيع الأمسية. وبلا مناسبة، كما بدا لي، صار يردد وبه نوع من الشغف الذي لا يُرى: "سقوط الجسد خفيفاً، متحرراً من ثقل أوهامه، هو الذي سيجعل الكائن التعيس سعيداً"! ولأني لم أفهم المعنى العميق لتلك التمتمة التي كنت أسمها: "هذيان الرغبة في الخلاص مما لا خلاص منه"، أعدت السؤال بقوة، ودون مبرر حقيقي، فقط، لكي يوجه انتباهه الذي اختلّ، إليّ. ومن منهم المدعو؛ بالتحديد؛ وأجابني بآلية، وبلا تدفق عاطفي، كعادته: قائد اللواء، وقادة السرايا، وقائد الفرقة والذي أرسل نائبه بدلاً عنه في مهمة الأركان. وبعد أن سكت قليلاً أضاف: وأصدقاء آخرون من الجنود، وأنت وأنا، وأنور المخبول، وأسعد المنتحر، قال وهو يضحك بهدوء ولا مبالاة نكتة حزينة! قلت، وأنا أحاول أن أجد تفسيراً منطقياً حدث غير منطقي، مثل هذه الدعوة "الملتبسة"، والتي لم أجد لها سبباً معقولاً. ليست أبداً، وصلنا! قال وهو يسرع للقاء المدعوين والترحيب بهم في ساحة السرية الطبية تلقاهم واحداً واحداً. كان الجمع يكبر لحظة بعد أخرى. فرح غامض يبدو على وجوههم النهمة. وتهلل وجه رشاد بهجة وكرماً. التقيت بجنود وضباط. بعضهم عرفته في وحول الجبهة وبين أحجارها السود المغروسة في القاع. وبعضهم في المكاتب والحانات. أخذنا نثرثر بانتظار الطعام الذي وعدنا به رشاد منذ أسابيع: "لن تنسوا ما ستأكلون"، قال لي وكرّر القول لكل من رآه منهم. أية وليمة شيطانية كانت تعدُّ لنا؟!". في "مديح الهرب" يغوص الروائي في عمق النفس البشرية، معرياً شيطانيتها وكاشفاً عن تخبطاتها التي تبلغ حدّ اللامعقول. تتداخل تلك الهذيانات الفلسفية ضمن أحداث الرواية التي تروي تجربة جماعة من الضباط الأطباء في الجيش. تتبدل المشاهد، وتلعب الشخصيات أدوارها كما رسمها لها الروائي في محاولة للكشف عن فلسفته في هذه الحياة.
من أهم الروائيين العرب حاليا، وهو يشتغل في مجالات متعددة، فإلى جانب عمله كجرّاح في أحد المستشفيات الباريسية يمارس الكتابة في مجالات متعددة، من بينها الرواية وأيضا كتابة الرحلات والنقد، أحيانا.
١ هي أكثر من سيرة، وأرفع من رواية هي أنت تكون موجوداً فيها وخارجاً عنها هي المأساة عندما تقرأها على صفحة الكتاب، ثم ترفع نظرك حواليك لتجد صفحة الواقع تقرأ البؤس فيك حولك .
٢ خليل النعيمي، وصل من شدة الصمت، إلى قوة التعبير يعرف كيف يصف ما يعصف ..
٣ لا تدخل مكتبة لا تسأل فيها عن خليل ،، هذا ما قلته لنفسي عند عتبة الحرف الأخير .
أعرف أني سأكرر المشية هذه أياماً, و أشهراً و ربما سنوات و هو ماكان يملاً قلبي بالآلام و الأوهام آلام الحياة الجامدة صرت أخشى أن تستمرّ إلى الأبد, و أوهام خلاص غير منظور.*
رواية ثقيلة، تحمل ثقل المعاني، وثقل الحياة، بل أكاد أزعم أنها حملت ثقل الوجود.
من خلال بطلها الطبيب الضابط في الجيش السوري، وأصدقائه، يطرح الكاتب العديد مما يقابله الإنسان في حياته، من أفكار ومشاعر وفلسفات أو محاولات للمعرفة الكبرى.
رغم أن أحداث الرواية تدور في فترة تاريخية محدودة، هي فترة ما بعد الانفصال عن الجمهورية المتحدة، لكن كل ما بها من أطروحات وقضايا لا تزال حية تستحق النقاش في كل وقت، وفي كل مكان.
إن الراوي (الطبيب الضابط الصغير) القادم من عمق البداوة والفقر، يظل تائها يدور في غرف الحيرة ومتاهات الوجود طول الرواية، لا يصل لمعرفة حقيقية، ولا يملك أحكاماً يستطيع إطلاقها على الآخرين، ففي كل لحظة يكاد يصل فيها، يكون أكثر حيرة.
العلاقة بين المواطن والسلطة، العلاقة بين الفرد والآخر، العلاقات المتشابكة داخل المؤسسات الواحدة.. كل ذلك يظهر سطرا بعد سطر، كما لو أنه بلا قصد، كما لو أن الرواية سلسلة طبيعية من المشاهد التي تعبر بك خارج نافذة السيارة، تشاهدها بتتابع سلس مدهش.
لغة الكاتب رائعة، ممتازة التراكيب، تحمل مفردات لا تستطيع استبدالها، ومع ذلك فليست صعبة أو معقدة.
الروائي/خليل النعيمي، طبيب جراح، ودارس للفلسفة، وله عدة روايات من أشهرها (الرجل الذي يأكل نفسه).
الرواية صادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2008.
هجرته المبكّرة إلى باريس لم تحجب عنه مرابع طفولته الأولى التي ما انفك يعود إليها مدجّجاً بذاكرة متيقّظة تحتشد بمعجم فريد. في روايته الجديدة «قصّاص الأثر»( المؤسسة العربية للدراسات- بيروت) يعزّز معجمه الصحراوي بدفقة إضافية من خلال فحص عزلة الفرد في خلاء النفس والطبيعة، ومحاكمة الذات بضراوة خليل صويلح هل غادر خليل النعيمي البادية السورية حقاً؟ هجرته المبكّرة إلى باريس لم تحجب عنه مرابع طفولته الأولى التي ما انفك يعود إليها مدجّجاً بذاكرة متيقّظة تحتشد بمعجم فريد من المفردات البدوية التي يصهرها بمهارة في مختبر الفصحى، وإذا بها تقتحم نصّه الروائي لتتخذ مكانها اللائق في تحويل الشفوي المحلّي إلى خطاب سردي حميمي، يطيح بشبكة العلاقات اللغوية المألوفة ببلاغة مضادة تتواءم مع خشونة المكان الأول وسطوة الحنين في استعادة ما هو مفتقد وجحيمي ومنهوب في آنٍ. أسطرة ما هو سيروي وهامشي، ليست همّاً أساسياً لدى صاحب «القطيعة» بقدر عنايته بإعادة ترميم أمكنة لطالما بقيت مجهولة روائياً، رغم سحريتها التخييلية وقدرتها الخارقة على استقطاب مشهديات مدهشة، وتالياً، هتك محرماتها وأسرارها على الملأ. هذه الطمأنينة في نبش المخبوء البدوي بوصفه نصّاً مهملاً، واحدة من رهانات خليل النعيمي الاستثنائية الذي بقي مواظباً على تدوينها بدأب، وإن أتت على تخوم السيرة الذاتية، أو ما يشبه الرثاء البدوي على ديار انطفأت مواقدها أو كادت، بفعل زوابع العجاج وعسف السلطات المتعاقبة. في روايته الجديدة «قصّاص الأثر» (المؤسسة العربية للدراسات- بيروت) يعزّز خليل النعيمي معجمه الصحراوي بدفقة إضافية، ولكن نحو الداخل، أو فحص عزلة الفرد في خلاء النفس والطبيعة، ومحاكمة الذات بضراوة، مسترجعاً سيرة شخص قرر الرحيل فجأة، بعد أن هجرته امرأته في الفراش بقولها «ابعد». هذه الكلمة السحرية، رغم قسوتها، ستفتح أمامه عتبة جديدة لحياته، حين تضعه حيال أسئلة فلسفية عميقة، لم يدركها قبلاً، ففي عمق الصحراء، سيحاكم حياته بجلاء، وستهبّ الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة مثل زوبعة رمال، قبل أن تتكشّف عن وضوح الرؤية، لما آلت إليه حياته، بمشاركة ثعلب ظهر له في طريقة إلى النهر. تناوب الضوء والعتمة في الصحراء يضيء دربه المتعرّج بإجابات حاسمة لطالما كانت مبهمة، مقرراً عبور النهر إلى الضفة الأخرى، على خلفية رحلات خاطفة، كان قد رافق خلالها والده، في طفولته البعيدة. يوم من مكابدات النفس، و»كشف الظنون» في الخلاء، على أمل التطهّر من «أثقال الحياة اللامرئية»، والأرق والخوف، وبعزيمة صلبة على المشي كي لا يموت. إنه مثل متصوّفٍ زاهد يتدرّب على الدوران والشطح بموازاة حداء ذاتي متوتّر تتناهبه الريح الصحراوية، ووهم النجاة من الهلاك، وحيرته في الاشتباك مع التراب والنار والماء «من أجل إزالة سوء التفاهم مع نفسه، ومع تاريخه». نبش المخبوء البدوي بوصفه نصّاً مهملاً، واحد من رهانات الكاتب الاستثنائية بين تيه البدوي وحكمة الفيلسوف يشرّح صاحب «الخُلعاء» عزلة الكائن ومحاولته التخفّف مما أثقل جسده وروحه، مراكماً أسئلة وجودية في المقام الأول، لاستجلاء الصراع بين برزخي الشهوانية والإنشاد الصوفي، وممجّداً الذات في تحرّرها مما علق بها من «نفايات الخضوع»، وتدريبها بقسوة على «الحركة والصوت» بدلاً من «السكون والصمت»، وتالياً، التدرّب على كراهية الماضي المثقل بركامٍ خانق، والوقوف على عتبة «مغامرة الكلمات». عند هذا المنعطف من محاكمة الذات، تحتدم طبقة أخرى، أكثر عمقاً، في المواجهة بإزالة القشرة الصلبة لتاريخه الشخصي الذي كان هباءً، وما عليه إلا أن يمضغه ويلغيه، ليستبدله بمصيرٍ آخر، فها هو فجر الليلة التالية في الصحراء الشاسعة يبزغ، وما عليه إلا أن يكمل طريقه من دون أن يودّع أحداً، مستأنساً بظلّه، يجوس الوهاد المقفرة نحو النقيض، مبتهجاً بالفضاء السرمدي المحيط به. يتخفّف أخيراً من ثقل آثامه القديمة بسطوة الكلام، رغم الاسترجاعات الخاطفة لبعض تفاصيلها الآفلة، والمشبعة بالأسى والفقدان وخشونة العيش، وإحساسه بأن حياته كانت مرقّعة مثل «ثوبٍ مليء بالرقع والخبوب»، وهذا ما سوف يشجّعه على المضي قدماً، و»محو» كل ما سلف، نحو الماء، بوصفه عتبة النجاة النهائية. هذه المغامرة الشاقة لم ترفع منسوب الروحانية لديه، كما كنّا نتوقّع، إذ يقوّضها باشتهاءات متضاربة إلى جسد امرأته، حين يشير بلا مواربة قائلاً: «لا يختزن الجسد إلا تاريخه الإيروسي». المبارزة فوق رقعة شطرنج النفس لا تتوقف عن التناقضات الخادعة، ذهاباً وإياباً، كما أنها تحتشد تدريجاً بأفكار فلسفية يقلّبها فوق موقد الذاكرة، قبل أن يحيلها إلى رماد، مكملاً رحلته الغائمة المتأرجحة بين سيولة العاطفة وصرامة العقل، نحو أمكنة لطالما حلم بالذهاب إليها، متجاهلاً حالة الهشاشة التي أدركته في الطريق، حتى أنه فكّر في العودة إلى البيت، في غياب العلامات التي ترشده إلى جهة البوصلة الصحيحة. في نهاية رحلة المكابدات، سيصل النهر، ويدرك حافة الخلاص من «النتن الداخلي» بالاغتسال «اغتسال النَفْس» أولاً، والجسد ثانياً، وسيخاطب نفسه وهو يقف عند ضفة النهر «المآسي هي التي تلوّث الجسد والروح وليس غبار الصحراء النقي». حالما يقطع الضفّة بصحبة امرأة أغوته بالعبور معه، حتى يستعيد شهوانيته مرّة أخرى، قبل أن يغفو على العشب لتلدغه أفعى، فيما يصل موكب «قصّاص الأثر» متأخراً، برفقة زوجة الرجل للبحث عن الغائب، وكأن سرّ الموت يتمثّل في إغواء امرأة، مهما طال البعاد أو التيهز
هذه المرة كانت رحلتي مع أديب سوري متميز.. مديح الهرب، حينما يسيطر الفكر الشمولي على البلاد، حكم الحزب الواحد، والحزب يسيطر عليه الجيش، والحزب يسيطر على السلطة، والسلطة تسيطر على الناس وتتسلط عليهم، وقتها يتم مصادرة الحرية، وتظهر الثنائية اللعينة، الحرية أو الحياة، كأن الحرية لا تقترن إلا بالموت في بلادنا، الحرية ثمينة للغاية ودفع الحياة ثمناً لها يمثل شيئاً ذا قيمة، أنور والوصولية في أمقت صورها، التبرير الدائم لأفعال الحزب وإسباغ الحكمة على سلطة جائرة تدار بواسطة الجيش الذي هزم في معركته الحقيقية لينتصر ضد شعبه، السلاح حينما يوجه في المكان الخاطئ، والجولان المحتلة تنزف تحت المغتصب اللعين، أنور الذي يهاجم دوماً مخالفيه من الأصدقاء، حمقى أغبياء.. ويبقى البطل وحده الغراب ، رشاد والبحث عن وسيلة للتنفس، حلمه الذي تشتت وضاع، الوهم حينما يكون بديلا عن الواقع المثالي الذي كان يعيش بداخله، الجيش كسبيل للهدم والهواء حينما يتلوث بأنفاسهم المستبدة.. المفارقة بين الحياة في دمشق وفي بادية الشام، كالفرق بين الجاهلية والحداثة، الظلامية والنور، أسعد والخدعة الخفية، الحزب الذي منحه كل شيء ولم يحصد سوى الخذلان، الانتحار كطريق لخلاص الروح وخفته بعدما غشاها ثقل الطغيان، وأنور لا يزال يبرر طغيان الجيش والحزب البعثي الحاكم، التعليم كوسيلة أخيرة لبلوغ المرام، الالتحاق بالجيش لنفخ الصدر والتغني بكلمة حماة الوطن.. هراء أو خراء لا فرق.. تفقد الحياة معناها مع مرور الأيام، الهدف كان قذرا والحلم لم يكن سوى حماقة والاختناق هو الواقع المعاش.. كل شيء يبدو ظلامياً.. بؤس النسوة في حوران، البحث الدائم لدفع المرأة نحو أسرة النجوم المعلقة على الكتف.. البطل ونفرته من هذا، دوما ما يحب المبادرة ليس العكس.. رشاد يفكر في الانتقام.. يعزم القادة والعساكر.. يقدم لهم الطعام واللحم والمرق.. حينما تمتلأ البطون يأتي إليهم بشوال يحمل سره الرهيب... يخرج منه رأس حمار ويعلقه أمامهم .. بكل ما تحمل الكلمة من رمزيات ودلالات هامة.. لحظات من الصمت المحمل بالصدمة.. ثم تنطق رصاصة إلى صدر البائس .. إلى صدر.. الوطن ممثلا فيه..