لطالما كانت بيروت بالنسبة ليّ حاضنة للجمال و التاريخ و الصراعات المستعرة منذ زمن بعيد . هذة الرواية جاءت لتثبت هذة القناعة في نفسي . يروي فيليب في عيد ميلاده الثمانين من خلال هذة الرواية تاريخ بيروت من خلال ثلاثة أجيال متتابعة بدءاً بسيرة جده و من ثم أبيه و منتهياً بنفسه . تطرح الرواية قضية صراع الطوائف .. و قضية التعايش على النقيض الآخر . و تعود إلى فترات عديدة كانت فيها بيروت واقعه تحت قيد الإحتلال من أطراف مختلفة . كان الحديث في الرواية موزعاً على مواضيع و أطراف و شخصيات عديدة متداخلة في بعضها البعض .. هناك أحداث و قصص و تعابير علقت في ذاكرتي بشكل مؤثر عن طريقة التعايش بين المسلمين و المسيحين , عن قصة منى مع حبيبها الإيطالي , عن قصة جو مع المسرح , عن قصة فليب و زياد و تنكرهما بفساتين الفتيات لدخول السينما لمشاهدة فيلم منع على الشباب مشاهدة عرضه , عن كيفية العيش في بلد مواطنوه يحملون ولاءً أكبر لإنتمائتهم الطائفية .. أكثر من إنتمائهم للوطن . الرواية تناولت البدايات لكل تطور و حدث جديد عمّ بيروت بدون إسهاب .. مما جعل السرد مشوقاً و بعيد عن الملل . تذكرنيّ بيروت قديماً .. بفليم فرنسي عتيق , هي مدينة مُعلقة بين الشرق و الغرب . قصص فاتنة أتى على ذكرها " فيليب " مثل قصة مُنى مع عشيقها الفرنسي الأشقر و زواجها منه , تجربة جوُ مع إكاديمية الرسم و الفن .. ايضاً قصتهُ هو مع " إميلي " حبيبتهُ الفرنسية التي خطط للزواج منها .. فغدرت به و تركته وحيداً يبحث عن شريك آخر يملئ الفراغ .
هي رواية ترسخ بيروت , الوطن , الحرية , الحب , الفن , الموسيقى , الثورة , النضال , الأفلام , البحث عن الفرص الضائعة في المدى البعيد .. تصور تلك الفترات الملتهبة بالجمال و الصراع من أجل الإستقلال و البقاء , شبيهه هي بيروت الأمس .. ببيروت اليوم , فهي ما زالت حتى اليوم تناضل لتبقى و تستمر , و هذا أكثر ما أحبهُ فيها .
عمل " فيليب " في مجال الصحافة ما جعلهُ دائماً شاهداً على كل حدث مُثير يمر به البلد في تلك الفترة لكن ذلك لم يكن ليرضي غروره الصحفي فسعى دائماً للحصول على أفضل قصة يحقق بها إنجازه العظيم في سلك الصحافة .. و يثبت نفسه أكثر في هذا المجال , مما أوقعهُ في كثير من المغامرات الشيّقة التي يشاركنا بتفاصيلها في فصول الرواية بين حين و آخر . هناك فصول و نصوص أحببتها جداً و أثرت فينيّ لغتها كثيراً .. رسالةُ منى لأخيها فيليب من باريس كانت ذات لغة عذبة و مؤثرة . ايضاً يكتشف فيليب بعد فترة أن حبهُ الضائع كان أمامهُ طوال الوقت و هي : نور .. إبنة جيرانهم المُسلمة , يتورطون بالحب سريعاً ثم يقررون الزواج فترفض العائلتين بسبب الفروقات الدينية .. فيقررون الهرب لإتمام مخطط الزواج , و يعودون , لتتقبل العائلتين فكرة هذا الزواج تدريجياً .. ثم ينتهي بصورة دموية نتيجة الفروقات الطائفية ! , و هي النتيجة التي تنبئ بها كل أفراد العائلتين منذُ البداية , ثم يعودون لبعضهم البعض فجأة و بدون ترتيب مسبق .
" جو " شخصية ثوريّة .. دائماً ما كان يسوقها حبها لبقاء لبنان للدخول في كل ثورة و حرب تقام من أجل حماية أرزة لبنان خضراء يانعة , في تحول درامتيكي من مجال الفن و المسرح إلى حرب الشوارع و السياسة . لقد كان " جو " دائماً مندفعاً في حماية حدود أرضه و وطنه , مما جعلهُ يدخل في معارك مع أطراف عديدة كانت توقعه في مشاكل لم يحسب لها أي حساب .. ليكتشف في النهاية أنهُ أضاع سنين عمره سعياً في إثبات وجود لم يوجد لهُ وجود .
" ساحة البرج " المكان الذي يجمع شريط من ذكريات عائلة فيليب منذ نشئتها .. و حتى بلوغها صورتها النهائية , كانت محطة للجمال و الذكريات المشتركة التي هدمها الحرب و لطخ جدرانها بالسواد .. محزن جداً مشهد العودة لها من جديد .
هناك دائماً شرارة مُثيرة في كل نص و فصل جديد .. مما يجعل العمل ككل مشوقاً و دافعاً بالقارئ إلى حيوية الأحداث المتتابعة . المراحل التاريخية التي أتى على ذكرها مراحل فاتنة بكل أشكال الحياة و السياسة و الفن و الأدب .. بيروت كانت ملتقى للحضارات و مزار للكُتاب و ملجئ لأصحاب الديانات المختلفة .. و ربما هي ما زالت كذلك إلى الآن . أحببت هذة الرواية لأن النص فيها لم يكن مقصوراً على طرف أو ظاهرة معينة بل كان منطلقاً في كل تضاريس الحياة في بيروت و نقل ألوانها و هوائها و جميع أشكال الحياة فيها . ايضاً أحببت جداً جداً تقسيم الرواية إلى أبواب و فصول تندرج تحت كل باب .. حيث أن كل باب حمل مسمى رمزي يرمز إلى طبيعة الأحداث التي تندرج تحته . أحببت الباب المعنون بـ " مآسٍ " .. و الفصول التي جاءت على شكل يوميات متفرقة .
" إسكندر نجار " يملك حس موسيقي عالي في الكتابة , لغتهُ رشيقه متزنه و شهية . مع ذلك يعود الفضل للمترجمة : حنان عاد التي نقلت النص بهذة الحرفية العالية .. حيثُ إستلهمت المعنى ثم أعادت صيغتهُ بالعربية من جديد . الرواية صعبة .. لإنها تصل إلى أكثر من أربع مئة صفحة و هي مليئة بزخم الأحداث , و التلميحات , و الأحاديث الجانبية , لذلك أجد أن التعليق عليها أمر صعب و يُنقص من حقها كثيراً , لذلك .. أحب أن أقول : " إن الريفيو لم تغطي ربع الأحداث في الرواية , بل كانت مجرد وقفات سريعة على أشياء شدت إنتباهي خلال قرائتي لهذا العمل " . كانت قراءة هذا العمل تجربة ممتعة بحق . أما النهاية فكانت مؤسفة !