يأتي عنوان الكتاب بمدلول المساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية, ويأتي مضمونه بأكثر من ذلك في قسمين: نقد الحداثة الغربية ومحاولة تأسيس نظرية أخلاقية مستمدة من الدين الإسلامي. في القسم الأول النقدي أتسم الكتاب بالسطحيّة وعدم الإتيان بجديد, أما القسم الثاني في محاولته لتأسيس النظريّة الأخلاقيّة كان متميزاً ومقتدراً في ما يكتب. وتبيان ذلك في بقيّة المراجعة
تأتي مقدمة الكتاب وبأول صفحة بالحديث الشريف "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وكأن ذلك بقصد من طه لتبيين أنّ الكتاب يأتي في نطاق الفلسفة الدينيّة وليس غيرها, في المقدمة تأتي نقطة محوريّة في فلسفة طه وهي أنّ الخاصيّة التي تميز الإنسان هي "الأخلاقية" ليس العقل ولا الضمير. فيجعل بذلك العقل تابعاً للأخلاق لا سيّداً عليها, وأنّ الأخلاق منبعها الدين – وبذلك يكون متسقاً مع فلسفته - الذي يمنح للأخلاق خواص الإنسانيّة والمعنويّة و"الغيبيّة" التي تغيب في الفلسفة التي تجعل الأخلاق منبعها الإنسان. ومن الفصل الأول إلى الفصل الخامس (قسم نقد الحداثة الغربية) يأخذ على الحداثة الغربية خمسة أوجه سأحاول مناقشة بعض مافيها: من الأوجه التي ينتقد فيها طه الحداثة الغربية أنها "حضارة قول" لا حضارة فعل وبذلك يقع طه في محاكمة نصوص الفلاسفة بما أنتجته الحضارة, وكأن العامل الوحيد في إنتاج الحضارة هم الفلاسفة ونظرياتهم فقط. وإن سلمنا بهذه النقطة – جدلاً- فيجب علينا منطقيّا أن نتسائل ما انتجت الحضارة الإسلامية في تاريخها إلى الآن من بون شاسع بين النظريّة والتطبيق, فعند التطبيق تتعدّد العوامل عدا نظريات الفلاسفة
في نقده لنظرية بعض الفلاسفة, يقول طه أنها أخلاق مستمدة من الديّن إما بقصد أو بدونه وألبست ظاهريّة علمانيّة. ولماذا يكون هذا نقداً إن كان الهدف من التفلسف هو الخروج من الأزمة الأخلاقيّة لا كشف مصادرها,فما يعنيني من أي نظريّة هو نجاعتها على أرض الواقع ومناسبتها للإنسان في جميع توجهاته. أما القسم الثاني من الكتاب فهو محاولة التأسيس لنظرية أخلاقيّة مستمدة من الدين الإسلامي, في هذه الفصول يؤكد طه على تمكّنه من الفقه وأصوله ومن التاريخ الإسلامي بالإضافة إلى الخاصية الأساسيّة وهي التفلسف. يدعو طه إلى العودة إلى الأخلاق الإسلاميّة لأنها الأكمل والأنسب للخروج من الأزمة الأخلاقية التي يواجهها البشر, مصادراَ بذلك على المطلوب وهو "لماذا الأخلاق الإسلامية هي الأنسب والأكمل للبشرية" وكان بناءه المنطقي غير مقنع بالنسبة لي في ذكر الحوادث التي لا تجيب على السؤال بقدر ما تتحجج حوله. ولكي نعود للأخلاق الإسلاميّة ألا يجب أن يكون لدينا نظريّة أخلاقيّة إسلامية كي نطبقها, أو إرثاً حاول التكلم في الأخلاق العمليّة المستمدّة من الإسلام. لأنه نعم لدينا القرآن والسنّة – متجاوزاً بذلك ما سيؤخذ وماسيترك من الطوائف الإسلامية – إلا أننا نحتاج إلى استنباطها وتحويلها إلى نظرية إسلاميّة أخلاقيّة, لأنه عدا ذلك فالمؤلفات الإسلاميّة التي تتكلم في الأخلاق كموضوع رئيسي تعدّ على الأصابع. فلو نظرنا متى تكاملت الحضارة الغربية , لوجدنا أنها تكاملت بعد وجود أرضيّة تامة متكاملة من النظريات بشقيها الفلسفي والعلمي. في نهاية الكلام كان من المخيّب – على غير المتوقع من طه – الوقوع في أخطاء منطقيّة كثيرة أساسها في الغالب هو القفز إلى نتيجة من دون توضيح المقدمة وكأنها شيء تم التسليم به
هو حقّا فيلسوف إسلامي, ومن أهم ميزات الكتاب والكاتب هي المحاولة لخلق فلسفة دينيّة إسلامية تأخذ من الفقه واللغة رفداً دائماً لها ومع إحياء الروحانية الإسلامية التي يقبلها العقل كممارسة جماعيّة على عكس الشطحات الصوفيّة والعرفان المشرقي