الخطاب باعتباره مقول الكاتب-أو أقاويله بتعبير الفلاسفة العرب القدماء-هو بناء من الأفكار، يحمل وجهة نظر، أو هو هذه الوجهة من النظر مصوغة في بناء استدلالي، أي بشكل مقدمات ونتائج. وفي هذا الكتاب يقترح الباحث قراءة تشخيصية للخطاب العربي الحديث والمعاصر ترمي إلى "تشخيص" عيوب هذا الخطاب وليس إلى إعادة بناء مضمونة، إنها كشف وتشخيص للتناقضات التي يحملها هذا الخطاب سواء على سطحه أو داخل هيكله العام، سواء كانت تلك التناقضات مجرد تعارضات أو جملة نقائض.
والخطاب العربي الذي هو مدار البحث في هذا الكتاب هو الخطاب الصادر عن مفكرين عرب بلغة عربية وفكروا فيه في أفق عربي. وأما الفترة الزمنية التي يغطيها هذا البحث فهي تلك التي تمتد من ابتداء اليقظة العربية الحديثة مع منتصف القرن الماضي إلى الآن. فالباحث يعتبر أن الخطاب العربي الأيديولوجي الصادر في هذه الفترة مازال يشكل وحدة لا تقبل التصنيف، بكيفية جدية وحاسمة إلى ما قبل وما بعد.
و"الخطاب العربي الحديث والمعاصر" لا زال كله معاصر لنا، سواء ما كتب منذ مائة سنة أو ما يكتب اليوم: فالإشكالية العامة لا زالت هي هي كما سيلمس القارئ ذلك بوضوح خلال العرض. هذا من جهة، ومن جهة أخرى صنف الباحث الخطاب موضوع البحث إلى أربعة أصناف: الخطاب النهضوي، وجعله يدور حول قضية النهضة عامة والتجديد الفكري والثقافي خاصة، والخطاب السياسي ومحوره حوله "العلمانية" وما يرتبط بها والديموقراطية وإشكاليتها، والخطاب القومي مركزاً حول "التلازم الضروري" الإشكالي الذي يقيمه الفكر العربي بين الوحدة والاشتراكية من جهة وبينها وبين تحرير فلسطين من جهة ثانية. ويأتي الخطاب الفلسفي أخيراً ليعود بالقارئ إلى صلب الإشكالية العامة للخطاب العربي الحديث والمعاصر، إشكالية الأصالة والمعاصرة.
ويمكن القول بأن الأمر يتعلق بمحورة البحث حول قضايا أساسية وإشكالية وليس حول تصنيفات أيديولوجية، ذلك لأن هدف الباحث ليس التحليل الأيديولوجي للأفكار والاتجاهات بل النقد "الايبيستيمولوجي" للخطاب. ومع ذلك لم يكن من الممكن أن يفضل الباحث التصنيفات الأيديولوجية عند عرض الآراء، لأن الخطاب العربي والمعاصر هو في الحقيقة سجال مستمد بين اتجاهات لا تختلف في آفاقها الأيديولوجية وحسب، بل أيضاً، ولربما كان هذا هو السبب في ذاك، تختلف في أطرها المرجعية، وبكيفية عامة في النموذج الأيديولوجي الذي تستوحيه أو تستند إليه.
وبخصوص التصنيفات الأيديولوجية هذه تبنى الباحث التصنيف الشائع إلى سلفي وليبرالي وقومي وماركسي. هذا و لا بد من التأكيد على أن النماذج التي اختارها الباحث كنصوص وشهادات ليست مقصودة لذاتها، إذ لم يكن مهمٌ فيها أصحابها ولا الأطروحات التي تعرضها أو تدافع عنها أو تفندها، إن ما كان يهتم به الباحث من تلك "النماذج" التي عرضها هو العقل الذي يتحدث فيها، لا بوصفه عقل شخص أو فئة أو جيل، بل بوصفه "العقل العربي" الذي أنتج الخطاب موضوع هذه الدراسة.
محمد عابد الجابري (1936 بفكيك، الجهة الشرقية - 3 مايو 2010 في الدار البيضاء)، مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.
الدكتور محمد عابد الجابري مفكر بنيوي, بمعنى انه يقوم بدراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الاساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون عقلية مجردة, لغوية أو ثقافية وتتضمن هذه الدراسات محاولات مستمرة لتركيب "شبكات بنيوية" أو عقلية عليا, وبالأخص هو مفكر بنيوي تكويني وهو فرع من فروع البنوية الذي يقوم على اسس ماركسية جدلية تركز على التفسير المادي والواقعي للفكر والثقافة ...... في هذا الكتاب لا يهمنا موضوع الكتاب "الخطاب العربي المعاصر" بقدر ما يهم المنهج الذي استخدمه الجابري لقراءة هذا الخطاب أو "استقراءه" هناك العدبد من "القراءات" للخطاب العربي مثل قراءة المستشرقين والمفكرين الغربيين الذي قال الجابري انها لا تعنيه وهي خارجه عن اهتماماته, حتى تلك الصادرة عن مفكرين عرب ولكن بلغات "اجنبية" حتى تلك المترجم منها ذلك لانها تخضع لادوات فكرية مفهومية وتعبيرية تنتمي إلى فضاء آخر غير فضاء "العقل العربي"."قراءة تشخيصية" هكذا وصف الجابري منهج القراءة الذي سيقوم من خلاله بقراءة الخطاب العربي المعاصر وهي قراءة ترمي إلى "تشخيص" عيوب الخطاب وليس إلى إعادة بناء مضمونه, إنها تكشف عن وتشخص التناقضات التي يحملها الخطاب سواء على سطحه او داخل هيكله العام. ..... ثانيا: أنه من نظري ومن الصادق وغير الواضح (على حسب تفريق الفلاسفة بين الواضح والصادق) أن هذا الكتاب ليس هدفا او غاية في ذات موضوعه وانما هو وسيلة, أي أن الجابري لم يرد أن يحلل المحتوى الايدولوجي والايبستيملوجي لكل خطاب لكي يستعرض عضلاته ومهاراته الفكرية في عرض وتحليل تلك الافكار والخطابات وإعادة بناء هياكلها, وإنما أرادها وسيلة لدراسة وتحليل العقل الذي انتجها "العقل العربي" الذي نظر وأسس لتلك الافكار والخطابات, ودليل ذلك رفضه للقراءات التي تولدت او تكونت في "فضاء خارج فضاء العقل العربي", مع العلم والاخذ بالسياق الزماني أن هذا الكتاب صدر قبل صدور سلسلة ومشروع الجابري "نقد العقل العربي" لذلك أحس الجابري في نهاية مقدمة الكتاب "الخطاب العربي المعاصر انه قد استعمل وصف "العقل العربي" كثيرا الذي كان واضح ومتشكل في ذهن الجابري ولكنه لم يعاشر بعد أذهان القراء العرب عبر "سلسلة نقد العقل العربي" التي صدرت لاحقا, لذلك في آخر مقدمة الكتاب طرح الجابري سؤالا أجاب عنه في سطرين السؤال هو: "بأي معنى نتحدث عن "العقل العربي"". والجواب كان "ليس ها هنا مكان للاجابة عن هذا السؤال, إن مكانه الفصل الاول من كتابنا المقبل "تكوين العقل العربي". ...... أخيرا: وهو موضوع الدراسة "الخطاب العربي المعاصر" الذي اشرنا في النقطة السابقة أنه وسيلة أكثر من أنه غاية, صنف الجابري الخطاب العربي إلى اربعة أصناف: خطاب نهضوي يدور حول قضية النهضة عامة والتجديد الفكري والثقافي خاصة, وخطاب سياسي: ومحوره حول "العلمانية" وماترتبط بها والديمقراطية وإشكالياتها, والخطاب القومي: وركز الجابري حول "التلازم الضروري" الاشكالي الذي يقيمه الفكر العروبي بين الوحدة والاشتراكية من جهه وبينهما وبين قضية تحرير فلسطين من جهه اخرى, وأخيرا يأتي الخطاب الفلسفي حاملا معه صلب الاشكالية العامة التي تتشارك فيها كل الخطابات, إشكالية الاصالة والمعاصرة ......
تعليق: حفريات في الذاكرة من بعيد، سرد ذاتي لفترة مهمة جدا من حياة الدكتور محمد عابد الجابري تشمل حياة طفولته إلى مرحلة الشباب والانخراط في سلك الرجال. تعرفت من خلال الكتاب على بيئة مغربية ربما لم أشكل أي تصور عنها قبل ذلك، بيئة تحتوى على قسط وافر من الفقر وعلى الكثير الكثير من العاطفة. لمست في هذه الحفريات كماً كبيراً من الصدق قدمه لنا الدكتور الجابري بكل أريحية فالشخصية التي رُسمت ملامح حياتها في هذه المذكرات هي ابنة البيئة، نعرفها بكل أخطاءها وبكل محاسنها، أحسسنا أن حياة الجابري في فترة شبابه كانت تحوي على شي ليس بالقليل من التخبط والحيرة مثل معظم الشباب اليوم لكن إصراره على أن يكون، بين له ملامح الطريق فانطلق. أحببت كثيراً هذا الكتاب.
هوامش على الكتاب: · الكتاب توضيح الطريقة التي حاول بها محمد عابد الجابري بها قراءة مرحلة من مراحل حياته الشخصية، هي تلك التي تمتد من الطفولة الأولى إلى الانخراط في سلك الرجال. · إن ما يبقى من الذكريات في الذهن حسب ما انتهى إليه كاتب هذه السطور بعد استبطان وتأمل، أشبه ما يكون بالقطع الأثرية التي تمكنت من مقاومة عوامل التحلل والاندثار. · إن كاتب هذه السطور يشعر، حينما يلتفت وراءه ويحول ببصره وبصيرته، بعيداً عن حاضره، يشعر وكأن هذه السنين الستين التي مرت من حياته أشبه ما تكون فعلاً -وهذا تشبيه مبتذل ولكنه مناسب وجميل- بنهر...نهر يمتد منبعه بعيداً إلى منتصف الثلاثينات من هذا القرن حيث يتصل بروافد آتيه من مسافات أبعد، تنقل إليه ابتسامات وانطباعات وتوضيحات اندمجت بصورة أو بأخرى في مجراه الخاص الذي يتسع حيناً ويضيق حيناً، يفيض ماء تارة ويجف أخرى، وهو يشق طريقه عبر معارج والتواءات ولف ودوران، حتى إذا مضى عليه ربع قرن أخذ في الانقسام إلى تيارين متوازيين، متداخلين ومنفصلين في الوقت نفسه: تغمر أحدهما تجربة سياسية، وتغمر الآخر اهتمامات وهموم ثقافية، ولا زال التياران يغتنيان...ويتنافسان في تكامل أو قل يتكاملان في تنافس. · إن الولادة عملية غير قابلة للانعكاس، والعودة إلى الرحم هي أولى المستحيلات... · ما إن اتجه صاحبنا بعينيه إلى حتى أحس بشيء كأنه وخز في عضوه التناسلي فصرخ، لكن صرخته ذابت بين زغاريد النساء اللائي كن يرقبن المشهد من على شرفة مطلة على صحن الدار، انتصب صاحبنا واقفاً يمشي وهو يباعد بين رجليه يمنة ويسرة، مذهولاً من ذلك الحشد والمنظر، لا يدري ما حدث بالضبط. · كانت جدته تمسكه بيديها وتلح عليه في الجلوس على حجرها وعندما يفعل كان يحس وكأنه جالس وسط مجموعة عظام. · تقول الخبيرة (الحكاية): إن آل جابر كانوا يحكمون المدينة بجميع قصورها وقد طغوا طغياناً كبيراً في وقت من الأوقات، وصاروا إذا ولد لهم ولد حملته خادمة إلى أحد القصور الأخرى، بالتناوب، ليستقبله أهل ذلك القصر بطفل في مثل سنه يذبح تكريماً للوليد وتأكيداً للولاء لآل جابر. وذات يوم كان الدور على أرملة من قصر زنكانة لم يكن لها سوى طفل واحد وحيد فعز عليها وخرجت إلى الشارع عارية تستغيث وتستنهض الرجال، رجال قصر زنكانة، فهبوا لنجدتها وقد ثارت ثائرتهم. وهكذا فبدل أن يذبحوا ابنها تكريماً للطفل الجابري ذبحوا هذا الأخير ثم جمعوا أمرهم بسرعة وقصدوا آل جابر فهاجموهم على حين غرة من سكانه فهدموا المنازل على أهلها وقتلوا منهم واقتادوا الباقين ووزعوهم على القصور الأخرى حتى لا تقوم لهم قائمة من بعد. · هل هناك علاقة بين الاختزال لاسم محمد بالأمازيغية إلى "حمو" وبين اسم "حمو رابي- أو حمو رَبٍّي" الملك البابلي صاحب الشريعة المعروفة؟ هل حمو في حمو رابي تحريف أو تخفيف لاسم "محمد"؟ مجرد سؤال... · ولد محمد عابد الجابري في 27 كانون الأول 1935 وقد سجله والده فيما بعد بدفتر الحالة المدنية ضمن مواليد 1936. · إن علاقته بصديق الطفولة كانت أشبه ما تكون بعلاقة المتصوف مع ربه. إن صداقة الأطفال تنطوي على أسرار لا يعرفها الكبار، أسرار فقدوها نهائياً عندما فقدوا براءة الأطفال. · إن البطانة الوجدانية التي تؤطر صداقة الأطفال هي من جنس تلك الروابط التي تشد بألف وثاق العشاق بعضهم إلى بعض مع فارق واحد وهو أن حرارة إنشداد الأطفال الأصدقاء بعضهم إلى بعض تقوى مع دوام الاتصال، في حين أن لهيب حب العشاق لا يتوهج إلا في حال الفراق، وغالباً ما تخبوا ناره مع دوام الوصال. إن عالم الطفل ينحصر أو يكاد في صديقه أو لعبته، تماماً مثلما ينحصر عالم العاشق في معشوقته. وإذا كان حب العاشقين يتجه دوماً نحو غاية تقع خارجه هي "الوصال" وذوبان الواحد منهما في الآخر، مما يجعل منه سلوكاً غير بريء، فإن حب الأطفال بعضهم لبعض في إطار صداقة الصبا يخلو من كل غاية أو غرض يقع خارجهما. إنها المحبة الناشئة عن استمرار الاتصال والاشتراك في عالم من التصورات التي تشكل مجال "الوصال" بينهم ولذلك فهي محبة بريئة تماماً · كان للجابري "طابع للكتب" مكتوب على محيطه من الأعلى عبارة "خزانة كتب" ثم "محمد العابد الجابري" في الأسفل، أما وسطه فقد كان دائرة نقشت فيها عبارة "اقرأ ما دمت حياً". · دفع الجابري ثمن أول كتب أشتراه "كتب الأخلاق" من فلوس أخذها من أبيه من غير إذن. · ثم يأتي الموت بكل هدوء، بكل مكر الهدوء، ليختطف روح جده دون أن يستطيع هذا الأخير حراكاً ولا دفاعاً سوى شخير كشخير النائم، يودع به الحياة. لا، إن ذلك الطفل يشعر الآن، أو يتخيل، أن جده شد على يده بقوة، إشارة وداع، قبل أن يغادر الحياة...تماماً كما فعل أبوه، ساعة قبيل وفاته في مستشفى الدار البيضاء بعد ذلك باثنتين وثلاثين سنة (1981) · هل تعرف المستشفيات معنى المأساة مقترناً بالموت؟ أليس الموت فيها مجرد وضع علامة على ورقة، علامة تسمح، بل تأمر بنقل "المريض" من سرير إلى آخر ليستمر العمل "طبيعياً" كالعادة؟ أليس الموت شأناً عادياً تماماً في المستشفى؟. · إن خصومة كبار السن تكون عادة كبيرة مثلهم، لا تعرف "خط الرجعة". ولِمَ "خط الرجعة" وخط الحياة قريب من نهايته..؟ · لقد تأكد لديه أن كثير من رجال الطب يعامل المرضى من وجهة نظر طبية محض، فما يجد تفسيره طبياً فهو عندهم طبيعي، أما الجانب الإنساني فغائب. إن المريض في اصطلاحهم موضوع وحالة ليس غير، وربما يجد سلوكهم هذا تفسيره في كون العلم -والطب منه- يعتبر أن التزام "الحياد" وعدم الاستسلام للعاطفة شرط ضروري للمهنة. · إن الإنسان حيوان عاقل ولكن يبدو أنه ليس كذلك دوماً إذ تقوم الغريزة فيه مكان العقل، ليس زمن الصبا وحسب بل وعلى عهد الكبر أيضاً. · إننا لا نتذكر إلا ما كان له وقع خاص في نفوسنا، وهل كان التاريخ في جملته، تاريخ الأمم والدول شيئاً آخر غير ما كان له وقع في نفوس الناس وتردد صداه بصورة أو بأخرى في نفوس المؤرخين؟ وهل يمكن لأي مؤرخ كتابة "التاريخ" لو كان يريد أن يجعل منه سجلاً لجميع وقائع الحياة؟ حقاً إن الذكريات لا تعيش إلا مع النسيان، والتأريخ لا يستقيم بدون ما أهمله التاريخ. · كيف لا يدافع صاحبنا عن الجراد وقد كان يخرج هو وأصدقاؤه ويجمعونه في الصباح الباكر عند هجومه على المدينة ويأتون به في أكياس إلى منازلهم لتغليه النساء في الماء داخل قدور كبيرة ح��ى إذا سلق كفاية وضع في أواني الطعام فتهافت الجميع عليه بنهم: تؤخذ الجرادة ويزال رأسها ومعه أحشاؤها فضلاً عن أجنحتها وسيقانها المشوكة. وقد لا يحتفظ الآكل إلا ببطنها الذي يمتد طويلاً إلى الوراء، خصوصاً ع��دما يتعلق الأمر بأنثى الجراد إذ يحتوي هذا القسم من جسمها على عدد لا يحصى من بيضها الأصفر اللذيذ. · كان ديكارت يعتبر الشعاع الضوئي بمثابة عمود ضاغط ينقل الضوء من الجسم المشع إلى العين وبالتالي تنفي الفراغ وتقول بالاتصال. · إن خفقان القلب في هذه التجربة الاتصالية التي تتم باندماج النظر في النظر بين الفتاة والفتى، خفقان من نوع خاص: خفقان متصل هادئ دافئ تتقلص فيه حركة القلب إلى درجة الصفر. إنه ذوبان..لا بل هو "الفناء" الذي تتحدث عنه الصوفية. · لقد فاجأته وفاة والدته مفاجأة وجد نفسه معها في موقف شبيه بموقف من يباغته حيوان مفترس مخيف فيواجه الخطر بقوة وسرعة، دون تفكير ولربما دون إحساس، إذا تتجند كل حواسه وجميع طاقة جسمه لمواجهة الخطر، بالقفز أو بالجري بقوة وسرعة خارقتين. حتى إذا نجا وزال الخطر بدأ حينئذ، في إدراك هول الموقف. وحينئذ فقط ، يصفر، ويرتعد، وتخور قواه... ويستسلم لانفعال بعدي يفعل فيه فعله. · العربية لغة جيدة وسهلة لولا المثنى. · حزيران 1957 أول مرة تعقد فيها دورة البكلوريا المغربية المعربة وقد ترأس لجنتها الشهيد المهدي بن بركة. · لقد كانت مصر -والشرق العربي عموماً- قبلة الناس في المغرب، فهي الوطنية، وهي التحرر، هي التقدم. كانت النموذج والمثال للشعوب التي تناضل من أجل استرجاع سيادتها واستقلالها وبناء غدها. · إن الذاكرة تهمل المألوف المعتاد من الأمور وتحتفظ بالجديد والغريب والعجيب. · لقد وجدت دمشق مدينة هادئة ونظيفة ووجد سكانها في غاية النظافة والهدوء واللطف، يعتبرون كل عربي واحداً منهم فيشعر الوافد عليها من العرب فعلاً، بأنه بين أهله وذويه: في دمشق لا يشعر العربي بالغربة أبداً. · مرت ساعات لا يستطيع الآن تقدير كم كانت طويلة مديدة، لقد كانت من تلك الفترات التي تتوقف فيها عقارب الساعة عن الحركة لتترك المجال حراً لـ"عقارب" أخرى، عقارب القلق والانتظار والتوجس. · يستمتع المرء بالبكاء عندما تهاجمه الدموع ويفلت منه زمام أمره، فتتدافع أنفاسه موجات تتلاحق وتتزاحم، بقوة وعنف، على حنجرته وخياشيمه وجميع مخارج صوته، منبعثة من أعمق أعماقه، من داخل أحشائه، من عقدة سرته، من كل جسمه الذي يفرض ارتجاجه وارتعاده على الإرادة مهما حاولت أن تكون قوية، تماماً كما يحصل لمن ينفجر بالضحك من شدة وقع نكتة أو تشبيه من التشبيهات. أجل لا فرق بين الضحك الذي تنتزعه النكتة القوية وبين البكاء الذي تفجره الحسرة الملتهبة. · الغريب أن الإنسان الضعيف القاصر التفكير يريد أن يثبت بعقله القاصر وجود خالقه الذي يوجد في عالم الغيب. · إننا لن نخسر شيئاً إذا سلمنا أن الله موجود وأن رسله هي رسل حقيقية، لأن هؤلاء لا يطلبون منا إلا ما فيه صالحنا. لنكن مؤمنين رغم شكوكنا، لأن الشكوك لن تجدي نفعاً. · لكل منا أن يختار الطريق الذي يريد، قد تختار الإلحاد وقد تختار الشك دائماً. وقد تختار ما تريد. أما أنا فإني أختار الإيمان. ولو كان هذا نوعاً من الاستسلام والتسليم فما أنا إلا بشر ذو عقل قاصر. · تغير أحوال المجتمع من واقع الحاضر إلى آمال المستقبل لا يتم بالطريق الطبيعي إلا بعد موت أجيال وفناء أجيال وحصوله رغم ذلك مشكوك فيه. · ليس معنى الثورة رفض جميع القيم الخلقية والدينية، إذ إن هذا انتكاسة إلى الوراء، بل معناها تجديدها وبعث الصالح منها والقضاء على الطالح. · لو قدر لي أن أكون فيلسوفاً ذا مذهب خاص به ولو أني لا أتخذ لي شعاراً العبارة التالية: "احذر الشجرة التي تخفي عنك الغابة"، لولا هذا وذاك لكان مذهبي الفلسفي ولكانت فلسفتي كلها تنحصر في المرأة... وبعبارة أوضح في هذا الشيء الذي يربط الإنسان بالمرأة، خاصة الشاب الأعزب بالفتاة. هذا الذي يربط بينهما ربطاً، ويجعل أحدهما يغار على الآخر غيرةً عمياء أو تتعدى العمى، هذه القوة السرية الخفية التي تجعل من الشاب دوماً نَزوعاً إلى الفتاة، نُزوعاً مستمراً إلى رؤيتها، إلى الحديث معها، وتخيلها في مواقف معه، مواقف بريئة، ولكنها تعبر عما نسميه ويسميه الناس "الحب". ولكنه ليس حباً عادياً، إنه شيء آخر أسمى من الحب. · نعم أنا في حاجة إلى الحب. في حاجة ماسة إليه. إنني أحس أحياناً أن كل قطعة من جسمي تبحث عن قطعة أخرى في جسم فتاتي..فتاة حبي. وأشعر أن قلبي وروحي وعقلي في حاجة إلى قلب وروح وعقل يركن إليه ويقاسمه الشعور والإحساس والتفكير... · لقد كنت أعتقد أن الإنسان يستطيع الحياة بدون حب، حب جنسي... ولكن هذه الأيام أشعر بأني بدون حب كالأحمق.. · إن المنهج كقواعد هو شيء يأتي بعد الممارسة وليس قبلها، تماماً مثلما أن قواعد النحو تستخلص من اللغة التي يمارها أهلها، فقواعد النحو في لغة معينة لاحقة للممارسة اللغوية في تلك اللغة وليست سابقة لها. · هناك مقولة تقول: "الحمقى هم الذين يصنعون التاريخ". لم يكن الاسكندر المقدوني مثقفاً، أما أفلاطون فقد أقر في المدينة الفاضلة أنها لا تتحقق إلا إذا كان رؤساؤها فلاسفة وهذا لم يحدث حتى الآن. · المراجع: § دع القلق وأبدأ الحياة ديل كارنيجي مؤلف أمريكي الطبعة والترجمة المصرية. § فينومينولوجيا الروح هيغل
الكتاب العرب المعاصرون و بخاصة ذوي النجاه الإسلامي أو القومي مهتمون بالنهضة. و رغم فشلهم عامة في تحديد شروطها و تقديم برنامج لتحقيقها إلا أنهم يصرون أن نتيجتها ستكون مثلاً للعالم كله و هذا المنطق هو ما يحلله دكتور الجابري بأسلوب أكاديمي دقيق ليصل إلى نتيجة عجيبة و هي التماثل الفكري بين معظم الكتاب العرب في العصر الحديث بغض النظر عن المدارس التي ينتمون لها. الدكتور الجابري يقدم ملاحظات هامة مثل انتماء التفكير العربي إلى العقل السحري الذي يهمل الخطوات المنطقية في سبيل الوصول إلى نتيجة مُسبقة. المشكلة الأخرى هي الأفتتان بالماضي المثالي و تجاهل كل ما يؤثر على هذه الصورة.
دكتور الجابري كتب هذا الكتاب في الثمانينات من القرن الماضي و لست أعرف كيف كان سيعيد كتابته لو كان بيننا الأن!
اقل ما يمكن ان يوصف به هذا الكتاب انه كتاب رائع طاف فى الفكر العربى باسلوب رائع من خلال ما قاله مفكرى هذا الفكر من جميع مدارسه المختلفة العتقد ان هذا الكتاب يستحق ان يكتب عنه اكثر من ذلك وهذا ما ساحاول فعله فى اقرب فرصة.