في سياق دولة ذات حضور طاغ في تفاصيل حياة المواطنين مثل مصر الناصرية، لا حيلة للناس للتخفيف من وطأة ذلك الحضور إلا اللجوء إلى وسيلتين: "الشائعة" و "النكتة". عبر الشائعة والنكتة يخفف الناس من وطأة الظروف الصعبة، أو يوجهون نقداً لا يستساغ إن تم توجيهه في صورة خطاب جاد. في أفلام المهندس وشويكار تضافرت النكتة مع الشائعة في ظرف صعب: فترة ما بعد هزيمة 1967. لا يبدو أن فيلم "العتبة جزاز" يهدف إلى توجيه النقد، بقدر ما يهدف إلى دعم الدولة في تلك الفترة الحرجة بأشكال مختلفة: مثلاً، بحشد الرأي العام في مرحلة إعادة البناء بعد الهزيمة، ومرحلة العمل على تحرير الأرض. يبدو هذا الهدف واضحاً في الفيلم، لا سيما من خلال الأغنية الختامية التي تدعو إلى الاصطفاف الوطني وإلى مقاومة الشائعات الهدامة. أقوى الشائعات التي أحاطت بأفلام فؤاد المهندس وشويكار دارت حول فيلم آخر من أفلامهما فيما بعد 1967 وهو "شنبو في المصيدة". استقر تصور (أو شائعة) عن ضلوع فؤاد المهندس في إنتاج التسلية التافهة بغية الترفيه عن الناس وإلهائهم بقصص خفيفة بعد الهزيمة. وإلى اليوم توجد شائعة معروفة تزعم أن الزعيم جمال عبد الناصر شخصيا هو الذي اتصل بالإذاعة المصرية طالباً أن يقوم المهندس وشويكار ببطولة مسلسل إذاعي يرفه عن الناس بعد هزيمة 1967، فكان "شنبو في المصيدة". ويقال أيضاً إن الرقابة قد اعترضت على عنوان المسلسل، خوفاً من أن يظن الناس أن "الشنب" المقصود في جملة "شنبو في المصيدة" هو عبد الناصر شخصياً، بعد وقوعه في مصيدة أدت إلى هزيمة 1967. كيف ساهمت النكتة في الفيلمين في مقاومة الهزيمة؟ كيف ساهمت الشائعة في موازنة الدور الدعائي و"الهروبي" للفيلمين؟ الإجابة تكمن في السؤال الأشمل: كيف تكون الفكاهة في خدمة الوطن؟
هذا الكتاب يعد إحياءا لتراث فؤاد المهندس الممثل الكوميدي والذي اكتسب مكانة فنية ووجدانية كبيرة للشعب المصري بل وللعربي أيضًا، وللأسف رغم كل ذلك لم يتم دراسته أكاديميًا كما حدث مع أقرانه من الأجانب. أجاب هذا الكتاب عن أسئلة كثيرة ومنها أن صعود نجم المهندس تزامن مع ثورة 52 وتغير مصر بالكامل وصعود طبقات كثيرة لإرتقاء السلم الاجتماعي والتحول من حياة الزراعة إلى المدنية، لقد أصبح فؤاد المهندس محورا أساسيًا في تشكيل هذا الوعي أو ترسيخه عن طريق الخروج عن المألوف وقد استخدم في ذلك عدة أساليب ومهارات فنية سماها الكاتب "ثقافة الفودفيل"، الكتاب هنا أشار إلى نقاط كثيرة جعلت من المهندس متفردًا عن غيره من نجوم الكوميديا في عصره، مجهود عظيم ويستحق الثناء واتمنى قراءة أعمال أخرى في نفس السياق من كتابة الدكتور وليد.